Montag, 4. Mai 2020

الدكتور حازم حسني : شرف الخصومة

شرف الخصومة
----------------
كنت ومازلت معارضاً لتنظيم الإخوان المسلمين، وليس سراً أننى عارضت بشدة سيطرة أفكار التنظيم على منظومة الحكم، ومن ثم على تصورات الدكتور مرسى لشكل الدولة المصرية، ولتعريفه للأمة المصرية ... وليس سراً أيضاً أننى قد وصفت بالهذيان السياسى كل حديث للجماعة يوهم الرجل بأنه ظل رئيساً شرعياً للبلاد حتى بعد انقضاء أربع سنوات على انتخابه ! ... كل هذا لم يمنعنى من أن أطلب له العدل حين كان حياً، ولا من أن أدعو له اليوم بالرحمة وهو بين يدى الرحمن الرحيم ....
... حتى وإن لم يتعمد النظام التخلص من الرجل، فإن ما مارسه هذا النظام "الغاشم" ضده من تنكيل مادى ومعنوى، لم يسلم منهما حتى التيار المدنى، بل وحتى بعض رموز العسكرية المصرية، قد كان كفيلا بإماتة الرجل قهراً وكمداً، مع إسقاط مفهوم "شرف الخصومة السياسية"، هذا إذا ما كان قد تبقى لكلمة "الشرف" أصلاً أى نصيب من معناها فى حياة تُنتزَع منها كل يوم انسانيتها وما تبقى من ملامحها المصرية !
لا أجدنى سعيداً على الإطلاق بخبر وفاة الدكتور مرسى وهو فى حماية "القضاء" المصرى، كما لا أجدنى مطمئناً بأى وجه من وجوه الاطمئنان على مصير الدولة المصرية وأنا أراها أسيرة نظام حكم لا يعرف معنى الحكمة، رغم استدعائه آيات قرآنية يريدها أن تمجد حكمته من حيث أراد النص أن يمجد حكمة سليمان !
رحم الله الدكتور مرسى الذى لا أعفى جماعته من وزر الوصول به إلى نهاية مأساوية كان يمكن أن يتجنبها وأن يجنبنا إياها .... غفر الله له ولنا، وتولانا جميعاً برحمته ونحن نستقبل أياماً لا نعرف ملامحها، ولا نحن نعرف ما ستخلفه وراءها من مكر التاريخ !
==========================
ذم فى صيغة مدح
-----------------
أردت أن يمر شهر رمضان بهدوء دون أن تستدرجنا المهاترات إلى مشاحنات لا تليق بالشهر الكريم، ولقد كنت أحسب أن بعدى عن المشاحنات يكفى لإبعاد المشاحنات عنى، لكن التجربة أثبتت لى عكس هذا ... بعض الرد على ما واجهته من تحرش كان ضرورياً، فالتحرش كان زائداً وتطلب وقتها الرد بما يناسبه، وبعضه الآخر آثرت إرجاءه إلى ما بعد الشهر الكريم، فلم يكن له وجه يستعجل الرد بما قد يفسد روحانية الأيام الماضية، خاصة وقد قررت الابتعاد كليةً عن التفاعل مع الإنترنت، لا مع مواقع التواصل الاجتماعى وحدها، خلال ما كان قد تبقى من شهر رمضان، فلم أقترب حتى من الشعر ولا من الإنشاد الصوفى !
مضى الشهر الكريم - والحمد لله - دون أن ألوث أيامه بالسياسة على ما مكننى منه الله سبحانه وتعالى من قدرة على كظم الغيظ؛ أما وقد مضى الشهر بسلام فلا ضرر من العودة إلى بعض السياسة، فهى - على ما يبدو - قد صارت كالخمر : قليل منها قد يصلح المعدة، أو عله يصلح العقل والضمير اللذين أفسدهما حلم الحليم إذ تعفف عن الرد طيلة أيام الشهر الكريم !
فى يوم التاسع من مايو الماضى، نشر الإعلامى والكاتب الصحفى الأستاذ سيد على مقالاً بالأهرام عنوانه "تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى"، وقد ورد فيه اسمى مع آخرين بما يوحى بأن المقال يمتدحنى وإياهم على مواقفنا الوطنية من دعوة الحوار التى بادر بتوجيهها الدكتور أيمن نور لنحو مئة من أصحاب المواقف السياسية والثقافية فى مصر وفى الخارج؛ لكن المقال فى حقيقته، وبعيداً عن صيغة المدح التى كتب بها، إنما كان ذماً لى فى صيغة مدح كما تقول كتب البلاغة !
من يقرأ المقال من متابعى ما أكتب على الفيسبوك سيرى وبوضوح احتواءه على مقاطع كاملة من كتاباتى، نقلها الأستاذ سيد على حرفاً بحرف، ونقطة بنقطة، دون علامات تنصيص، ودون إشارة لاسم صاحبها، وكأنها من إبداعاته هو الفكرية والتعبيرية ! ... ليس هذا ما اعتبرته ذماً لى فى صيغة مدح، فلم أشرع فى كتابة رسالتى هذه مدافعاً عن حقوق ملكيتى الفكرية لأفكارى وكلماتى التى "استعارها" الأستاذ سيد على بعد أن نزع غلاف ما "استعار" ووضع غلافه هو بدلاً منه ! ... وإنما يعنينى فى هذه الحادثة أمران : أولهما أن يتم الحديث عن الثلاثين من يونيو وكأنها تعنى شيئا واحداً فى ضمائر من شاركوا فيها، فهى بالتأكيد ليست كذلك، وما أسمعه اليوم عن "نظام 30 يونيو" هو فى حقيقته تعبير عن نظام آخر انتحل تعبير "30 يونيو" بنفس الجرأة التى انتحل بها الأستاذ سيد على أفكارى وكلماتى !
صحيح أننى أنتمى للثلاثين من يونيو، كما أنتمى للخامس والعشرين من يناير، لكن لا "25 يناير" التى فى ضميرى هى "25 يناير" التى فى ضمير تنظيم الإخوان، ولا "30 يونيو" فى ضميرى هى "30 يونيو" التى فى ضمير النظام ... هو مجرد تشابه أسماء، أو عله يكون مجرد تشابه تواريخ؛ فلا صحة للحديث عن "ائتلاف 30 يونيو" وكأنه حقيقة سياسية قائمة، ولا عن معارضة "وطنية" تستأنس بزميلتها "الموالاة الوطنية"، وكأنهما يعبران معاً عن "نظام 30 يونيو الوطنى" ! ... هذا حديث كحديث الغول والعنقاء والخل الوفى، وبخاصة هذا "الخل الوفى" الذى افتقدنا حضوره بعد "25 يناير" كما افتقدناه بعد "30 يونيو" ! ... فأين تراه ذهب هذا الخل الوفى؟ ربما يكون قد أكله الغول، وربما تكون قد طارت به العنقاء، وربما لم يكن له وجود أصلاً وإنما هى أوهام تكشفت حقيقتها بعد أن سقطت الأقنعة عن هذا وعن ذاك !
الأمر الثانى الذى يعنينى، وهو شديد الارتباط بسابقه، إنما يتعلق بموقفى من المشهد السياسى المصرى برمته، وهو موقف لم يكن له موقع له على خريطة النظام الذى قام بعد 25 يناير، ولا هو له موقع على خريطة وريثه الذى قام بعد 30 يونيو، وأعتقده يكون ذماً فى صيغة مدح إذا ما فسر تنظيم الإخوان موقفى الرافض لنظام "ما بعد 30 يونيو" باعتباره انحيازاً لنظام "ما بعد 25 يناير"، أو أن يفسر الأستاذ سيد على - أو غيره - موقفى الرافض لنظام "ما بعد 25 يناير" باعتباره انحيازاً - ولو من موقع المعارضة - لنظام "ما بعد 30 يونيو" ... كلا النظامين لا يعبران عن آمال وطموحات "الأمة المصرية" التى عبر عنها المصريون فى حراكهم الشعبى فى الخامس والعشرين من يناير وفى الثلاثين من يونيو؛ فالأمة المصرية التى يلوك الطرفان سيرتها ليست غانية يغرها الثناء، وإنما هى حقيقة تاريخية ضيعها النظامان المتصارعان على الغنيمة !
هذه الحقيقة التاريخية الضائعة، المسماة بالأمة المصرية، لا يعرف عنها النظام القائم شيئاً، ولا هو كان يعرف عنها النظام الذى سبقه شيئاً، ولا النظام الذى سبقهما كانت له أدنى معرفة بها؛ لذا فهم لا يروننا إلا مع أحدهما، إذ لا يرى أيهما الأمة المصرية إلا فى مرآة نفسه، ويكره كراهة التحريم أى حديث عن خرائط أخرى تضع "الأمة المصرية" حيث هى بعيداً عن مرايا من لا يرون فى الوجود إلا صورهم ! ... لذا أرانى أشعر بالمهانة حين يمتدح الأستاذ سيد على وطنيتى بأن يأخذنى عنوة لأقف معارضاً وراء الناظر لصورته فى المرآة وكأنها صورة مصر التى أبحث عنها ويبحث عنها ملايين المصريين منذ زمن طويل !
كنت قد اعتذرت عن تلبية دعوة الدكتور أيمن نور لأسباب بينتها فى حينه، وهذا لا يعنى بأى حال من الأحوال أننى أرى التحديات التى تواجه الأمة المصرية، وتواجهها الدولة المصرية، بنفس المنظار النرجسى الذى يراها به النظام القائم، وأى محاولة للإيحاء بذلك لا أراها إلا ذماً فى صيغة مدح، وهى جريمة أكبر عندى من جريمة انتحال إبداعات الآخرين الفكرية والتعبيرية بغير احتشام، فهى جريمة اغتصاب للعقل وللضمير لا مجرد اغتصاب لمنتج من منتجات العقل ولموقف يمليه الضمير، وبغير هذا وذاك لا يكون الإنسانُ إنساناً، ولا تكون الأمةُ أمةً تستحق هذا الوصف !!
===========================
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏يبتسم‏، ‏‏نص‏‏‏‏
  • Saber Shaheen لا تحزن أستاذنا العظيم الدكتور حازم حسنى لقد سرقوا _ نظام مابعد يناير ومابعد يونيو _وطنا كاملا وأحلام أجيال حاضرة وأجيال قادمه فلا تبتئس من سرقة الأفكار فقد اعتادوا ذلك منذ زمن بعيد فهم رجال ماقبل يناير
  • Samir Gomaa كل عام وانتم بخيريادكتور ، عيد سعيد . ولاتحزن .
    (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)
  • محمود عكيم لا تبتئس يا صديقي
    كلنا يعرف سيد علي وأمثاله ..
    احييك واتفهم موقفك الوطني ..

    اما بالنسبة لي ، فان الثورة هي 25 يناير فقط ، وفيها كتب الشعب شهادة وفاة النظام ، اما 30 يونيو فهي محاولة يائسة من النظام لاستخراج شهادة ميلاد له ..
    فالنظام المسيطر علي الحكم الان هو اشلاء النظام الذي اسقطه الشعب بثورته ، وان تغيرت العباءات والضجيج الاعلامي ..
    والاخوان الذين قفزوا علي الثورة لفترة من الوقت ، ليسوا نظاما ، وليسوا وطنيين ..
    مودتي واحترامي
  • Ahmed Gabr قُل هل يستوي ٢٥ يناير و ٣٠ يونيو ؟؟؟
    لا يستويان أبدا
  • الحسيني داود اذاكل الوجوه تم كشفهااوفضحها بدءامن ينايروانتهاءبيونيووتحولت الساحةالمصرية لصراع بيولوجي يأكل بعضه بعضا حيث البقاء للاقوي وليس لناسوي الانتظار حتي تفرزالساحة فصيلااكثر تميزامابين كائنين تكون له القيادة والغلبة
  • حامل المسك نخب. تحنطت وتعفنت
  • مدحت كمال الدين عثمان كله باطل يراد به باطل, فالاخوان لم ينزلوا فى 25 يناير انما ادعوا كذبا انها بتاعتهم ولم يلتزموا بما قامت 25 يناير لتصححه و لتحققه من آمانى للشعب فى حياة حرة كريمة و رفع المعاناة عن الشعب, و نفس الشيئ مع نظام السيسى, كلاهما سرق الثورتين و ضحكوا على الشعب اللى اكتشف ان كلاهما ليسوا الا Wolves in Sheep Skin - الخلاصة يا دكتور Hazem A. Hosny الوطنيين معروفين و المأجورين معروفين و المتاجرين بالدين والوطنية معروفين , و الكلام و الكتابة مفيش منهم فايدة خالص على ارض الواقع و هذا الجيل من المصريين افقدوه منذ 1970 احساسه بالانتماء والغيرة على الوطن والارض والعرض و كل واحد بيدور على استقرار اوضاعه الشخصية و مش فارق معهم اللى فى المعتقلات بلا جريرة ولا اهاليهم و الشحططة اللى بيشوفوها - فسيب اللى يكتب يكتب, نصيحة يا دكتور Hazem A. Hosny بطل كتابة لان هذا الجيل مش عايز وعى ولا توعية, مش حيتحركوا الا لما تخرب خالص و يكتشفوا ان مصر كلها اتباعت و هم اصبحوا مجرد عبيد شغالين عند الامتيازات الاجنبية بلا حقوق و الجيش, اللى فى التعديلات الاخيرة قالوا "يحمى مدنية الدولة" Whatever That Means و لكن معناها حاجة واحدة وهى ان الجيش حيكون دوره هو دور كلب حراسة الامتيازات الاجنبية ضد اى معارض نظير عضمة, و حيسموا ده جيش وطنى بيحمى مدنية الدولة, هو ده الكتالوج الامريكى فى دول امريكا اللاتينية, قلة حاكمة و مستفيدة من ثروات البلد, مصالح اجنبية تسرق الثروات المعدنية كلها و نظام عسكرى عميل يتقاضى رشوة ثمن حماية المنظومة على شكل معونات عسكرية و امتيازات مجحفة من قوت الشعب, و لكن شعوب امريكا اللاتينية ثارت بعد سنين من التعذيب والاختفاءات القسرية و القتل, انما الشعب فى مصر ولا حيتحرك و اللى اتحركوا بيلعنوهم لانهم وقفوا الشغل و التجارة و عقابا للشعب اصبحت الاحوال المعيشية اسوأ عملا بنظرية جوع الكلب يمشى وراك و دى نتيجة النص ثورة اللى هو اسوأ من ثورة يتولى الثوار الحكم ليغيروا ما ثاروا عليه, مش يسلموا الثورة للمجلس العسكرى اللى لحم اكتافه من الفساد و اجهض الثورة - قول يا باسط, مفيش فايدة فى هذا الجيل من المصريين....
  • Saad Nowar ومن هو هذا السيد على ؟ هو ارزقى يبحث عن السبوبة على كل الموائد مبارك مع جمال واخوانى مع مرسى حين اطلق لحيته وقال انها سنه ثم اذا ماتغير الوضع تغير وضعه هو ايضا" وهلم جرا ...هذا لا يستحق التعقيب على ما يكتب ولا عناء الرد عليه ..مع كامل احترامى لوجهة نظرك يا دكتور
  • Mahfouz Eltaweel من حقك و من حقنا عليك أن تكشف و تفضح من لا يستحون و كل من يتصوروا أنهم على حق و هم في الحقيقة أبعد ما يكونوا عن الحق و الحقيقة و حتما سينقرضوا كالجرزان رغم أن البعض منهم يخيل إليهم أنهم ديناصورات Hazem A. Hosny
  • سامح هﻻل مصطفى أستاذ حازم
    كل عام وحضرتك بخير
    يؤسفني ويحزنني أن اجدك تتحدث عن 30 يونيو بنفس حماسك للحديث عن 25 يناير بل وتساوي بينهما في المقدمات والنتائج وانت خير العارفين من هي مكونات 30 يونيو وما هي مقدماتها ونتائجها بالمقارنة مع 25 يناير

    كما يؤسفني ويحزنني أن اجدك تساوي بين حكم الإخوان وفترة الرئيس مرسي وبين النظام الاستبدادي الحالي وكأنهما وجهان لعملة واحدة وانت استاذ جامعة ومفكر سياسي واجتماعي وتعلم علم اليقين أن المقارنة ظالمة ولا تستند إلى أي معايير للعدل وكأنك تريد أن تساوي بين الأخطاء والخطايا
    استاذ حازم
    لك كل الحق أن تختلف مع أي فصيل سياسي أو ديني أو فكري ولك الحق أن تدعو لمثالب هذا الفصيل أو ذاك لكن الذي ليس من حقك ولا حقي ولا حق أحد أن يلوي ذراع الحقيقة ويضع جميع الخصوم في سلة واحدة دون التفرقة بين من أخطأ اجتهادا ومن أخطأ عمدا ومن ارتكب جرائم لا يجوز التسامح معها
    د. حازم
    أتمنى أن يمتلك استاذ كبير مثلك القدرة على التمييز بين الكراهية التي تشعر بها تجاه تيار فكري أو سياسي أو إيديولوجي وهذا حقك وبين النقد الموضوعي الذي يفرض على الكبار التحلي بالحياد والموضوعية وذكر المناقب قبل المثالب لمن أكرهه كمن أحبه
    د. حازم
    ارجو إلا أكون قد تجاوزت حدودي في الرد وارجو قبول آحترامي وتقديري لشخصكم الكريم
  • Khalid Gomaa الإتيان على ذكر "سيد علي" ومن هم على شاكلته -ولو بالسباب واللعن- هو تشريف لهم لا يستحقونه.

______________________________________________________________________________
مراهقات رمضانية !
-------------------
لا يكف بعض المراهقين عن المراهقة وإن تعاقبت عليهم الفصول والأيام، إذ لا يعى المراهق أن لبعض الأيام مذاقها، وأن لبعض الفصول أحكامها؛ ولقد كان لى من حمق بعض هؤلاء المراهقين نصيب فى هذه الأيام الرمضانية التى لا يريد لها البعض أن تمضى هادئة؛ فلم يفهموا لماذا أعرج فى هذا الشهر من شهور السنة لبعض آداب وفنون وأفكار الصوفية، ولا لماذا لا أداوم بسبب انشغالى بهذه الصوفية على "تعاطى" السياسة ونقد السلطة ! ... وكأن التعاطى مع السياسة إدمان لا يختلف فى شئ عن التدخين الذى يصعب الامتناع عنه خلال شهر رمضان، أو كأن للسياسة - أو للسلطة - وجهاً واحداً يراها به الناس فلا يعرفونها إن هى خرجت عليهم بوجه آخر غيره !
لا يدرك هؤلاء المراهقون، من هواة إلقاء الاتهامات المجانية، أو الإساءة للغير بالباطل، أن السياسة لا تتجلى فقط فى العلاقة بين الإنسان والسلطة، وإنما هى تتجلى فى كل ما له علاقة بالشأن المدنى، وهذا هو أصل كلمة السياسة فى غير اللغة العربية التى يتعامل أهلها مع السياسة وكأن الناس خيلٌ "تُساس" ! ... الحقيقة التى لا يدركها هؤلاء المراهقون هى أن السياسة فى مصر ليست مريضة فقط بأمراض السلطة، وإنما هى مريضة بكل تشوهات العلاقات المدنية على كل مستوياتها، بل هى مريضة بكل أنواع السلطة لا بأمراض سلطة صاحب الصولجان وحده؛ فسلطة الأفكار الحاكمة للمجتمع هى أكثر مرضاً من سلطة الحاكم صاحب الصولجان، على ما يتكاثر بسلطة هذا الأخير من أمراض لا تحتاج طبيباً لرصد أعراضها؛ وقد تحتاج مواجهة سلطة الأفكار المريضة التى تستبد بنا، وبالذات فى حالتنا المصرية المعاصرة، جَلَداً واستعداداً للتضحية أكثر مما تحتاج إليه مجابهة نزوات سلطة صاحب الصولجان، وبأكثر مما نحتاج لكشف تشوهات هذه الأخيرة ومقاومة انحرافاتها !
السياسة - إذا كان المقصود بها المنظومة المعرفية التى تشكل وتوجه العلاقات المدنية - إنما تتجلى فى كل ما يتصل بحركة الأفكار الحاكمة لحياتنا، من تجاذبات وتنافرات، ومن تفاعلات وتشابكات؛ وما محاولة الترحال بين هذه الأفكار، والاقتراب من ثقوبها السوداء، ومقاومة أسباب الهلاك التى لا تخلو منها مسارات الرحلة، إلا مغامرة تفوق فى خطرها مغامرة التصدى لانحرافات وأخطاء وخطايا سلطة الصولجان !
لا السلطة هى سلطة صاحب الصولجان وحدها، ولا الاستبداد هو استبدادها وحده ... السلطة فى حياتنا لها أكثر من رأس، مثلها مثل وحش "هيدرا" فى الأساطير الإغريقية؛ والاستبداد بدوره لا عنوان له، بل هو يملأ حتى الهواء الذى يتنفسه أكثر من يهتفون ليل نهار بسقوط الاستبداد، لكن أكثر المراهقين لا يعلمون؛ لذا نرانا نرتحل دوماً من استبداد إلى استبداد، أياً كان شكل وعنوان ما يغطى به الاستبداد رأسه، أو يحرك به لسانه، أو يشير إليه بإصبعه، أو أياً ما كان الذى يختاره المستبد من ألعاب الحواة ليلهينا به عن حقيقته !!
====================
________________________________________________
خير الكلام
----------
من القالات المأثورة أن خير الكلام ما قل ودل، وهى قالة صحيحة، لكن صحتها مشروطة بوجود منظومة للمعنى تجمع صاحب الكلام بمن يتلقاه ... فلكى تكون للكلام دلالاته لابد وأن تكون ثمة مرجعيات مشتركة، وصور ذهنية صحية تستدعيها الكلمات ...
... أما حين تغيب المرجعيات أو تتحجر، وحين تشيه الصور الذهنية التى تستدعيها الكلمات، وتختنق الأفكار فى قوالب صدئة جامدة، لا تستدعى إلا معان ميتة، وتجرم ما عداها من المعانى الحية، فإن الاستطراد فى الحديث يكون ضرورة حتى لا تقع الكلمات فى أسر هذا المناخ الثقافى الخانق؛ بل قد يفرض هذا السياق الاجتماعى الثقافى على الكاتب تعبيرات معقدة، تستدعى إلى النص جملاً اعتراضية، تستدعى بدورها جملاً اعتراضية أخرى ... وهكذا !
هكذا يتعقد الحديث ويتشعب، وتتفرع مكوناته وتتداخل، لا لأن تعقدات النص وتشعباته مقصودة لذاتها، ولا لأن التفرعات والتداخلات بين مكونات النص هى فضائل تُبتَغى لذاتها، ولكن لأن النص إن هو كان مخالفاً فى مقاصده للسائد من الأفكار، إنما يشق لنفسه طريقاً فى بيئة ثقافية مناهضة، تتربص بمعنى النص لترجمه بالحجارة، أو هى تصادره لحسابها وتخضعه لما هو سائد فى المجتمع من مرجعيات المعنى، وتستدعى لفهمه نفس الصور الذهنية البالية التى يسعى النص لتجاوزها إلى صور ذهنية مغايرة !
هذا هو ردى على من يطالبوننى برسائل قصيرة لست عاجزاً عن تحريرها، لكنها لن تؤدى لإحداث أى اختراق معرفى فى بيئتنا الثقافية التى نراها تتحلل كل يوم أكثر من سابقه، حتى أننا لم نعد نعرف ما هى السياسة، ولا ما هى الثورة، ولا ما هى الوطنية، ولا ما هو الدين، ولا ما هو التاريخ، ولا ما هو القصص؛ ولا من أين تأتى الأفكار، ولا إلى أين تذهب، ولا ماهية خرائطها المعرفية، ولا أى شئ عن المنطق الرابط بين مكونات أى منظومة معرفية نراهن عليها لإعادة بناء أمتنا التى تقادم بها العهد حتى غطاها الصدأ وضَيَّع ملامحها ما تكاثر عليها من أتربة الزمان !
قد يكون خير الكلام ما قل ودل، لكن خيراً منه ما كان قادراً على تحدى ما يقف من الكلام عقبة فى طريق المستقبل، وهو كثير لا قليل، وقد يُضِل أكثرُه ولا يَدُل !!
=======================
________________________________________________
قصص طريف أضاع رمزاً صوفياً
----------------------------------
فى كتاب الأغانى - وهو كتاب ملئ بالطرائف التى اهتم بها صاحب الكتاب أكثر من اهتمامه بالحقائق التاريخية - ذكر أبو الفرج الأصفهانى طُرفة يحكى بها قصة أبيات الشعر التى تقول :ـ
قُلْ للمليحةِ فِى الخِمارِ الأسْوَدِ
ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبِّدِ
قد كان شَمَّر للصلاةِ رداءَهُ
حتى وقفتِ له ببابِ المسجِدِ
فسلَبْتِ منه دينَهُ ويقينَهُ
وتركتيهِ فى حيرةٍ لا يهتدِى
رُدِّى عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ
لا تقتُلِيه بحقِ دينِ محمدِ
والخمار فى اللغة هو غير النقاب، إذ لا يشترط فيه تغطية الوجه، بل هو مجرد غطاء للرأس يكون للرجال كما يكون للنساء؛ فخمار الرجل هو عمامته، أو أياً كان ما يغطى به رأسه !
يقال عن هذه الأبيات الشعرية التى نسبها الرواة للدارمى - وهو شاعر من العصر الأموى يقال له "المسكين الدارمى"، فلا يخلطن أحد بينه وبين الإمام الدارمى رحمه الله - أن تاجراً قد استقدم إلى المدينة خُمُراً يبيعها للنساء، فباع منها ما كان ذا ألوان مبهجة، وبقيت الخمر السوداء لا تجد من تشتريها، فأوعز التاجر لأحد الشعراء - عله المسكين الدارمى - أن يبدع له شعراً يروج به لهذه الخمر السوداء التى كادت أن تبور، فكانت هذه الأبيات التى ذاع صيتها وتغنى بها الناس، وكان الغناء مقبولاً اجتماعياً ودينياً فى بلاد الحجاز فى هذه الأيام البعيدة، فتسابقت النساء على شراء الخمر السوداء حتى نفدت عن آخرها أملاً فى أن تكون كل واحدة منهن هذه "المليحة" التى لا يطيق مقاومة جمالها حتى الناسك المتعبد !
لا أعرف مدى الصدق التاريخى فى أحداث هذه الطرفة التى قصها علينا أبو الفرج الأصفهانى فى كتابه، وهل لها أصل من التاريخ أم لا، لكن هذه الأبيات - التى يعتبر بعض الناس قائلها صاحب أول إعلان تجارى فى التاريخ - إنما يتغنى بها كثير من المنشدين باعتبارها أبياتاً صوفية مثقلة بالرموز التى ربما تفسدها هذه الرواية "السوقية" عن الخمر التى يبحث بائعها عمن يشتريها !
ولا أعرف يقيناً كيف كان يقرأ بعض المتصوفة رموز هذه الأبيات الشعرية، فجميع أشعارهم معبأة بالرمز كما بينا فى رسالة سابقة، وإن كنت أعتقد أنهم رأوا فى "المليحة" إغراءات الدنيا التى تراود حتى الزهاد والنساك عن أنفسهم؛ فلا شئ يغرى إلا إن بدا مليحاً، وإلا فإنه ينفر ولا يغرى، وكم زلت أقدام الناس - كانوا من الزهاد أو كانوا من غيرهم - أمام إغراءات الدنيا ومباهجها ! ... أما "الخمار" فأعتقدهم قد رأوا فيه ما تغطى به هذه المغريات حقيقتها، وتحجب به عن أعين ناظريها عورتها ... ولا يخفى بعد ذلك لماذا جعل الشاعر هذا الخمار "أسودا"؛ فهل يغطى عورة المغريات فى لغة الرمز الصوفى، أو يبدى محاسن هذه المغريات ويغطى مساوئها، إلا ما كان أسود اللون رمزاً لشرور النفس؟! وهل يرمز للنقاء والصفاء فى لغة الرمز الصوفى إلا اللون الأبيض؟!
الله أعلم بكيف يقرأ بعض المتصوفة لغة الرموز فى هذه الأبيات التى لوصحت نسبتها للمسكين الدارمى لكانت أبعد ما تكون عن الصوفية وعن لغة الرمز لدى الناسك الزاهد المتعبد ! ... أياً كان الأمر فهذه هى الأبيات مغناة بصوت المنشد أحمد حَوِيلِى من لبنان، وإن كان قد زاد عن الأبيات عاليه بيتين يخاطب بهما الزاهد المتعبد يقول فيهما:ـ
يا داعياً للهِ مرفوعَ اليدِ
متوسلاً متضرعاً للمُنجِدِ
يا طالباً منه الشفاعةَ فى غدٍ
قُلْ للمليحةِ فى الخِمارِ الأَسْوَدِ
ثم راح يستخدم ضمير الغائب بدلاً من ضمير المخاطَب، ولا أدرى لماذا؟! ... ثم اضاف فى النهاية بيتاً استوحاه من البيت الأخير يقول فيه:ـ
رُدِّى عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ
لا تقتُلِيه بحقِ عيسى وأحمدِ
أياً ما كان الأمر، فهو إنشاد صوفى جميل، حتى وإن كان أصل أبيات الشعر لا علاقة لها بالصوفية ولا بالمتصوفة، وهو مثال واضح على كيف كان المتصوفة يقرأون كل ما هو دنيوى فج بعيون صوفية تغطى بالرموز الدنيوية أفكاراً روحية سامية ! ... أتحدث بالطبع عن "المتصوفة"، لا عن الدراويش ولا المجاذيب ولا تجار التصوف، ولا عن أىٍّ من هؤلاء الذين أساءوا للصوفية وللمتصوفة عبر القرون، خاصة ما كان من هذه القرون قريباً من الزمن الذى نعيش فيه !
=========================
  • Fawzy Elashmawy أنشدها بإبداع الفنان العراقي الكبير المرحوم ناظم الغزالي ، والفنان السوري الكبير صباح فخري ، والفنان المصري علي الهلباوي
  • محمود عكيم في عهد دراستي الجامعية منذ زمن بعيد ، ومع استشرافي ملكة الشعر بداخلي ، وسباقي في النهل من الشعر القديم ، كانت احدي امنياتي ان امتلك كتاب الاغاني للاصفهاني ولم يكن ذلك ميسورا لي ، وغاية ما تمكنت منه عددين من طبعة مكتبة الشعب ..
    وبعد دخولي عالم النت ، ظل
    لت ابحث عنه حتي وجدته ، ولك ان تتخيل قدر سعادتي واستمتاعي بكتاب ظللت اطارده من الثمانينات حتي الالفية ..
    ولا يغيب عنك صديقي ان الكتاب هو كتاب سماع وغناء بصنف اصواتا ومقامات ، وكان العرب لا يعرفون الا الشعر بتفعيلاته وبحوره
    اطلت عليك فاعذرني
    قل للمليحة أبيات نالت شهرتها من طرافة ماروي عنها ..
    واعجب ان يقال عنها صوفيات !!
    ماشأنهم بها الا كشأن تأويلاتهم لللقران الكريم ، يطوعونه ويلوون اعناق الكلام علي هواهم
    افهم ان تكون لهم اشعارهم وادبياتهم ، ولكني لا اسيغ قفزهم علي اشياء لا تحتمل شطحاتهم .
    وهذه احد الادلة علي شططهم ..
    معظم الناس لا يسلم الفن التشكيلي عندهم من العبث ، وما ذلك الا لتوليد معاني من الخطوط والالوان لا تستطيع حصرها او وضع قواعد منضبطة حصريا ..
    الابيات رائعة لاشك ، ولم ار مبررا او حتي قبولا لها من زاوية التصوف .
    مودتي واحترامي
    • Hazem A. Hosny
      Christopher Mark
      قضية حقوق المؤلف قضية مختلفة تماماً ولا علاقة لها بتعبير "موت المؤلف" ... الأخبرة تختص بالنص، أما الأولى فتتعلق بفهمه ... لا يوجد فى القانون ولا فى العرف ما يفرض على الناس فهماً بعينه للنص، خاصة إذا لم يكن صاحب النص حاضراً ليشرح ماذا يقصد بما كتب
  • مدحت كمال الدين عثمان مقال ممتع يا دكتور Hazem A. Hosny انت كده تمام التمام و ال Big Brothers ,تعبير نستخدمه هنا يرمز لمكتب الاستخبارات الفدرالية FBI , اكيد بقوا مبسوطين منك مادام بتكتب بعيد عن السياسة و ادارة الاقتصاد باسلوب علمى بدل الاسلوب الكفتجى - انا بافكر اتوب عن السياسة و اكتب عن طرق تزاوج الحشرات ..... حاجة تفلق - تحياتى و تمنياتى لك و لاسرتك بكل خير و سلامة الى ان يقضى الله امرا كان مفعولا...
    • Hazem A. Hosny بعد الشر عليك من الفلقة ! ... السياسة والاقتصاد لهما روابط تربطهما بكل مناحى الحياة، وبخاصة حركات الأفكار؛ ولا أعتقد أن تجربة مصر التاريخية تبرر غفلتك أو غفلة غيرك عن الدور الذى تلعبه الأفكار الدينية فى تفاعلها مع السياسة ومع الاقتصاد ... حتى فى الولايات المتحدة الأمريكية التى تقيم فيها لا أعتقد أن الدين لا يتفاعل مع السياسة ! ... حتى طرق تزاوج الحشرات ربما تكون مدخلاً مناسباً لفهم بعض التفاعلات السياسية والاقتصادية فى دنيا الإنسان، فلا تتعجب، وثق أن الإف بى آى والسى آى إيه يستعينان أحياناً بمتخصصين فى علوم الحشرات لتجويد أعمالهما !
  • Christopher Mark الأصوب من أنْ يٌقال يُقال أنّ أنْ يٌفال يٌفال إنّ..
    وألاحظ أن هذا ملمح راسخ في كتابتكم القيمة حتى أني أشك أنها عن قصد ما يفوت فهمي!

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen