قطار الذكريات يسير فى اتجاهين
--------------------------------
الأستاذ محمد ناصر إعلامى مثقف وموهوب، رغم بعض الهنات المعلوماتية التى يقع فيها من وقت لآخر، وهو يمتلك فوق ثقافته كاريزما جعلته قريباً من متابعيه، ويتمتع بخفة ظل مصرية قَلَّ أن يتمتع بها إعلاميونا، خاصة إعلاميو النظام الذين يفقدون خفة ظلهم كلما ألقى عليهم مندوب النظام ظله !
--------------------------------
الأستاذ محمد ناصر إعلامى مثقف وموهوب، رغم بعض الهنات المعلوماتية التى يقع فيها من وقت لآخر، وهو يمتلك فوق ثقافته كاريزما جعلته قريباً من متابعيه، ويتمتع بخفة ظل مصرية قَلَّ أن يتمتع بها إعلاميونا، خاصة إعلاميو النظام الذين يفقدون خفة ظلهم كلما ألقى عليهم مندوب النظام ظله !
كان الأستاذ ناصر يقوم بدور مهم كصوت إعلامى معارض بعد أن اختفت المعارضة السياسية تماماً عن منابرنا الإعلامية التى لا تنطق إلا عبر أجهزة سامسونج ! ... لا يعنينى إن كنت اتفق معه أو أختلف فيما يطرح من آراء، فالمهم هو مساهمة الرجل فى ألا يكون المصريون ضحية الصوت الواحد الذى هو أهم سمة من سمات النظم الفاشية، وهى نظم رفضها المصريون عبر ثوراتهم وانتفاضاتهم التى أدهشت كل من تصور أنهم خانعون بطبيعتهم، وأنهم راضون بكل ما يقرره بشأنهم أصحاب السلطان !
كم تؤلمنى هذه التحولات التى طرأت على الرجل وازدادت حدتها منذ وفاة الدكتور محمد مرسى، رحمه الله؛ فقد انعكست عليه كل ملامح الارتباك التى أصابت الجماعة بعد هذه الوفاة، وبدا توتره واضحاً فى هذه اللغة المنفلتة التى بدأ يكثر من استخدامها للحط من شأن كل مخالف لحق الإخوان فى الاستمرار بالحكم، بل وبدأ فى استدعاء رسائل حسن البنا والترويج لها وكأنها كنز فكرى، أو ترياق يطرد السموم التى ملأت فضاءنا المعرفى؛ ثم راح - على طريقة الجماعة - يستدعى آيات القرآن الكريم، المؤسِّسة لقواعد لها صفة "العمومية"، ليجعلها تنطق "تخصيصاً" بلسان الجماعة فى مواجهة مخاصميها ومعارضيها !
قدم الأستاذ ناصر مساء أمس الأول فقرة افتتاحية أراها من أسخف ما شاهدت منذ زمن فى برنامجه، وأعتقده قد شعر هو نفسه بسخف هذه الفقرة بعد أن انتهى منها، قاعتذر عنها بأنه لم يكن يحب أن يتطرق إليها؛ لكنه عاد بالأمس ليفعل ما هو أسوأ، ويتناول الثلاثين من يونيو بوصلة من "الردح الإعلامى" الذى لا يختلف فى شئ عما تمارسه أذرع النظام الإعلامية من إسفاف ومن توزيع الاتهامات بغير حق، وتحميل الأحداث فوق ما تحتمل !
لم يعد الأمر كما تابعته يتعلق بوجهة نظر مخالفة فى تفسير وتحليل الأحداث، بل صار أقرب لـ"خناقات الضراير" ! ... من حق الأستاذ ناصر بطبيعة الحال أن يرى فى حركة التاريخ فى 30 يونيو ما يراه، لكن هل يحق له اتهام كل من شارك فيها بالإجرام والحيوانية، وصولاً إلى الحط من قدرهم، والتشكيك فى مروءتهم، وسبهم بألفاظ لا تليق بإعلام يحترم أخلاق وعقول مشاهديه مما أتعفف عن تكراره هنا فى هذه الرسالة؟!
أبسط قواعد الحرية والكرامة الإنسانية هو أن تكون لكل إنسان قراءته المستقلة للأحداث، وتقييمه المستقل لمساراتها، وتحليله المستقل لأسبابها وتداعياتها؛ فالتاريخ نسبى بطبيعة التدافع الإنسانى، وما يسجله التاريخ فى أضابيره هو حمال أوجه، خاصة وأننا ما زلنا فى قلب أحداث لم تنته إلى غاياتها بعد، ولم تفصح الأضابير عن كل أسرارها بعد؛ وسواء سارت الأحداث وفق ما يحب كل منا أو وفق ما يكره، أو كانت بين هذا وذاك، فإنه تبقى للتاريخ الإنسانى حكمته، حتى وإن كانت هذه الحكمة قاسية بمعايير قراءة الإنسان لأحكامها !
قرر الأستاذ ناصر أن يشن وفريق برنامجه حملة، تحت عنوان "بنفكرك"، كى ينالوا من 30 يونيو ومن كل من أسهم فيها ولو بصمته ! ... الحملة لم تتورع - كما ذكرت - عن الحط من شأن الحدث التاريخى ومن شأن من ساندوه ولو باللجوء للقذف والسب دون أن تقدم الحملة أى تحليل موضوعى للمسار التاريخى الذى "يمر" - مجرد مرور - بيوم الثلاثين من يونيو، وهو ما دفعنى لوصفه بأنه مجرد "خناقات ضراير" تتساوى فيها كل "الضراير" من حيث الإسفاف، والسعى بين الناس بأنصاف الحقائق، بل وبأرباعها أحياناً، ومن حيث الاستسلام لغواية الانحطاط الأخلاقى التى كنا نظن أنها وقف على بعض أذرع النظام الإعلامية !
بديع بالطبع أن يذكرنا الأستاذ ناصر بما يخشى علينا من نسيانه، فالذكرى تنفع المؤمنين، لكنه ينسى أن قطار الذكريات يتحرك فى الاتجاهين، والأبدع فى حركته هذه هو أن يذكر بعضنا بعضاً بما يكون قد نسى أو تناسى وهو ينفث أحقاده على يوم لا هو من أعظم أيام التاريخ كما يدلس النظام، ولا هو من أبأسها كما تدلس علينا حملة "بنفكرك"، بل هو حدث تاريخى ككل أحداث التاريخ علينا أن نفهمه بلغة العقل لا بلغة المشاعر التى لا يملك بعضنا على ما يبدو إلاها لتملق الذات وتصفية الحسابات !
لا أريد أن يبقى حديثى هكذا فى العموم، لذا فقد أستأذن الأستاذ محمد ناصر وفريقه فى استعارة عنوان حملتهم لأنسج حوله عنواناً لسلسلة من الرسائل بعنوان "واحنا برضه بنفكرك"، فعلَّها تكون مفيدة فى إعادة الجميع إلى جادة الصواب التى حدنا عنها بعد أن أسكرتنا الأوهام ! ... لا أعرف كم ستبلغ رسائل هذه السلسلة عدداً، لكنها على أية حال ستستمر بقدر ما يحتاج العقل الجمعى لأن يستجمع أكبر قدر ممكن من عناصر الصورة التى مزقتها "خناقات الضراير" !!
===================








______________________________________________________________________________
بأى الثورتين نبدأ؟
------------------
لا أعرف حقيقةً كيف يقرأ بعض مرتادى مواقع التواصل الاجتماعى ما يعلقون عليه، فبعض التعليقات ينضح بعدم الفهم، حتى للمفردات والأساليب اللغوية التى يأخذونها بتعليقاتهم إلى دنيا العبث واللامعقول ! ... خذوا على سبيل المثال رسالتى السابقة عن الأمتين الإسلامية والمصرية، فقد فسرها بعضهم بأنها تستهدف بيان "مساوئ الأمة الإسلامية" فى مقابل "محاسن الأمة المصرية"، ثم راح يتحسر على هذه المقارنة الظالمة !
------------------
لا أعرف حقيقةً كيف يقرأ بعض مرتادى مواقع التواصل الاجتماعى ما يعلقون عليه، فبعض التعليقات ينضح بعدم الفهم، حتى للمفردات والأساليب اللغوية التى يأخذونها بتعليقاتهم إلى دنيا العبث واللامعقول ! ... خذوا على سبيل المثال رسالتى السابقة عن الأمتين الإسلامية والمصرية، فقد فسرها بعضهم بأنها تستهدف بيان "مساوئ الأمة الإسلامية" فى مقابل "محاسن الأمة المصرية"، ثم راح يتحسر على هذه المقارنة الظالمة !
كاد يحضرنى وأنا أقرأ مثل هذا التعليق منطق نزار قبانى وهو يقول فى إحدى قصائده إن " الحب فى الأرض بعض من تخيلنا؛ لو لم نجده عليها لاخترعناه" !! ... لا أعتقد أن كلمات نزار تصف أحوال الحب وحده، وإنما هى تصف أيضاً أحوال أخرى كثيرة، إذ لم يكن فى رسالتى أى حديث عن محاسن ومفاسد أى أمة، وإنما فقط حديث عن ضرورة التمييز بين مفهوم الأمة فى "السياق الدينى"، ومفهوم الأمة فى "السياق القومى"، وعن خطورة الخلط بين السياقين !
خذوا مثالاً آخر رسالتى الأخيرة عن الوضع العام القائم فى مصر، فقد راح بعض هواة التعليق المجانى يتهمون صاحب التعليق باليأس أو بمازلة النظام، رغم الرسالة لم تُكتب بصيغة تحتمل مغازلة النظام، ورغم أن صاحب الرسالة قد حرص على التأكيد فى متنها على أنها ليست دعوة لليأس، وإنما هى دعوة للتفكير السليم فى كيف يكون ترشيد المسارات التى تقودنا إلى المستقبل ! ... وبمناسبة "كيف" هذه، فهى وإن كانت أداة استفهام إلا أن توظيفها فى هذا السياق لا يعنى أن الكاتب يستفسر من القارئ عن كيف تكون المسارات، كما ذهب إلى ذلك بعض من فسروها على هذا النحو لينالوا من النخبة التى لا تعرف الطريق وتريد من عموم الناس أن يرشدوها إليها !!
الأمثلة بخلاف هذين المثالين هى أكثر من أن أحصيها ... فما الذى أوصلنا إلى برج بابل هذا الذى لا يفهم سكانه من مفردات اللسان وأدواته ما يفهمه الناس فى بلاد الناس؟! ... هل هو نظامنا التعليمى الفاسد الذى ينتج لنا قطعاناً من حملة الشهادات الذين لا يعرفون طريق المكتبة، وإن هم عرفوا الطريق إليها فإنهم لا يعرفون للوصول إلى المعرفة وإلى الحقيقة طريقاً؟! كيف هذا وهم لا يفهمون ما يُطرَح عليهم من أفكار ومن رؤى يحللونها، ولا يعرفون كيف يقارنون بينها، وكيف يستخرجون منها ما يرون من أحكام يشأن هذه الرؤى وهذه الأفكار، إن لها أو عليها، ولا هم يعرفون كيف يكون التفكير النقدى، ولا كيف يوظفون آلة التفكير وأدوات المنطق لتكوين وجهة نظر مستقلة ومتماسكة بشأن ما هو مطروح عليهم من قضايا؟!
هل هى آفة كتاب الأستاذ الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن هو اجتر الطالب ما فى الكتاب نجح، وإن هو خالفه كان من الراسبين؟! ... هل هى آفة الملخصات التى تغنى الطالب عن البحث والتفكير؟! ... هل هى آفة الإجابات النموذجية التى لا تعبر دوماً عن الحقيقة، وإنما كثيراً ما تكون مجرد تعبير عن استبدادية معرفية، وعن وجهة نظر واضع الإجابة، أو من يضع الإجابة لحسابه؟!
هل غرس نظامنا التعليمى الفاسد هذا ثقافة الانتصار لما يقوله الأستاذ، أو ما تقول به الملخصات، أو ما تقول به الإجابة النموذجية، ومن ثَمَّ الانتصار بغير عقل لكل ما يقول به القائد أو الموجه أو المرشد - وإن كان باطلاً - وتسفيه كل ما يقول بسواه - وإن كان حقاً - دونما تفكير فيما يطرحه هذا أو ذاك من رؤى ومن أفكار، ودونما ربط بين الكلمات ومعانيها، أو بين الأفكار ومنطق بنائها المعرفى، أو بين الأطروحات المعرفية وبين الحقيقة؟!
المؤسف فى الأمر هو أن منطق الاتباع هذا لم يعد يستند إلى أية مواقف فكرية، ولو على طريقة فقهاء العصور الوسطى، بل هو يستند فقط إلى مجرد الرغبة فى التهكم ولو بإنكار ما هو ظاهر لا يحتمل الإنكار، أو بالتلاعب بآلة الزمن لاختيار لحظة من لحظات الواقع دون غيرها، أو وجهاً من وجوه الحقيقة دون غيره ! ... لا يحتاج التهكم للحقيقة ولا للمنطق، وإنما يكفيه اختلاق أسباب ليس لها وجود فيما هو مطروح من قضايا ومن أفكار، أو باختلاق مواقف للخصم لم يتخذها، ولا هو اقترحها يوماً، ولا هو دافع عنها بأى شكل من الأشكال، وصولاً إلى التقول عليه بما لم يقُل ولا هو عبر عنه أصلاً !
إنه بالفعل برج بابل الذى تنهار فيه كل جسور التواصل بين ساكنيه؛ فالكل "يبربر" لمجرد إثبات الوجود، أو لمجرد الانتصار لأفكار استقرت فى عقله تَلْقِيناً، بغير فحص وبغير فرز، حتى صارت هذه الأفكار المعبأة فى رأسه تعبيراً قسرياً عن ذاته الغائبة أو المغيبة، أو هى صارت طبيعة جديدة للإنسان يستحضرها نظام معرفى فاسد، ويراد له من كل الأطراف أن يبقى فاسداً، كى لا يواجَه القائد أو المرشد، أميراً كان أو إماماً، بأسئلة قد ترهقه إجاباتها، أو بمساءلة قد تشقيه نتائجها !
ثم ها هم سكان البرج يستعجلون الثورة التى تحررهم من استبداد الأمير، ولا يستعجلون الثورة التى تحررهم من استبداد آفات المعرفة وتشوهات آلة التفكير ! ... وكأننا لم نتعلم بعد أن ثورة الميادين لا قيمة لها، بل هى قد تكون شراً، إن لم تكن الثورة أولاً على طرق التفكير البالية التى لا يعرف أصحابها إجابة السؤال الأهم وهو "ماذا بعد؟" ... مرة أخرى أقولها لأصحاب العقول التى لا تعرف كيف تقرأ : ليس الهدف من هذا السؤال أن ينتشلنى سكان البرج من حيرتى، وإنما الهدف منه أن يستيقظ سكان البرج من غفلتهم !
اللهم رحمتك بمن تبقى فى هذه البلاد من أصحاب العقول !
===================


































































Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen