شرف الخصومة
----------------
كنت ومازلت معارضاً لتنظيم الإخوان المسلمين، وليس سراً أننى عارضت بشدة سيطرة أفكار التنظيم على منظومة الحكم، ومن ثم على تصورات الدكتور مرسى لشكل الدولة المصرية، ولتعريفه للأمة المصرية ... وليس سراً أيضاً أننى قد وصفت بالهذيان السياسى كل حديث للجماعة يوهم الرجل بأنه ظل رئيساً شرعياً للبلاد حتى بعد انقضاء أربع سنوات على انتخابه ! ... كل هذا لم يمنعنى من أن أطلب له العدل حين كان حياً، ولا من أن أدعو له اليوم بالرحمة وهو بين يدى الرحمن الرحيم ....
----------------
كنت ومازلت معارضاً لتنظيم الإخوان المسلمين، وليس سراً أننى عارضت بشدة سيطرة أفكار التنظيم على منظومة الحكم، ومن ثم على تصورات الدكتور مرسى لشكل الدولة المصرية، ولتعريفه للأمة المصرية ... وليس سراً أيضاً أننى قد وصفت بالهذيان السياسى كل حديث للجماعة يوهم الرجل بأنه ظل رئيساً شرعياً للبلاد حتى بعد انقضاء أربع سنوات على انتخابه ! ... كل هذا لم يمنعنى من أن أطلب له العدل حين كان حياً، ولا من أن أدعو له اليوم بالرحمة وهو بين يدى الرحمن الرحيم ....
... حتى وإن لم يتعمد النظام التخلص من الرجل، فإن ما مارسه هذا النظام "الغاشم" ضده من تنكيل مادى ومعنوى، لم يسلم منهما حتى التيار المدنى، بل وحتى بعض رموز العسكرية المصرية، قد كان كفيلا بإماتة الرجل قهراً وكمداً، مع إسقاط مفهوم "شرف الخصومة السياسية"، هذا إذا ما كان قد تبقى لكلمة "الشرف" أصلاً أى نصيب من معناها فى حياة تُنتزَع منها كل يوم انسانيتها وما تبقى من ملامحها المصرية !
لا أجدنى سعيداً على الإطلاق بخبر وفاة الدكتور مرسى وهو فى حماية "القضاء" المصرى، كما لا أجدنى مطمئناً بأى وجه من وجوه الاطمئنان على مصير الدولة المصرية وأنا أراها أسيرة نظام حكم لا يعرف معنى الحكمة، رغم استدعائه آيات قرآنية يريدها أن تمجد حكمته من حيث أراد النص أن يمجد حكمة سليمان !
رحم الله الدكتور مرسى الذى لا أعفى جماعته من وزر الوصول به إلى نهاية مأساوية كان يمكن أن يتجنبها وأن يجنبنا إياها .... غفر الله له ولنا، وتولانا جميعاً برحمته ونحن نستقبل أياماً لا نعرف ملامحها، ولا نحن نعرف ما ستخلفه وراءها من مكر التاريخ !
==========================
- _____________________________________________
ذم فى صيغة مدح
-----------------
أردت أن يمر شهر رمضان بهدوء دون أن تستدرجنا المهاترات إلى مشاحنات لا تليق بالشهر الكريم، ولقد كنت أحسب أن بعدى عن المشاحنات يكفى لإبعاد المشاحنات عنى، لكن التجربة أثبتت لى عكس هذا ... بعض الرد على ما واجهته من تحرش كان ضرورياً، فالتحرش كان زائداً وتطلب وقتها الرد بما يناسبه، وبعضه الآخر آثرت إرجاءه إلى ما بعد الشهر الكريم، فلم يكن له وجه يستعجل الرد بما قد يفسد روحانية الأيام الماضية، خاصة وقد قررت الابتعاد كليةً عن التفاعل مع الإنترنت، لا مع مواقع التواصل الاجتماعى وحدها، خلال ما كان قد تبقى من شهر رمضان، فلم أقترب حتى من الشعر ولا من الإنشاد الصوفى !
-----------------
أردت أن يمر شهر رمضان بهدوء دون أن تستدرجنا المهاترات إلى مشاحنات لا تليق بالشهر الكريم، ولقد كنت أحسب أن بعدى عن المشاحنات يكفى لإبعاد المشاحنات عنى، لكن التجربة أثبتت لى عكس هذا ... بعض الرد على ما واجهته من تحرش كان ضرورياً، فالتحرش كان زائداً وتطلب وقتها الرد بما يناسبه، وبعضه الآخر آثرت إرجاءه إلى ما بعد الشهر الكريم، فلم يكن له وجه يستعجل الرد بما قد يفسد روحانية الأيام الماضية، خاصة وقد قررت الابتعاد كليةً عن التفاعل مع الإنترنت، لا مع مواقع التواصل الاجتماعى وحدها، خلال ما كان قد تبقى من شهر رمضان، فلم أقترب حتى من الشعر ولا من الإنشاد الصوفى !
مضى الشهر الكريم - والحمد لله - دون أن ألوث أيامه بالسياسة على ما مكننى منه الله سبحانه وتعالى من قدرة على كظم الغيظ؛ أما وقد مضى الشهر بسلام فلا ضرر من العودة إلى بعض السياسة، فهى - على ما يبدو - قد صارت كالخمر : قليل منها قد يصلح المعدة، أو عله يصلح العقل والضمير اللذين أفسدهما حلم الحليم إذ تعفف عن الرد طيلة أيام الشهر الكريم !
فى يوم التاسع من مايو الماضى، نشر الإعلامى والكاتب الصحفى الأستاذ سيد على مقالاً بالأهرام عنوانه "تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى"، وقد ورد فيه اسمى مع آخرين بما يوحى بأن المقال يمتدحنى وإياهم على مواقفنا الوطنية من دعوة الحوار التى بادر بتوجيهها الدكتور أيمن نور لنحو مئة من أصحاب المواقف السياسية والثقافية فى مصر وفى الخارج؛ لكن المقال فى حقيقته، وبعيداً عن صيغة المدح التى كتب بها، إنما كان ذماً لى فى صيغة مدح كما تقول كتب البلاغة !
من يقرأ المقال من متابعى ما أكتب على الفيسبوك سيرى وبوضوح احتواءه على مقاطع كاملة من كتاباتى، نقلها الأستاذ سيد على حرفاً بحرف، ونقطة بنقطة، دون علامات تنصيص، ودون إشارة لاسم صاحبها، وكأنها من إبداعاته هو الفكرية والتعبيرية ! ... ليس هذا ما اعتبرته ذماً لى فى صيغة مدح، فلم أشرع فى كتابة رسالتى هذه مدافعاً عن حقوق ملكيتى الفكرية لأفكارى وكلماتى التى "استعارها" الأستاذ سيد على بعد أن نزع غلاف ما "استعار" ووضع غلافه هو بدلاً منه ! ... وإنما يعنينى فى هذه الحادثة أمران : أولهما أن يتم الحديث عن الثلاثين من يونيو وكأنها تعنى شيئا واحداً فى ضمائر من شاركوا فيها، فهى بالتأكيد ليست كذلك، وما أسمعه اليوم عن "نظام 30 يونيو" هو فى حقيقته تعبير عن نظام آخر انتحل تعبير "30 يونيو" بنفس الجرأة التى انتحل بها الأستاذ سيد على أفكارى وكلماتى !
صحيح أننى أنتمى للثلاثين من يونيو، كما أنتمى للخامس والعشرين من يناير، لكن لا "25 يناير" التى فى ضميرى هى "25 يناير" التى فى ضمير تنظيم الإخوان، ولا "30 يونيو" فى ضميرى هى "30 يونيو" التى فى ضمير النظام ... هو مجرد تشابه أسماء، أو عله يكون مجرد تشابه تواريخ؛ فلا صحة للحديث عن "ائتلاف 30 يونيو" وكأنه حقيقة سياسية قائمة، ولا عن معارضة "وطنية" تستأنس بزميلتها "الموالاة الوطنية"، وكأنهما يعبران معاً عن "نظام 30 يونيو الوطنى" ! ... هذا حديث كحديث الغول والعنقاء والخل الوفى، وبخاصة هذا "الخل الوفى" الذى افتقدنا حضوره بعد "25 يناير" كما افتقدناه بعد "30 يونيو" ! ... فأين تراه ذهب هذا الخل الوفى؟ ربما يكون قد أكله الغول، وربما تكون قد طارت به العنقاء، وربما لم يكن له وجود أصلاً وإنما هى أوهام تكشفت حقيقتها بعد أن سقطت الأقنعة عن هذا وعن ذاك !
الأمر الثانى الذى يعنينى، وهو شديد الارتباط بسابقه، إنما يتعلق بموقفى من المشهد السياسى المصرى برمته، وهو موقف لم يكن له موقع له على خريطة النظام الذى قام بعد 25 يناير، ولا هو له موقع على خريطة وريثه الذى قام بعد 30 يونيو، وأعتقده يكون ذماً فى صيغة مدح إذا ما فسر تنظيم الإخوان موقفى الرافض لنظام "ما بعد 30 يونيو" باعتباره انحيازاً لنظام "ما بعد 25 يناير"، أو أن يفسر الأستاذ سيد على - أو غيره - موقفى الرافض لنظام "ما بعد 25 يناير" باعتباره انحيازاً - ولو من موقع المعارضة - لنظام "ما بعد 30 يونيو" ... كلا النظامين لا يعبران عن آمال وطموحات "الأمة المصرية" التى عبر عنها المصريون فى حراكهم الشعبى فى الخامس والعشرين من يناير وفى الثلاثين من يونيو؛ فالأمة المصرية التى يلوك الطرفان سيرتها ليست غانية يغرها الثناء، وإنما هى حقيقة تاريخية ضيعها النظامان المتصارعان على الغنيمة !
هذه الحقيقة التاريخية الضائعة، المسماة بالأمة المصرية، لا يعرف عنها النظام القائم شيئاً، ولا هو كان يعرف عنها النظام الذى سبقه شيئاً، ولا النظام الذى سبقهما كانت له أدنى معرفة بها؛ لذا فهم لا يروننا إلا مع أحدهما، إذ لا يرى أيهما الأمة المصرية إلا فى مرآة نفسه، ويكره كراهة التحريم أى حديث عن خرائط أخرى تضع "الأمة المصرية" حيث هى بعيداً عن مرايا من لا يرون فى الوجود إلا صورهم ! ... لذا أرانى أشعر بالمهانة حين يمتدح الأستاذ سيد على وطنيتى بأن يأخذنى عنوة لأقف معارضاً وراء الناظر لصورته فى المرآة وكأنها صورة مصر التى أبحث عنها ويبحث عنها ملايين المصريين منذ زمن طويل !
كنت قد اعتذرت عن تلبية دعوة الدكتور أيمن نور لأسباب بينتها فى حينه، وهذا لا يعنى بأى حال من الأحوال أننى أرى التحديات التى تواجه الأمة المصرية، وتواجهها الدولة المصرية، بنفس المنظار النرجسى الذى يراها به النظام القائم، وأى محاولة للإيحاء بذلك لا أراها إلا ذماً فى صيغة مدح، وهى جريمة أكبر عندى من جريمة انتحال إبداعات الآخرين الفكرية والتعبيرية بغير احتشام، فهى جريمة اغتصاب للعقل وللضمير لا مجرد اغتصاب لمنتج من منتجات العقل ولموقف يمليه الضمير، وبغير هذا وذاك لا يكون الإنسانُ إنساناً، ولا تكون الأمةُ أمةً تستحق هذا الوصف !!
===========================

______________________________________________________________________________
مراهقات رمضانية !
-------------------
لا يكف بعض المراهقين عن المراهقة وإن تعاقبت عليهم الفصول والأيام، إذ لا يعى المراهق أن لبعض الأيام مذاقها، وأن لبعض الفصول أحكامها؛ ولقد كان لى من حمق بعض هؤلاء المراهقين نصيب فى هذه الأيام الرمضانية التى لا يريد لها البعض أن تمضى هادئة؛ فلم يفهموا لماذا أعرج فى هذا الشهر من شهور السنة لبعض آداب وفنون وأفكار الصوفية، ولا لماذا لا أداوم بسبب انشغالى بهذه الصوفية على "تعاطى" السياسة ونقد السلطة ! ... وكأن التعاطى مع السياسة إدمان لا يختلف فى شئ عن التدخين الذى يصعب الامتناع عنه خلال شهر رمضان، أو كأن للسياسة - أو للسلطة - وجهاً واحداً يراها به الناس فلا يعرفونها إن هى خرجت عليهم بوجه آخر غيره !
-------------------
لا يكف بعض المراهقين عن المراهقة وإن تعاقبت عليهم الفصول والأيام، إذ لا يعى المراهق أن لبعض الأيام مذاقها، وأن لبعض الفصول أحكامها؛ ولقد كان لى من حمق بعض هؤلاء المراهقين نصيب فى هذه الأيام الرمضانية التى لا يريد لها البعض أن تمضى هادئة؛ فلم يفهموا لماذا أعرج فى هذا الشهر من شهور السنة لبعض آداب وفنون وأفكار الصوفية، ولا لماذا لا أداوم بسبب انشغالى بهذه الصوفية على "تعاطى" السياسة ونقد السلطة ! ... وكأن التعاطى مع السياسة إدمان لا يختلف فى شئ عن التدخين الذى يصعب الامتناع عنه خلال شهر رمضان، أو كأن للسياسة - أو للسلطة - وجهاً واحداً يراها به الناس فلا يعرفونها إن هى خرجت عليهم بوجه آخر غيره !
لا يدرك هؤلاء المراهقون، من هواة إلقاء الاتهامات المجانية، أو الإساءة للغير بالباطل، أن السياسة لا تتجلى فقط فى العلاقة بين الإنسان والسلطة، وإنما هى تتجلى فى كل ما له علاقة بالشأن المدنى، وهذا هو أصل كلمة السياسة فى غير اللغة العربية التى يتعامل أهلها مع السياسة وكأن الناس خيلٌ "تُساس" ! ... الحقيقة التى لا يدركها هؤلاء المراهقون هى أن السياسة فى مصر ليست مريضة فقط بأمراض السلطة، وإنما هى مريضة بكل تشوهات العلاقات المدنية على كل مستوياتها، بل هى مريضة بكل أنواع السلطة لا بأمراض سلطة صاحب الصولجان وحده؛ فسلطة الأفكار الحاكمة للمجتمع هى أكثر مرضاً من سلطة الحاكم صاحب الصولجان، على ما يتكاثر بسلطة هذا الأخير من أمراض لا تحتاج طبيباً لرصد أعراضها؛ وقد تحتاج مواجهة سلطة الأفكار المريضة التى تستبد بنا، وبالذات فى حالتنا المصرية المعاصرة، جَلَداً واستعداداً للتضحية أكثر مما تحتاج إليه مجابهة نزوات سلطة صاحب الصولجان، وبأكثر مما نحتاج لكشف تشوهات هذه الأخيرة ومقاومة انحرافاتها !
السياسة - إذا كان المقصود بها المنظومة المعرفية التى تشكل وتوجه العلاقات المدنية - إنما تتجلى فى كل ما يتصل بحركة الأفكار الحاكمة لحياتنا، من تجاذبات وتنافرات، ومن تفاعلات وتشابكات؛ وما محاولة الترحال بين هذه الأفكار، والاقتراب من ثقوبها السوداء، ومقاومة أسباب الهلاك التى لا تخلو منها مسارات الرحلة، إلا مغامرة تفوق فى خطرها مغامرة التصدى لانحرافات وأخطاء وخطايا سلطة الصولجان !
لا السلطة هى سلطة صاحب الصولجان وحدها، ولا الاستبداد هو استبدادها وحده ... السلطة فى حياتنا لها أكثر من رأس، مثلها مثل وحش "هيدرا" فى الأساطير الإغريقية؛ والاستبداد بدوره لا عنوان له، بل هو يملأ حتى الهواء الذى يتنفسه أكثر من يهتفون ليل نهار بسقوط الاستبداد، لكن أكثر المراهقين لا يعلمون؛ لذا نرانا نرتحل دوماً من استبداد إلى استبداد، أياً كان شكل وعنوان ما يغطى به الاستبداد رأسه، أو يحرك به لسانه، أو يشير إليه بإصبعه، أو أياً ما كان الذى يختاره المستبد من ألعاب الحواة ليلهينا به عن حقيقته !!
====================
________________________________________________
خير الكلام
----------
من القالات المأثورة أن خير الكلام ما قل ودل، وهى قالة صحيحة، لكن صحتها مشروطة بوجود منظومة للمعنى تجمع صاحب الكلام بمن يتلقاه ... فلكى تكون للكلام دلالاته لابد وأن تكون ثمة مرجعيات مشتركة، وصور ذهنية صحية تستدعيها الكلمات ...
----------
من القالات المأثورة أن خير الكلام ما قل ودل، وهى قالة صحيحة، لكن صحتها مشروطة بوجود منظومة للمعنى تجمع صاحب الكلام بمن يتلقاه ... فلكى تكون للكلام دلالاته لابد وأن تكون ثمة مرجعيات مشتركة، وصور ذهنية صحية تستدعيها الكلمات ...
... أما حين تغيب المرجعيات أو تتحجر، وحين تشيه الصور الذهنية التى تستدعيها الكلمات، وتختنق الأفكار فى قوالب صدئة جامدة، لا تستدعى إلا معان ميتة، وتجرم ما عداها من المعانى الحية، فإن الاستطراد فى الحديث يكون ضرورة حتى لا تقع الكلمات فى أسر هذا المناخ الثقافى الخانق؛ بل قد يفرض هذا السياق الاجتماعى الثقافى على الكاتب تعبيرات معقدة، تستدعى إلى النص جملاً اعتراضية، تستدعى بدورها جملاً اعتراضية أخرى ... وهكذا !
هكذا يتعقد الحديث ويتشعب، وتتفرع مكوناته وتتداخل، لا لأن تعقدات النص وتشعباته مقصودة لذاتها، ولا لأن التفرعات والتداخلات بين مكونات النص هى فضائل تُبتَغى لذاتها، ولكن لأن النص إن هو كان مخالفاً فى مقاصده للسائد من الأفكار، إنما يشق لنفسه طريقاً فى بيئة ثقافية مناهضة، تتربص بمعنى النص لترجمه بالحجارة، أو هى تصادره لحسابها وتخضعه لما هو سائد فى المجتمع من مرجعيات المعنى، وتستدعى لفهمه نفس الصور الذهنية البالية التى يسعى النص لتجاوزها إلى صور ذهنية مغايرة !
هذا هو ردى على من يطالبوننى برسائل قصيرة لست عاجزاً عن تحريرها، لكنها لن تؤدى لإحداث أى اختراق معرفى فى بيئتنا الثقافية التى نراها تتحلل كل يوم أكثر من سابقه، حتى أننا لم نعد نعرف ما هى السياسة، ولا ما هى الثورة، ولا ما هى الوطنية، ولا ما هو الدين، ولا ما هو التاريخ، ولا ما هو القصص؛ ولا من أين تأتى الأفكار، ولا إلى أين تذهب، ولا ماهية خرائطها المعرفية، ولا أى شئ عن المنطق الرابط بين مكونات أى منظومة معرفية نراهن عليها لإعادة بناء أمتنا التى تقادم بها العهد حتى غطاها الصدأ وضَيَّع ملامحها ما تكاثر عليها من أتربة الزمان !
قد يكون خير الكلام ما قل ودل، لكن خيراً منه ما كان قادراً على تحدى ما يقف من الكلام عقبة فى طريق المستقبل، وهو كثير لا قليل، وقد يُضِل أكثرُه ولا يَدُل !!
=======================
________________________________________________
قصص طريف أضاع رمزاً صوفياً
----------------------------------
فى كتاب الأغانى - وهو كتاب ملئ بالطرائف التى اهتم بها صاحب الكتاب أكثر من اهتمامه بالحقائق التاريخية - ذكر أبو الفرج الأصفهانى طُرفة يحكى بها قصة أبيات الشعر التى تقول :ـ
----------------------------------
فى كتاب الأغانى - وهو كتاب ملئ بالطرائف التى اهتم بها صاحب الكتاب أكثر من اهتمامه بالحقائق التاريخية - ذكر أبو الفرج الأصفهانى طُرفة يحكى بها قصة أبيات الشعر التى تقول :ـ
قُلْ للمليحةِ فِى الخِمارِ الأسْوَدِ
ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبِّدِ
ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبِّدِ
قد كان شَمَّر للصلاةِ رداءَهُ
حتى وقفتِ له ببابِ المسجِدِ
حتى وقفتِ له ببابِ المسجِدِ
فسلَبْتِ منه دينَهُ ويقينَهُ
وتركتيهِ فى حيرةٍ لا يهتدِى
وتركتيهِ فى حيرةٍ لا يهتدِى
رُدِّى عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ
لا تقتُلِيه بحقِ دينِ محمدِ
لا تقتُلِيه بحقِ دينِ محمدِ
والخمار فى اللغة هو غير النقاب، إذ لا يشترط فيه تغطية الوجه، بل هو مجرد غطاء للرأس يكون للرجال كما يكون للنساء؛ فخمار الرجل هو عمامته، أو أياً كان ما يغطى به رأسه !
يقال عن هذه الأبيات الشعرية التى نسبها الرواة للدارمى - وهو شاعر من العصر الأموى يقال له "المسكين الدارمى"، فلا يخلطن أحد بينه وبين الإمام الدارمى رحمه الله - أن تاجراً قد استقدم إلى المدينة خُمُراً يبيعها للنساء، فباع منها ما كان ذا ألوان مبهجة، وبقيت الخمر السوداء لا تجد من تشتريها، فأوعز التاجر لأحد الشعراء - عله المسكين الدارمى - أن يبدع له شعراً يروج به لهذه الخمر السوداء التى كادت أن تبور، فكانت هذه الأبيات التى ذاع صيتها وتغنى بها الناس، وكان الغناء مقبولاً اجتماعياً ودينياً فى بلاد الحجاز فى هذه الأيام البعيدة، فتسابقت النساء على شراء الخمر السوداء حتى نفدت عن آخرها أملاً فى أن تكون كل واحدة منهن هذه "المليحة" التى لا يطيق مقاومة جمالها حتى الناسك المتعبد !
لا أعرف مدى الصدق التاريخى فى أحداث هذه الطرفة التى قصها علينا أبو الفرج الأصفهانى فى كتابه، وهل لها أصل من التاريخ أم لا، لكن هذه الأبيات - التى يعتبر بعض الناس قائلها صاحب أول إعلان تجارى فى التاريخ - إنما يتغنى بها كثير من المنشدين باعتبارها أبياتاً صوفية مثقلة بالرموز التى ربما تفسدها هذه الرواية "السوقية" عن الخمر التى يبحث بائعها عمن يشتريها !
ولا أعرف يقيناً كيف كان يقرأ بعض المتصوفة رموز هذه الأبيات الشعرية، فجميع أشعارهم معبأة بالرمز كما بينا فى رسالة سابقة، وإن كنت أعتقد أنهم رأوا فى "المليحة" إغراءات الدنيا التى تراود حتى الزهاد والنساك عن أنفسهم؛ فلا شئ يغرى إلا إن بدا مليحاً، وإلا فإنه ينفر ولا يغرى، وكم زلت أقدام الناس - كانوا من الزهاد أو كانوا من غيرهم - أمام إغراءات الدنيا ومباهجها ! ... أما "الخمار" فأعتقدهم قد رأوا فيه ما تغطى به هذه المغريات حقيقتها، وتحجب به عن أعين ناظريها عورتها ... ولا يخفى بعد ذلك لماذا جعل الشاعر هذا الخمار "أسودا"؛ فهل يغطى عورة المغريات فى لغة الرمز الصوفى، أو يبدى محاسن هذه المغريات ويغطى مساوئها، إلا ما كان أسود اللون رمزاً لشرور النفس؟! وهل يرمز للنقاء والصفاء فى لغة الرمز الصوفى إلا اللون الأبيض؟!
الله أعلم بكيف يقرأ بعض المتصوفة لغة الرموز فى هذه الأبيات التى لوصحت نسبتها للمسكين الدارمى لكانت أبعد ما تكون عن الصوفية وعن لغة الرمز لدى الناسك الزاهد المتعبد ! ... أياً كان الأمر فهذه هى الأبيات مغناة بصوت المنشد أحمد حَوِيلِى من لبنان، وإن كان قد زاد عن الأبيات عاليه بيتين يخاطب بهما الزاهد المتعبد يقول فيهما:ـ
يا داعياً للهِ مرفوعَ اليدِ
متوسلاً متضرعاً للمُنجِدِ
متوسلاً متضرعاً للمُنجِدِ
يا طالباً منه الشفاعةَ فى غدٍ
قُلْ للمليحةِ فى الخِمارِ الأَسْوَدِ
قُلْ للمليحةِ فى الخِمارِ الأَسْوَدِ
ثم راح يستخدم ضمير الغائب بدلاً من ضمير المخاطَب، ولا أدرى لماذا؟! ... ثم اضاف فى النهاية بيتاً استوحاه من البيت الأخير يقول فيه:ـ
رُدِّى عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ
لا تقتُلِيه بحقِ عيسى وأحمدِ
لا تقتُلِيه بحقِ عيسى وأحمدِ
أياً ما كان الأمر، فهو إنشاد صوفى جميل، حتى وإن كان أصل أبيات الشعر لا علاقة لها بالصوفية ولا بالمتصوفة، وهو مثال واضح على كيف كان المتصوفة يقرأون كل ما هو دنيوى فج بعيون صوفية تغطى بالرموز الدنيوية أفكاراً روحية سامية ! ... أتحدث بالطبع عن "المتصوفة"، لا عن الدراويش ولا المجاذيب ولا تجار التصوف، ولا عن أىٍّ من هؤلاء الذين أساءوا للصوفية وللمتصوفة عبر القرون، خاصة ما كان من هذه القرون قريباً من الزمن الذى نعيش فيه !
=========================





















Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen