من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 12 (الأخيرة)
---------------------------------------------
بينت فى رسائل سابقة كيف حاكى الدكتور مرسى - رحمه الله - تلك الشخصية التى جسدها الكاتب الروسى الأشهر "ليو تولستوى" فى قصته التى كتبها تحت عنوان "كم يحتاج المرء من الأرض؟"، حتى صار شغف الرئيس المدنى المنتخب بالاستحواذ على كل السلطة، ولو تجاوزت شروط تحقيق هذا الهدف حدود قدرته السياسية، صورة مرآةٍ لشغف عدَّاء قصة تولستوى بالاستحواذ على أكبر مساحة من الأرض، ولو تجاوزت شروط تحقيقه لهذا الهدف عَدْواً حدود قدرته البدنية !
---------------------------------------------
بينت فى رسائل سابقة كيف حاكى الدكتور مرسى - رحمه الله - تلك الشخصية التى جسدها الكاتب الروسى الأشهر "ليو تولستوى" فى قصته التى كتبها تحت عنوان "كم يحتاج المرء من الأرض؟"، حتى صار شغف الرئيس المدنى المنتخب بالاستحواذ على كل السلطة، ولو تجاوزت شروط تحقيق هذا الهدف حدود قدرته السياسية، صورة مرآةٍ لشغف عدَّاء قصة تولستوى بالاستحواذ على أكبر مساحة من الأرض، ولو تجاوزت شروط تحقيقه لهذا الهدف عَدْواً حدود قدرته البدنية !
اعتقد الرئيس مرسى - أو هى اعتقدت جماعته التى حرضته على هذا الجنون - أن أصحاب السلطة التى يتحايل لنقلها إليه هم جماعة من السذج، تماماً كما ظن عدَّاءُ قصة تولستوى أن أصحاب الأرض التى ظل يعدو لضمها لأملاكه هم مجموعة من بسطاء العقول ! ... غابت عن الاثنين موازين العقل وأصوات الحكمة، واستسلم كلاهما لغواية الدفع بالأمور إلى ما وراء حدود القدرة القصوى، آملين فى أن يستجيب القدر لأوهامهم فيغير من سننه التى يحكمها التوازن الدقيق بين "التفريط فى الحق" وبين "الإفراط فى الرغبة" !
فى نهاية السعى انتهى الأمر بأحدهما إلى السقوط البدنى مفارقاً الحياة، بعد أن تحدى منطق القدرة الإنسانية؛ وانتهى بالثانى إلى السقوط السياسى مفارقاً السلطة وكرسى الحكم، بعد أن تحدى منطق القدرة السياسية، مع ما تلا ذلك السقوط الأخير - بكل أسف - من مأساة، أو من مآسٍ، صاحبت الفصل الأخير من حياته رحمه الله !
الغواية إذن - لا المؤامرة - هى التى أجهضت مسعى الرجلين، دون أن ينفى حدبث الغواية هذا أن للمؤامرة بالفعل رؤوساً مراوغة تطل من بين السطور فى كل كتب الصراع على السلطة التى احتفظ بها التاريخ الإنسانى، واحتفظت بها كل السرديات الإنسانية الكبرى، منذ بدأت الحياة بأخين قتل أحدهما الآخر للاستحواذ على السلطة ! ... قد أعود مستقبلاً لقصص هذه المؤامرات، ولكن أيضاً لقصص الغواية والغفلة التى تقاطعت معها، وكيف كانت المؤامرة وكانت الغواية تغذيان معاً تيارات الجنون الإنسانى فى صراعها الدائم مع تيارات الحكمة الإنسانية عبر القرون، علنا نتعلم من هذا القصص الإنسانى، ومن هذه التجارب التاريخية، كيف أفرز هذا الصراع الدائم بين الجنون والحكمة كل ما نعرفه اليوم من مفاهيم السياسة والحضارة وفنون الحكم !
---------------------------------------
لم ير الرئيس مرسى فى الإعلان الدستورى المكمل إلا جانبه السلبى غير المريح المتمثل فى ازدواجية الحكم بعد انتخابه رئيساً للجمهورية؛ وقد كان بالفعل إعلاناً غير مريح للرئيس المنتخب، كما أظنه لم يكن مريحاً كذلك لمن أصدروه فى هذا التوقيت السيئ الذى صدر فيه ! ... بيد أن نفس هذا الإعلان الدستورى المكمل، بكل ما كان فيه من مصادر عدم الارتياح، كان له أيضاً جانبه الإيجابى، إذ كان يؤدى - كما سنرى لاحقاً - نفس وظيفة سياج الخضرة الذى أكله فى غفلته وَعْل لافونتين الجائع، فوقع صريعاً بسبب حساباته الخاطئة !
لو كان الرئيس مرسى قد تعامل مع هذا الإعلان الدستورى المكمل باعتباره ضرورة مؤقتة ينتهى أجلها خلال شهور قليلة بعد صياغة الدستور الجديد، لكان قد عصم نفسه وعصم منصب الرئاسة من غواية الاندفاع تحت تأثير الضغوط التنظيمية والشعبية إلى اتخاذ قرارات لم يكن الدكتور مرسى قد امتلك بعد أدوات التحكم فى مساراتها، ولا قدرة استشراف تداعياتها، ولا هو كان يمتلك خبرة التعامل الحصيف معها، خاصة فيما يتعلق بقضايا القوات المسلحة وبكل القضايا ذات الصلة بآليات عمل الدولة العميقة وعمل مؤسساتها الظاهرة وتلك التى تعمل من وراء حجاب ! ... لكنه لم يفعل، واندفع برعونة وراء غواية الاستحواذ على كامل السلطة، تماماً كما اندفع عدَّاء تولستوى وراء غواية الاستحواذ على كامل الأرض، فلقى مصيراً لا يختلف كثيراً عن مصيره، اللهم إلا فى التفاصيل !
لم يَقنَع الرئيس مرسى بالاستسلام لغواية واحدة، بل اندفع - محموماً بنشوة التمكين - وراء نفس الغواية التى استسلم لها وَعْل لافونتين الجائع، دون أن ينتبه لما كان عليه هذا الوعل من غفلة؛ فأخذ يحاكيه فى قضم السياج التى كانت تحميه، مستدعياً خيار شمشون - كما رأينا - حين أطاح بالإعلان الدستورى المكمل، وبالمجلس العسكرى القديم الذى أطاح معه - دون أن يدرى - بكل التوازنات التى كانت تحكم عمل المجلس فى عهد الرئيس مبارك؛ لكنه وهو يطيح بهذه التوازنات القديمة لم ينتبه لضرورة تعويضها بتوازنات جديدة تضمن الحفاظ على عقيدة القوات المسلحة، وعلى استقرار العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وبين المؤسسة العسكرية، مكتفياً بثقته "الغيبية" فى وزير دفاعه الجديد الذى رأى فيه وزيراً بنكهة الثورة، فتركه يشكل هو المجلس الجديد، بل وتركه يعيد تشكيل كل بنائية وعقيدة القوات المسلحة، وفق حسابات هذه "النكهة" التى استنشق - رحمه الله - شذاها فيما بعد، ومازلنا نستنشقها أحياءً حتى اليوم !
انقلاب أغسطس الدستورى هذا الذى أطاح بالإعلان الدستورى المكمل كان بداية الطريق المنطقى نحو أحداث الثلاثين من يونيو وما بعدها، ولا أستطيع وصف كل هذه الطريق بين الثانى عشر من أغسطس 2012 وبين الثلاثين من يونيو - أو الثالث من يوليو - 2013 بأنها كانت محض مؤامرة انتهت بإنهاء حكم الرئيس مرسى وحكم جماعته، فأكثر هذه الطريق كان مليئاً بأجراس الإنذار التى لم يسمعها الرئيس، أو هو سمعها لكنه لم يعرها اهتماماً، أو هو أعارها فى بعض الأحيان اهتمامه لكنه تعامل مع رسائلها باستخفاف وعدم كفاءة شديدين مما لا أستطيع أن ألوم الفريق أول السيسى عليه، حتى وإن كنت ألومه كل اللوم على ما فعله بمصر والمصريين بعد ذلك فى فترة رئاسته وخلال الشهور القليلة التى سبقتها !
---------------------------------------------
حتى لا يكون الحديث مرسلاً بغير ضوابط، دعونا نتوقف عند خمسة مشاهد أنتقيها من بين سلسلة طويلة من المشاهد التى دقت فيها أجراس الإنذار، وكان كل مشهد منها كفيلاً - لو كان قد نجح الرئيس مرسى فى فك شفرته - بأن يجنب الدولة المصرية، وأن يجنبه هو شخصياً ويجنب حكمه، كل ما آلت إليه أحوال مصر التى يئن من وطأتها فريق من المصريين، ويتاجر فيها - بكل أسف - فريق آخر "من الجانبين" لا يتورع حتى عن تجارة الموت وما يرتبط بها من تجارة الدم !
مرة أخرى أؤكد على أننى لا أجازف عند عرض هذه المشاهد الخمس بادعاء أى علم بما كان يدور فى النوايا، ولا بما كان يدور وراء الأبواب المغلقة؛ وإنما أتناول فى هذا العرض فقط ما هو مفصح عنه من أقوال وأفعال تتعلق بهذه المشاهد، وما هو مرتبط بهذه الأقوال والأفعال من معانٍ ومدلولات سياسية تطورت تباعاً على طول الطريق التى أوصلتنا لما نحن فيه الآن !
المشهد الأول : ـ
----------------
لا أحد يعرف بالضبط طبيعة العلاقة التى قامت بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين مؤسسة الرئاسة طيلة أربعة شهور امتدت من انقلاب أغسطس الدستورى وحتى الحادى عشر من ديسمبر 2012 ... فى هذا اليوم كانت تجتمع مجموعة من الوجوه السياسية مع نائب الرئيس، المستشار محمود مكى، ومع مساعد الرئيس للشؤون السياسية، الدكتورة باكينام الشرقاوى، ومع شخصيات أخرى من مؤسسة الرئاسة مقربة من الرئيس مرسى، وذلك لمناقشة التوترات السياسية التى كانت تملأ الفضاء العام وقتها ...
----------------
لا أحد يعرف بالضبط طبيعة العلاقة التى قامت بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين مؤسسة الرئاسة طيلة أربعة شهور امتدت من انقلاب أغسطس الدستورى وحتى الحادى عشر من ديسمبر 2012 ... فى هذا اليوم كانت تجتمع مجموعة من الوجوه السياسية مع نائب الرئيس، المستشار محمود مكى، ومع مساعد الرئيس للشؤون السياسية، الدكتورة باكينام الشرقاوى، ومع شخصيات أخرى من مؤسسة الرئاسة مقربة من الرئيس مرسى، وذلك لمناقشة التوترات السياسية التى كانت تملأ الفضاء العام وقتها ...
... فجأة، وأثناء هذا الاجتماع، ترامى إلى أسماع طاقم الرئاسة أن الفريق أول عبد الفتاح السيسى قد دعا إلى "حوار وطنى" يُعقد بإحدى المنشآت التابعة للقوات المسلحة، ونقلت وقتها وكالة رويترز للأنباء عن مصدر عسكرى مصرى قوله إن القائد العام للقوات المسلحة المصرية، وزير الدفاع والإنتاج الحربى، قد دعا لعقد هذا الحوار فى اليوم التالى، الثانى عشر من ديسمبر، لحل الأزمة السياسية التى تعصف بالبلاد بسبب قرارات أصدرها الرئيس محمد مرسى كانت قد رفضتها المعارضة، ومن بينها أزمة النائب العام التى كانت محتدمة فى هذه الأيام، وبسبب الخلاف على مشروع الدستور الذى كان مزمعاً استفتاء الناخبين عليه بعد جلسة الحوار موضوع الدعوة بثلاثة أيام !
تم وقتها الإعلان عن أن رئيس الجمهورية ووزير الدفاع سيحضران هذا الحوار، وأعلن رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وقتها، السفير محمد رفاعة الطهطاوى، أن الرئيس محمد مرسى قد أقر دعوة وزير الدفاع للتواصل الوطنى في محاولة لإنهاء الأزمة السياسية في البلاد، ونقلت بعض الفضائيات وقتها عن السفير رفاعة الطهطاوى قوله إن دعوة وزير الدفاع للحوار تمت "بإذن الرئيس وبالتشاور معه"، وهو ما أربك نائب رئيس الجمهورية، كما أربك مساعد الرئيس للشؤون السياسية ومعها مدير مكتب الرئيس، الذين كانوا يشاركون جميعاً فى الاجتماع وقت إذاعة الخبر، وظهر جلياً وقتها أن أياً منهم لم تتم استشارته فى الأمر !
نقل التلفزيون المصرى يومها عن وزير الدفاع قوله إن الحوار المقرر فى اليوم التالى لن يتناول قضايا سياسية أو موضوع الاستفتاء على الدستور، بل هو يستهدف فقط جمع المصريين معاً، ونقلت وسائل الإعلام عن الفريق أول عبد الفتاح السيسى قوله، فى اجتماع مشترك لقادة من الجيش والشرطة : "احنا بكره هنقعد ومش هنتكلم لا فى السياسة ولا فى استفتاء .. بكره هنقعد مع بعض كمصريين"؛ لكن الأهم لم يكن موضوع الدعوة، ولا هو كان حديث وزير الدفاع عن طبيعة اللقاء، وإنما ما نقله موقع "دويتش فيله" الألمانى عن الخبر وتفاصيله تحت عنوان اختاره الموقع بعناية فائقة هو : "الجيش المصرى يدخل على خط الأزمة ويدعو إلى حوار بحضور مرسى" !
قبل أن يتم اللقاء بسويعات قليلة، وربما بعد أن توجهت شخصيات من بين المدعوين إلى مكان انعقاد اللقاء، تم الإعلان عن عدم مشاركة الرئيس مرسى فيه، ومن ثم فقد الاجتماع معناه وتم إلغاؤه ! ... لا يعنينى فى هذا المشهد المرتبك، الذى استمر لنحو أربع وعشرين ساعة بين يومىّ الحادى عشر والثانى عشر من ديسمبر 2012، موضوع اللقاء، فهو فى الغالب لم يكن ليفضى إلى أى شئ؛ ولا هى تعنينى الشخصيات التى تمت دعوتها، فهى - مع احترامى للجميع - لم تكن تحمل تفويضاً شعبياً لنزع فتيل الأزمة؛ ولا هى تعنينى الأسباب التى أُعلِنت لاحقاً عن سبب الإلغاء، وهى أنه ليس من صلاحيات وزير الدفاع أن يتدخل فى شأن هو سياسى بامتياز، فهى أسباب واهية حتى وإن كانت صحيحة فى السياق الطبيعى لا فى سياق أزمة طاحنة تهدد استقرار الدولة لا مجرد استقرار النظام ! ... ما يعنينى فقط فى كل هذا المشهد هو مجموعة المعلومات والمؤشرات والرسائل التى يمكن أن نخرج بها منه، وهى :ـ
أولاً : أن الرئيس لم يكن يملك قراره، فقد نسق مع وزير دفاعه، ووافق على توجيه الدعوة، كما وافق على حضور اللقاء، لكن جهة ما تدخلت بعد ذلك وضغطت عليه - أو هى وجَّهَته - لسحب قرار الحضور !
ثانياً : أن الرجل لم يكن يستشير نائبه، ولا مساعديه، ولا مستشاريه، وهو أمر أكدته قبل هذا الحدث وبعده استقالات بعض هذه الشخصيات من مؤسسة الرئاسة !
ثالثاً : أن هذا الحدث كان مؤشراً قوياً على أن الجيش لم يكن قد انسحب من "المشهد السياسى" كما اعتقد من قاموا بانقلاب أغسطس الدستورى؛ فقد كان الجيش يتعامل مع المشهد السياسى - دون ضجيج إعلامى - باعتباره "مشهداً وطنياً" لا "مشهداً سياسياً"، ومن ثم فهو يملك دعوة نفسه فى أى لحظة للتداخل مع خط الأزمة، وقد أشار لذلك - وببراعة عالية فى رصده للحدث - عنوان الخبر كما نشره موقع "دويتش فيله" !
رابعاً : أن الجيش - بتوجيهه هذه الدعوة علناً - إنما كان يعلن عن تململه من الطريقة التى تدار بها البلاد، كما كان يعلن فى نفس الوقت عن طبيعة العلاقة بينه وبين مؤسسة الرئاسة كما كانت تدور وراء الأبواب المغلقة فى هذه الفترة، وعن الدور الذى كان يؤديه الجيش حتى هذا التاريخ مغلفاً بتقارير "تقييم الأوضاع" المشفوعة بما يمكن أن نسميه - تأدباً - "توصيات" أو "مقترحات" من شأن العمل بها منع انزلاق البلاد إلى حافة الهاوية !
خامساً : أن الجيش - قاصداً أو عن غير قصد - قد أرسل رسالة ضمنية إلى عموم المصريين - وإلى النشطاء السياسيين من بينهم على وجه الخصوص - تفيد بأن القائد العام للجيش حريص على جمع التيارات السياسية جميعها تحت مظلة وطنية جامعة، بينما ظهر الرئيس وكأنه لا يظهر اهتماماً بهذا الأمر ! ... الأغرب هو أن مؤسسة الرئاسة لم تجتهد فى إرسال رسالة مضادة، واكتفت جماعة المحيطين بالرئاسة بتوجيه اتهامات عنترية لوزير الدفاع، مستنكرين - بسذاجة سياسية منقطعة النظير - تدخله فيما لا يعنيه، الأمر الذى زاد من شعبية الرجل خصماً من شعبية الرئيس بين قطاعات عريضة من الشعب المصرى، وبين قوى المعارضة على وجه الخصوص !
********************************
المشهد الثانى : ـ
-----------------
بعد هذا المشهد الأول بأربعة شهور أخرى، وتحديداً فى الحادى عشر من أبريل 2013، أى قبل اندلاع أزمة الثلاثين من يونيو/الثالث من يوليو 2013 بأقل من ثلاثة شهور، اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بكامل هيئته بالرئيس مرسى، وبدا المجلس فى هذا الاجتماع الاستثنائى غاضباً، وقد عبر عن هذا الغضب رئيس المجلس، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح السيسى، حين توجه للإعلام - فى سابقة لم تحدث من قبل - بحديث غاضب "فى حضور رئيس الجمهورية"، الذى وقف وقتها محاطاً بأعضاء المجلس وهو فى حالة ارتباك، يستمع بعينين زائغتين لبيان وزير دفاعه الذى بدأه بالتأكيد على أنها المرة الأولى التى يلجأ فيها للإعلام بشكل مباشر !
المشهد الثانى : ـ
-----------------
بعد هذا المشهد الأول بأربعة شهور أخرى، وتحديداً فى الحادى عشر من أبريل 2013، أى قبل اندلاع أزمة الثلاثين من يونيو/الثالث من يوليو 2013 بأقل من ثلاثة شهور، اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بكامل هيئته بالرئيس مرسى، وبدا المجلس فى هذا الاجتماع الاستثنائى غاضباً، وقد عبر عن هذا الغضب رئيس المجلس، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح السيسى، حين توجه للإعلام - فى سابقة لم تحدث من قبل - بحديث غاضب "فى حضور رئيس الجمهورية"، الذى وقف وقتها محاطاً بأعضاء المجلس وهو فى حالة ارتباك، يستمع بعينين زائغتين لبيان وزير دفاعه الذى بدأه بالتأكيد على أنها المرة الأولى التى يلجأ فيها للإعلام بشكل مباشر !
ظن رئيس الجمهورية وقتها أن بعض حديثه المكرر، الذى يستنسخ ما سبق أن قاله يوم تنصيبه - بجامعة القاهرة والهايكستب - عن تقديره للقوات المسلحة، يمكنه أن يمتص الاحتقان الذى كان ظاهراً فى حديث وزير الدفاع، والذى زاد من خطورته أن يأخذ القائد العام للجيش المبادرة بالحديث إلى الإعلام فى حضرة الرئيس فى سابقة لم تحدث قبل هذا أبداً منذ تأسيس الجيش المصرى وحتى هذه اللحظة !
ما صدر عن الرئيس السيسى بعد الثلاثين من يونيو بشهور بشأن ما كانت تطالب به القوات المسلحة الرئيس مرسى، وعن تاريخ هذه المطالبات، إنما يكشف لنا أن ما دار وراء الأبواب المغلقة وقتها كان قد تحول من كونه مجرد آراء ومقترحات وتوصيات إلى كونه "إملاءات" ! ... وحتى إذا كانت هذه الإملاءات قد وُجِّهت للرئيس مغلفة بلغة تتجنب الخشونة، فإنها تبقى فى حقيقتها "إملاءات" ظل الرئيس مرسى يراوغ فى الأخذ بها بأحاديث ودودة عن تقديره للقوات المسلحة، وبعبارات مثل "رجال من ذهب"، حتى أنه كان عاجزاً عن قراءة لغة جسد قائد الجيش الذى لم تطربه هذه العبارات "المتوددة" التى رددها الرئيس فى قصر المؤتمرات قبل تصاعد الأحداث بأيام قليلة !
هل كان يدرك الرئيس مرسى الوضع الصعب الذى صار فيه، وأن ما كان مكتوباً فى الإعلان الدستورى المكمل - الذى أطاح به انقلاب أغسطس 2012 - قد تحول من صيغة الإعلان "المكتوب" إلى صيغة الإعلان "المنطوق"، وبكلمات وعبارات أكثر قسوة وأكثر إحراجاً للرئيس؟! ... وهل أدرك الرئيس مرسى أن كل الفرق بين ما كان مكتوباً وما صار منطوقاً هو أن الإعلان المكتوب كان يعفى الرئيس من هذا الحرج الذى ارتسم بوضوح على وجهه وهو يستمع لمداخلة وزير دفاعه الإعلامية الغاضبة، وفى حضوره، فى إشارة واضحة للتغيرات التى كانت قد بدأت تحدث - أو هى كانت قد بدأت تظهر على السطح - لتعيد تعريف العلاقة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الجيش؟!
أغلب ظنى - وليس كل الظن إثماً - هو أن الرئيس مرسى قد أدرك هذا المأزق متأخراً، وربما فقط فى هذا اليوم من شهر أبريل 2013؛ فلغة جسده يومها كانت تشى بإحساس الضحية التى أربكتها أجواء المصيدة، وبأنه لم يعد قادراً على التعامل مع الأمر بنفس الجرأة التى تعامل بها مع المجلس العسكرى القديم الذى أطاح هو - ولا أحد غيره - بكل التوازنات التى كانت تحكمه، فلم تعد أمامه فى هذا الموقف الصعب أية هوامش تسمح له بالحركة كتلك الهوامش التى كانت متاحة أمامه حين قام بانقلابه الدستورى المدعوم عسكرياً فى الثانى عشر من أغسطس 2012 ! ... علنا نعود فى هذه النقطة تحديداً لشهادة الدكتور محمود حسين فى حديثه مع الإعلامى محمد ناصر، إذ قال إنه قد واجه الرئيس مرسى بخطورة تحركات الفريق أول السيسى، فلم يُجِب الرئيس مرسى ساعتها إلا بإشارة لكتفه بإصبعيه السبابة والوسطى دون أن ينطق بكلمة !!
******************************
المشهد الثالث : ـ
-----------------
بعد نحو أسبوعين من هذا اللقاء العاصف بين الرئيس وقادة الجيش، وتحديداً فى الرابع والعشرين من أبريل 2013، وبمناسبة الاحتفال بعيد تحرير سيناء، ظهر القائد العام للجيش من جديد فى مشهد إعلامى له دلالاته الخطيرة التى لم يكن ليخطئها أى رئيس يتمتع بالحد الأدنى من قدرات رجل الدولة ... كان ذلك أثناء احتفالية أقيمت بأحد المسارح التابعة للقوات المسلحة، لكنها لم تكن احتفالاً على أجندة القوات المسلحة وإلا لكان قد دُعِى إليه رئيس الجمهورية ورجال دولته، لكنها كانت احتفالية أقامتها - ظاهرياً - إحدى الجامعات الخاصة، هى جامعة المستقبل !
المشهد الثالث : ـ
-----------------
بعد نحو أسبوعين من هذا اللقاء العاصف بين الرئيس وقادة الجيش، وتحديداً فى الرابع والعشرين من أبريل 2013، وبمناسبة الاحتفال بعيد تحرير سيناء، ظهر القائد العام للجيش من جديد فى مشهد إعلامى له دلالاته الخطيرة التى لم يكن ليخطئها أى رئيس يتمتع بالحد الأدنى من قدرات رجل الدولة ... كان ذلك أثناء احتفالية أقيمت بأحد المسارح التابعة للقوات المسلحة، لكنها لم تكن احتفالاً على أجندة القوات المسلحة وإلا لكان قد دُعِى إليه رئيس الجمهورية ورجال دولته، لكنها كانت احتفالية أقامتها - ظاهرياً - إحدى الجامعات الخاصة، هى جامعة المستقبل !
شارك فى هذه الاحتفالية عدد كبير من النجوم المصريين والعرب بما يتجاوز إمكانات أى جامعة تحتفل بعيد تحرير سيناء، خاصة وأن هذا كان العرض الثانى الذى تهديه الجامعة لأبطال القوات المسلحة بعد العرض الأول الذى كان قد أقيم بدار الأوبرا المصرية قبلها بنحو ثلاثة أسابيع، بما يعنى أن الجامعة لم تكن فى الحقيقة أكثر من غطاء لصاحب الحفل الحقيقى وهو صاحب المسرح الذى أقيمت فيه الاحتفالية التى استعانت بنجوم كان أكثرهم من المناهضين لثورة يناير، فضلاً عن حضور الحفل وكانوا من رجال الإعلام والكتاب والفنانين، الذين وجه لهم السيسى تحية خاصة، كما كانوا من قادة وضباط القوات المسلحة، وطلبة الكليات العسكرية ! ... وفى نهاية هذا الحفل، المثيرة مفرداته للتأمل، وقف القائد العام للقوات المسلحة ليوجه كلمة مرتجلة للحضور تضمنت أشهر عبارتين جاءتا بعد أيام فقط من الاجتماع العاصف الذى جمع الرئيس بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ...
ـ العبارة الأولى هى عبارة "لازم يكون عندكم ثقة كبيرة فى بكره، وبكره تشوفوا مصر : هى أم الدنيا، وح تبقى قد الدنيا" ... هذه العبارة فسرها بعض الغافلين باعتبارها تسويقاً لمشروع النهضة الذى كان قد وعد به نظام الحكم الجديد جموع المصريين ! ... القليل فقط هم من أدركوا وقتها أنها عبارة تبشر بمشروع آخر هو بصدد التمهيد للإعلان الصريح عنه خلال شهرين !!
ـ أما العبارة الثانية فهى عبارة "احنا إيدينا تنقطع قبل ما تمسكم" ... كانت هذه هى العبارة الأخطر التى لم يلتفت إليها أنصار الرئيس مرسى، الذين اكتفوا بحديثهم الناقد لأسلوب من نعتوه بـ"مطرب العواطف"، فلم يلتقطوا الرسالة الضمنية التى أرسلها الفريق أول السيسى وقتها للمصريين مع هذه العبارة "العاطفية" ! ... سواء كان يقصدها أو لم يكن يقصدها - وهى فى الغالب عبارة مقصودة فى هذا السياق التاريخى قبل شهرين من موعد الثلاثين من يونيو - فإن الرسالة التى حملتها هذه العبارة تقول إن ثمة احتمالات لصدور أوامر للجيش بقمع أية مظاهرات أو تحركات تستهدف الضغط على النظام أو إسقاطه، لكن الجيش لن ينصاع لمثل هذه الأوامر إن هى صدرت له ! ... الغريب فعلاً هو أن مؤسسة الرئاسة - مرة أخرى - لم تتحرك سياسياً لتدحض هذا المعنى، ولا هى صدر عنها أية رسائل مضادة تطمئن المصريين فى هذا الجو المشحون، بل ظلت مؤسسة الرئاسة تقلل من شأن أية مظاهرات رافضة لنظام الحكم، وتقلل من أعدادها المتوقعة، كما ظل أنصار الرئيس يؤكدون أن الجيش معهم !
********************************
المشهد الرابع : ـ
-----------------
فى السادس عشر من مايو - قبل نحو خمسة وأربعين يوماً من الأحداث المتوقعة فى الثلاثين من يونيو - تم اختطاف سبعة جنود من سيناء، بينهم جندى من القوات المسلحة توجه فى رسالة مصورة له وهو فى الأسر "المفترض" بنقد لاذع للفريق أول السيسى، لا للرئيس مرسى، لأنه - على حد قوله - جالس فى مكتبه المكيف غير عابئ بمصيره ومصير زملائه المختطَفين ! ... استمرت هذه الواقعة نحو أسبوع وجَّه خلاله الرئيس مرسى بضرورة المحافظة على أرواح الخاطفين والمخطوفين "فكلهم أولادنا" !
المشهد الرابع : ـ
-----------------
فى السادس عشر من مايو - قبل نحو خمسة وأربعين يوماً من الأحداث المتوقعة فى الثلاثين من يونيو - تم اختطاف سبعة جنود من سيناء، بينهم جندى من القوات المسلحة توجه فى رسالة مصورة له وهو فى الأسر "المفترض" بنقد لاذع للفريق أول السيسى، لا للرئيس مرسى، لأنه - على حد قوله - جالس فى مكتبه المكيف غير عابئ بمصيره ومصير زملائه المختطَفين ! ... استمرت هذه الواقعة نحو أسبوع وجَّه خلاله الرئيس مرسى بضرورة المحافظة على أرواح الخاطفين والمخطوفين "فكلهم أولادنا" !
وقتها، خرج الإعلامى مصطفى بكرى بحديث عن نية الرئيس مرسى الإطاحة بالفريق أول عبد الفتاح السيسى تحت ذريعة فشله فى تحرير الجنود المختطَفين السبعة، ثم خرج بعدها مصدر عسكرى ليؤكد أن الجيش لن يسمح للرئيس مرسى بأن يطيح بالفريق أول السيسى كما أطاح فى أغسطس 2012 بالمشير محمد حسين طنطاوى والفريق سامى عنان ! ... هكذا، صار اللعب على المكشوف، وظهر الجنود السبعة دون أن نعرف أية تفاصيل عن ظروف اختطافهم أو احتجازهم أو تحريرهم ! ... ما صار مؤكداً بعد هذه الواقعة، وبعد الحديث عن تربص الرئيس مرسى بوزير دفاعه، هو أن العلاقات بين مؤسسة الرئاسة وبين المؤسسة العسكرية لم تعد كما كان يأمل الرئيس يوم انقلابه الدستورى فى أغسطس 2012، وأن كل طرف قد صار يتربص بالطرف الآخر : من منهما يخطط لوجبة العشاء، ومن يستعد قبله لتجهيز وجبة الغداء؟!
********************************
المشهد الخامس : ـ
-------------------
المشهد الأخير قبل أحداث الثلاثين من يونيو كان ولا شك مشهد الخطاب الأرعن الذى ألقاه الرئيس مرسى أمام جمع من أنصاره فى السادس والعشرين من يونيو 2013 بمركز المؤتمرات، بعد ثلاثة أيام فقط من مهلة الأسبوع التى منحها الجيش لكل الأطراف للخروج من الأزمة، ولم يكن الرجل موفقاً فى خطابه هذا بأى حال من الأحوال، مكتفياً بحديثه عن "رجال من ذهب" لن يسمحوا لأحد بالخروج عن النظام، اعتقاداً منه أن حديث "الذهب" هذا كاف لاستقطاب الجيش حتى أنه لم يقرأ لغة جسد الفريق أول عبد الفتاح السيسى التى كانت أكثر بلاغة من ألف كلمة عنيفة يوجهها الرجل للرئيس مرسى ولأنصاره المحتشدين بالقاعة !
المشهد الخامس : ـ
-------------------
المشهد الأخير قبل أحداث الثلاثين من يونيو كان ولا شك مشهد الخطاب الأرعن الذى ألقاه الرئيس مرسى أمام جمع من أنصاره فى السادس والعشرين من يونيو 2013 بمركز المؤتمرات، بعد ثلاثة أيام فقط من مهلة الأسبوع التى منحها الجيش لكل الأطراف للخروج من الأزمة، ولم يكن الرجل موفقاً فى خطابه هذا بأى حال من الأحوال، مكتفياً بحديثه عن "رجال من ذهب" لن يسمحوا لأحد بالخروج عن النظام، اعتقاداً منه أن حديث "الذهب" هذا كاف لاستقطاب الجيش حتى أنه لم يقرأ لغة جسد الفريق أول عبد الفتاح السيسى التى كانت أكثر بلاغة من ألف كلمة عنيفة يوجهها الرجل للرئيس مرسى ولأنصاره المحتشدين بالقاعة !
أذكر أننى قد كتبت فى هذه الأيام رسالة قصيرة على صفحتى تلك أتحدث فيها عما كانت تقوله لغة جسد السيسى، ولم أنل يومها إلا سخرية أنصار الرئيس مرسى الذين بشرونى بأن نهايتى ونهاية أمثالى ستكون خلال أيام، ولكن بعد أن استفسروا منى - وبتهكم شديد - عما إذا كان حديثى عن لغة الجسد يعنى أننى "طبيب روحانى حضرتى" ! ... بالطبع، فقد قاموا جميعاً بحذف تعليقاتهم الساخرة تلك، فضلاً عن تعليقاتهم المتوعدة، بعد الثالث من يوليو، وبعد أن اكتشفوا أن الأمر لم يكن يحتاج لطبيب روحانى، وإنما فقط لعقل واعٍ لا تذهب به فقاقيع الوهم !
********************************
هكذا أكون قد وصلت إلى نهاية رسالتى الثانية عشرة والأخيرة فى هذه السلسلة التى عنوانها "من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو" ... هى فى حقيقتها مجموعة رسائل كانت لها إرهاصات سبقتها، فمجموعها فى الحقيقة يتجاوز هذا الرقم ... غير أن مجموعة الرسائل المطولة هذه وإن كانت قد وصلت إلى نهايتها فإن الحديث عن الطريق إلى الثلاثين من يونيو لم ينته بعد !
ولقد حرصت فى هذه المجموعة من الرسائل على ألا أتعرض إلا لعناصر عدم الكفاءة المؤسسية فى إدارة شؤون الدولة، وإلا لعجز مؤسسة الرئاسة - ومن يقفون وراءها ويوجهونها - عن فهم خريطة التوازنات داخل الدولة المصرية التى تقادم بها العهد ولم يكن للهواة وأصحاب النزق السياسى أن يتعاملوا معها بأساليب الهواة الذين لا يعرفون الفرق بين الوصول إلى البرلمان، وشروط الجلوس تحت قبته، وبين دخول قصر الرئاسة والجلوس على كرسى الحكم !
لو كان الأمر يقتصر على هذا الذى استعرضت ملامحه فى هذه المجموعة من الرسائل لكان من السهل - بل وربما كان من المنطقى - وصف ما حدث يوم الثالث من يوليو 2013 بأنه انقلاب دستورى تدعمه المؤسسة العسكرية، مثله فى ذلك مثل نظيره الذى حدث يوم الثانى عشر من أغسطس 2012 ! ... بيد أن الأمر ليس بكل هذه البساطة، فليوم الثلاثين من يونيو أبعاد أخرى كثيرة لم أتعرض لها بعد، ولا يستقيم تقييم أحداث هذا اليوم أو ما تلاه يوم الثالث من يوليو 2013 إلا برصد هذه الأبعاد وتحليلها، وإلا بالربط بينها جميعاً كما هو حال أى تحليل سياسى أو تاريخى !
من هذه الأبعاد المطلوب رصدها وتحليلها، مما لم أتعرض له فى هذه المجموعة من الرسائل، توجهات الرئيس الأيديولوجية، وارتباطه التنظيمى والثقافى - وارتباط رجاله - بجماعات أممية لها مشاريعها الأيديولوجية التى تتناقض "وجودياً" مع مشروع الدولة القومية المصرية، بل ومع المفهوم الحضارى والتاريخى لـ"الأمة المصرية" التى نشأت الدولة المصرية تعبيراً مؤسسياً عن إرادتها السياسية !
أتحدث هنا عن تناقض وجودى مع توجهات الرئيس مرسى "الأيديولوجية"، لا مع توجهاته "الدينية"؛ فالفرق بين الدين والأيديولوجيا هو فرق كبير قد يكون من الضرورى أن أعود إليه لاحقاً فى مجموعة أخرى من الرسائل، ولكن بعد فترة من الراحة التى قد تطول أو تقصر ... وعلى أية حال فإن تناول هذه الأبعاد الجديدة لن يكون سهلاً كتناولى لمجموعة الرسائل هذه التى أنهيها اليوم بهذه الرسالة؛ فموضوع المجموعة الجديدة هو موضوع معقد بطبيعته، ومتشعب كما هى طبيعة الأزمة التى أغرقنا أنفسنا فيها، ومواطن الزلل فى رصد مفردات الموضوع وتحليلها كثيرة؛ لذا فقد أتناوله بشكل مختلف وغير تقليدى، عله يناسب المناخ الثقافى والمعرفى الذى يحيط بنا وكأنه كهف أفلاطون الذى اعتاد أسراه صور الظلال التى ألِفوها وهى تتراقص كالأوهام على جدران الكهف فناصبوا الحقيقة العداء إلى حد قتل من جاء لهم بأخبارها من خارج الكهف !!
اللهم اشملنا جميعاً برحمتك ... آمين !
========================
___________________________________________________________________________
من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 11
------------------------------------------
كان واضحاً لأى مراقب سياسى كيف أن غواية الاستحواذ على السلطة قد تسلطت منذ اللحظات الأولى على الرئيس مرسى، أو هو دفعته للاستسلام لها ثقته العمياء - بمنطق السمع والطاعة - فى مستشاريه الحقيقيين بالمقطم الذين أغوتهم فكرة "تمكين" لحظة "التمكين"، بعيداً عن نائبه وعن أكثر مساعديه ومستشاريه فى قصر الرئاسة !
------------------------------------------
كان واضحاً لأى مراقب سياسى كيف أن غواية الاستحواذ على السلطة قد تسلطت منذ اللحظات الأولى على الرئيس مرسى، أو هو دفعته للاستسلام لها ثقته العمياء - بمنطق السمع والطاعة - فى مستشاريه الحقيقيين بالمقطم الذين أغوتهم فكرة "تمكين" لحظة "التمكين"، بعيداً عن نائبه وعن أكثر مساعديه ومستشاريه فى قصر الرئاسة !
كما كان واضحاً كيف أفسدت غواية السلطة هذه على الرجل أداءه الرئاسى مرتين : أكثرهما شهرة وذيوعاً بين الناس تمثلت فى انقلابه الدستورى فى الثانى والعشرين من نوفمبر 2012 حين أصدر إعلانه الدستورى الذى فضح ميول الحكم الاستبدادية، حتى وإن كان قد تم التراجع عنه لاحقاً أمام الرفض الشعبى الجارف لهذا الإعلان، بل ورفض بعض مساعديه ومستشاريه المحيطين به فى مؤسسة الرئاسة، ممن لم يشاورهم الرجل فى الأمر، ولا هو أقام لوجودهم وزناً، وعلهم كانوا أكثر حكمة من "مستشارى" المقطم الذين دفعوه لهذا الانقلاب الدستورى دون وعى بعواقبه !
بيد أن انقلاب الثانى والعشرين من نوفمبر لم يكن الانقلاب الدستورى الوحيد الذى تورط فيه الرئيس المدنى المنتخب "دستورياً"، فقد سبقه انقلاب آخر أكثر خطورة وأبقى أثراً هو انقلاب الثانى عشر من أغسطس، بل علنا ما زلنا نعانى من آثار هذا الانقلاب الدستورى الأول وإن اعتقد أكثرنا أنه لم يكن انقلاباً بل مجرد حركة تصحيحية تُحسب للرئيس مرسى ولا تؤخذ عليه !
لقد رأينا كيف أراد هذا الانقلاب الدستورى الأول، فى الثانى عشر من أغسطس، بلجوء الرئيس مرسى لخيار شمشون فى مواجهة أقوى مؤسسات الدولة المتماسكة، أن يفكك التماسك المؤسسى للدولة المصرية، الأمر الذى جاء بنتيجة عكسية وهى استنفار كل مؤسسات الدولة لمواجهة احتمالات الإطاحة بها هى الأخرى، ومن ثم فإنها تحفظت فى تعاونها مع الرئيس الجديد فى وقت كان فيه هذا الرئيس أحوج ما يكون لمد جسور الثقة بينه وبين هذه المؤسسات، حتى وإن كانت فاسدة وتحتاج إلى إصلاح كان يمكن أن يتم بعيداً عن خيارات شمشون !
رأينا أيضاً كيف أن انقلاب الثانى عشر من أغسطس قد أطاح، مع إطاحته بالمجلس العسكرى القديم، بالإعلان الدستورى المكمل الذى أدى بمقتضاه الرئيس الجديد اليمين الدستورية، ومن ثم فقد أطاح معه بمبدأ الشرعية الدستورية مستدعياً شرعية ثورية تفتح الباب على مصراعيه لإعادة ترتيب كل الأوراق وإعادتها للمربع رقم 1، ذلك أن الرئيس الجديد لم يكن قائداً لثورة الخامس والعشرين من يناير، ولا هو وصل إلى كرسى الرئاسة مدفوعاً بإرادة ثورية كانت قد تفككت منذ استفتاء التاسع عشر من مارس 2011 ! ... قبول عموم المصريين وعموم مؤسسات الدولة بالرئيس مرسى كان مشروطاً بما أقسم عليه من احترام الدستور والقانون، وكانت الإعلانات الدستورية الصادرة قبل أدائه اليمين الدستورية هى التى تمثل فى تلك الأيام من شهر أغسطس 2012 هذه الشرعية الدستورية التى عصف بها الرئيس مرسى باختيارات شمشون التى لجأ إليها !
بيد أنه لا هذا الأثر ولا ذاك لانقلاب الثانى عشر من أغسطس كان هو الأكثر خطورة فى التأثير على استقرار كرسى الحكم الذى كان يجلس عليه الدكتور مرسى، وإنما كان لهذا الانقلاب أثر أعمق من هذين الأثرين سالفى الذكر، وهو الأثر الذى مازال يشكل المشهد السياسى المصرى بكل تعقداته وبكل تشوهاته التى لا يخطئ فى رصدها أى مراقب سياسى؛ فهو المسؤول الأول عن هذه التشوهات لا أحداث الثلاثين من يونيو التى يحاول "أنصار الشرعية" - أو من يقدمون أنفسهم بهذه الصفة - أن يُحَمِّلوها مسؤولية ما آلت إليه الأمور فى مصر؛ فأى خلط بين أسباب الإطاحة باستبداد ما قبل الثلاثين من يونيو، الذى كان "يمَكِّن" لنفسه دستورياً ومؤسسياً، وبين أسباب تمكين استبداد الحاضر من مفاصل الدولة، ومن كل مقدراتها ومقدرات الأجيال القادمة لآجال لا يعلمها إلا الله، هو فى حقيقته خلط لا يستقيم وأى منهج علمى يستهدف بيان الحقيقة لا التغطية عليها !
--------------------------------------------
دعونا نُذَكِّر أنفسنا بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى أطاح به انقلاب الثانى عشر من أغسطس إنما كان قد تشكل بقرارات من الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، وأن هذا هو ما أخذت جماعة الدكتور مرسى تروج له باعتبار أن المجلس هو من بقايا النظام القديم الذى أطاحت به الثورة، ومن ثَمَّ فقد وجبت الإطاحة به ! ... هذه النظرة الضيقة للأمور حكمت تعامل الدكتور مرسى مع كل مؤسسات الدولة، ونذكر فى هذا الشأن تعامله مع مؤسسة القضاء، والأزمة الكبرى التى تسبب فيها قراره بتعيين نائب عام جديد بحجة أن هذا كان أحد مطالب الثورة ! ... مرة أخرى، راح الرئيس مرسى يخلط فى شأن صراعه مع مؤسسة القضاء بين دوره كرئيس دستورى وبين دور متوهم له باعتباره زعبماً ثورياً !
من المؤسف حقاً أن الرئيس المنتخب، الدكتور محمد مرسى، لم يُظهِر - ومنذ الأيام الأولى لحكمه - ولو بعضاً من الحكمة التى أظهرها سلفه الرئيس مبارك الذى استطاع الاحتفاظ بالحكم لثلاثة عقود كاملة باعتماد آليات للحكم افتقر إليها تماماً الرئيس مرسى، أياً كان رأينا فى هذا الحكم أو ذاك، وأياً كان موقفنا من كل من الرجلين؛ فالمعروف عن الرئيس مبارك أنه كان حريصاً كل الحرص على أن توازن مؤسسات القوة فى الدولة بعضها بعضاً، وكذلك كان حريصاً كل الحرص على أن يتم اختيار القيادات داخل كل مؤسسة من هذه المؤسسات بحيث لا تنفرد أى قيادة فيها باتخاذ قرار بمفردها !
هذه الاستراتيجية الحكيمة التى كان يحرص عليها الرئيس مبارك - ويجب أن نعترف له بما كان حكيماً فيه - كانت متحققة فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تسلم إدارة شؤون البلاد فى الحادى عشر من فبراير ... كان هناك بالطبع انضباط عسكرى، وكان احترام التسلسل القيادى بين أعضاء المجلس قائماً، لكن كانت التوازنات داخل المجلس قائمة أيضاً، وهو ما كان يضمن عدم انفراد رئيس المجلس باتخاذ القرار، وأهم هذه القرارات بالطبع هو تحديد مَن مِن القيادات يغادر المجلس ومن الذى ينضم إليه !
لن أجازف هنا بالانسياق وراء مضاربات مزاجية أو شعورية حول ما حدث - قولاً أو فعلاً - وراء الأبواب المغلقة، سواء فى مؤسسة الرئاسة أو فى مؤسسة القوات المسلحة، خلال الفترة التى امتدت لنحو خمسة وأربعين يوماً، منذ أزمة أداء اليمين الدستورية وحتى انقلاب الثانى عشر من أغسطس ... ما يعنينى فقط هو حدث الانقلاب ذاته، بكل ما ترتب عليه من إعادة تعريف موازين القوة داخل مؤسسة الدولة بعد خروج اللاعبين القدامى، وعلى رأسهم المشير حسين طنطاوى والفريق سامى عنان، ودخول لاعبين جدد إلى مسرح الأحداث المفصح عنها، وعلى رأسهم القائد العام الجديد للجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسى !
لم يدرك شمشون وهو يقدم على هدم المعبد، طمعاً فى الاستحواذ على ما اعتقد - أو اعتقدت جماعته - أنه كامل السلطة، أن الإطاحة بأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبرئيس المجلس ونائبه على وجه الخصوص، والمجئ بأصغر أعضاء المجلس ليكون هو رئيسه الجديد، إنما كانت تعنى الإطاحة فى نفس الوقت بكل التوازنات التى كانت تحكم عمل المجلس القديم كما تركها وراءه الرئيس المخلوع مبارك، كما كانت تعنى أن إعادة تشكيل المجلس بالكامل - وفى مثل هذه الظروف الاستئنائية - لابد وأن تتم حتمياً وفق حسابات رئيس المجلس الجديد وحده !
لم يكن هذا دهاءً من قبل هذا القادم الجديد لمسرح الأحداث بقدر ما كان غفلة من رئيس لم يكن يتمتع بالحد الأدنى من ملكات رجل الدولة، ولا كانت جماعته والمحيطون به رجال دولة أصلاً بقدر ما كانوا رجال تنظيم لا يجيد إلا لعبة الحشد و"تقفيل" صناديق الانتخابات ! ... ربما لم يدر بخلد القادم الجديد وقتها أن الأمور يمكنها أن تتطور إلى ما تطورت إليه، ولا أن الطريق ستكون مفتوحة أمامه ليصبح الرئيس القادم للبلاد ... أقول "ربما" رغم ما ادعاه هذا القادم الجديد من أحلام الرئاسة التى أسَرَّ بها للأستاذ ياسر رزق بعد ذلك ! ... أياً كان ما تخفيه السرائر، فالثابت هو أنه حين تأزمت الأمور بالفعل، بعد عدة شهور من انقلاب الثانى عشر من أغسطس، كان هذا القادم الجديد هو من يملك وحده كل مفاتيح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والمتحكم الوحيد فى بوصلة الجيش، دون أى توازنات داخلية يمكنها تعديل ما يقرر هو من مسارات !
كان هذا هو أخطر تداعيات الانقلاب الدستورى الذى قاده - ولو ظاهرياً - الرئيس مرسى فى الثانى عشر من أغسطس 2012؛ وهو ما يجعل أى عاقل يرى بوضوح ما قد يفاجئ الكثيرين، كما قد يغضبهم ويثير ثائرتهم، وهو أن سقوط حكم الرئيس مرسى لم يحدث بسبب حركة تمرد أو جبهة الإنقاذ، بل ولا بسبب الإعلام المناهض لحكم الدكتور مرسى كما يعتقد من يصبون لعناتهم على من خرجوا رافعين شعارات إسقاط حكم المرشد وكأنهم المسؤولون عن الحال الذى كانت قد وصلت إليه الدولة المصرية بسبب عدم كفاءة الحكم وافتقاره لأبسط قواعد إدارة نظام ديمقراطى وليد !
مثل هذه الملابسات التى زامنت حدث انتهاء - أو إنهاء - حكم الدكتور مرسى وحكم جماعته هى مجرد تفاصيل رافقت الحدث التاريخى، وقد يستعصى علينا فهم هذا الحدث إن نحن تركنا مثل هذه التفاصيل تشتت انتباهنا عن حقيقة أن الرئيس مرسى هو من كتب نهايته بيده وبإرادته الحرة - أو بإرادة المجموعة التى كانت توجهه - قبل يوم الثلاثين من يونيو بأكثر من عشرة شهور كاملة، وكان ذلك بسبب قرار أرعن اتخذه من أدارت سكرة الحكم وغواية لحظة التمكين رؤوسهم، وما كان ليتخذه أى رجل دولة لا تحركه دوافع أخرى غير ألف باء كتاب الحكم، ولا هو كان يمكن أن يتخذه حتى الرئيس مبارك بأى حال من الأحوال، مهما كان حكمنا القاسى على فترة حكمه التى امتدت لثلاثة عقود، وخاصةً على النصف الأخير منها !!
---------------------------------------
مرة أخرى، لا أدعى أى علم بما كان يدور فى سرائر الناس، ولا ما كان يصدر عنهم من قول أو من فعل وراء الأبواب المغلقة على مدى أربعة أشهر بعد انقلاب الثانى عشر من أغسطس، لكننا نعرف جميعاً - ومما هو مفصح عنه - أن مجموعة من المشاهد السياسية قد راحت تتتابع بعد هذه الأشهر الأربعة بعضها وراء بعض، ولم يكن لكل هذه المشاهد من أبطال إلا مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس محمد مرسى، وإلا المؤسسة العسكرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسى، سواء كان حضورهما فى المشهد صريحاً أو كان ضمنياً ... لا يعنينى هنا ظهور أية وجوه سياسية أخرى فى مشاهد متناثرة على امتداد الفترة من 30 يونيو 2012 وحتى 30 يونيو 2013، فهذه - مع احترامى للجميع - ليست موضوع هذا التحليل لمعالم الطريق التى أدت بنا إلى الثلاثين من يونيو 2013، وإن كانت من التفاصيل التى قد تزيد الصورة وضوحاً لكنها لا ترسم خطوطها الأساسية !
كل هذه المشاهد التى جمعت بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية تقف شاهدة على عجز مؤسسة الرئاسة عن فهم كيف كانت تتحرك الأحداث وفى أى اتجاه، بل غرقت مؤسسة الرئاسة فى قراءة خاطئة للأحداث جعلتها لا ترى من المشهد حقائق الأزمة التى صارت تعيشها الدولة المصرية وإنما فقط تفاصيل الأزمة التى كانت تعيشها جماعة المقطم ! ... أما نذر أزمة الحكم، التى ظلت تتصاعد حتى وصلت إلى ذروتها خلال الأيام الخمسة والأربعين التى سبقت الثلاثين من يونيو، فقد تعاملت معها مؤسسة الرئاسة، وتعامل معها الرئيس مرسى، باستخفاف شديد لا يكاد يصدقه عقل !
هل هى مجرد مصادفة أن يكون عدد الأيام التى تفصل بين أزمة أداء اليمين الدستورية وبين انقلاب الثانى عشر من أغسطس هو نفسه عدد الأيام التى تفصل بين الأزمة التى كادت تطيح بالفريق أول السيسى وبين الأزمة التى أطاحت بالرئيس مرسى؟! ... سؤال يبدو عبثياً، وقد يكون غير موافق لأى منطق علمى، لكنه على أية حال سؤال يستفز العقل كى يرصد أهم معالم للطريق إلى الثلاثين من يونيو بدأت ملامحها تظهر بعد أربعة أشهر من الانقلاب الدستورى فى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهو ما أتطرق إليه بشئ من التفصيل فى رسالتى القادمة التى هى الرسالة الأخيرة فى سلسلة الرسائل هذه ... فإلى لقاء قريب، إذا ما كتب الله لنا السلامة !
============================
- _____________________________________________________________________________________
من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 10
------------------------------------------
أخطاء المجلس العسكرى أثناء إدارته السياسية/الدستورية للبلاد خلال المرحلة الانتقالية لا أعتقدها تخفى على أحد، فهى أكثر من أن تحصيها هذه الرسالة، ولا أى رسالة أخرى منفردة ... أكثر هذه الأخطاء كانت بسبب هذا التداخل بين مرجعيات التفكير العسكرية التى تَمَسَّك بها المجلس، أو تَمَسَّك بها المشير طنطاوى، وبين الأهداف المدنية التى كان موكلاً إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهمة تأمينها حين تم تكليفه بإدارة شؤون البلاد وإخراجها من أزمتها السياسية والدستورية بعد تخلى الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم !
------------------------------------------
أخطاء المجلس العسكرى أثناء إدارته السياسية/الدستورية للبلاد خلال المرحلة الانتقالية لا أعتقدها تخفى على أحد، فهى أكثر من أن تحصيها هذه الرسالة، ولا أى رسالة أخرى منفردة ... أكثر هذه الأخطاء كانت بسبب هذا التداخل بين مرجعيات التفكير العسكرية التى تَمَسَّك بها المجلس، أو تَمَسَّك بها المشير طنطاوى، وبين الأهداف المدنية التى كان موكلاً إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهمة تأمينها حين تم تكليفه بإدارة شؤون البلاد وإخراجها من أزمتها السياسية والدستورية بعد تخلى الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم !
أول هذه الأخطاء السياسية التى أوقع فيها المجلس العسكرى نفسه، بسبب مرجعيات تفكيره العسكرية، حدث مباشرة بعد تسلمه مسؤوليات الحكم؛ وهو ليس خطأُ إيجابياً تسبب فيه فعل أقدم عليه المجلس، بل كان خطأُ سلبياً فادحاً وقع فيه المجلس، أو وقع فيه المشير طنطاوى، بامتناعه عما كان عليه أن يُقدِم عليه من فعل ! ... دعونا نفسر ذلك ! ... فقد رأينا فى رسائل سابقة كيف فرضت أوضاع الأمر الواقع وقتها أن يختفى تماماً أى حديث عن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكيف أن المجلس العسكرى قد انتقلت إليه - من الناحية العملية - كل سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية، بل وحتى السلطة التأسيسية التى بدأها بإصدار الإعلان الدستورى الأول بتاريخ 13 فبراير 2011، ثم الإعلان الدستورى المُطَوَّل بتاريخ 30 مارس 2011، وأخيراً الإعلان الدستورى المكمِّل بتاريخ 17 يونيو 2012، مع كل ما صاحب هذه الإعلانات والإجراءات الدستورية من أخطاء وسقطات شابت أداء المجلس العسكرى لمهمته كسلطة تأسيسية؛ وبوقوعه فى هذه الأخطاء والسقطات انكشف ما كان عليه المجلس وقتئذٍ من ارتباك فى تعامله السياسى/الدستورى مع مثل هذه القضايا المدنية الحساسة !
أول وأكبر هذه الأخطاء، وهى فى تقديرى سقطة كبرى لم يدرك المجلس خطورتها، كانت احتفاظ المشير طنطاوى بمنصب وزير الدفاع، وعدم مبادرته الفورية إلى الفصل بين هذا المنصب - وهو منصب تنفيذى بطبيعته - وبين منصب القائد العام للجيش، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو المنصب الذى صار صاحبه - لا وزير الدفاع - هو من يمتلك السلطة التأسيسية ! ... باحتفاظه بالمنصبين خلال المرحلة الانتقالية صار المشير طنطاوى، وصارت الدولة المصرية كلها معه، فى وضع شاذ ملئ بالتناقضات الدستورية : فهو باعتباره وزيراً للدفاع كان مرؤوساً - ولو من الناحية النظرية - لرئيس الحكومة الذى كان بدوره مرؤوساً للمشير طنطاوى الذى صار يملك سلطة رئيس الجمهورية، ومن ثَمَّ فهو كان يملك سلطة إصدار قرارات جمهورية تعلو فوق أى قرارات حكومية يصدرها رئيس مجلس الوزراء !
الأمر ازداد تعقداً بعد انتخاب الرئيس محمد مرسى، إذ صار المشير طنطاوى - باعتباره وزيراً للدفاع - جزءاً من سلطة تنفيذية يرأسها الرئيس المنتخب، لكنه فى نفس الوقت كان صاحب السلطة التأسيسية التى كان يُفترَض أن تكون نداً يوازن سلطة الرئيس لحين إقرار الدستور الجديد للبلاد ! ... لا أعرف من هو صاحب فكرة احتفاظ المشير طنطاوى بمنصب وزير الدفاع بعد أن صار يملك - باعتباره رئيساُ للمجلس الأعلى للقوات المسلحة - سلطة رئيس الجمهورية، بجانب السلطة التأسيسية، لحين انتهاء الفترة الانتقالية؛ وهل كان هذا بقرار حر من المشير طنطاوى، أم أن عقلاً ما داخل المجلس العسكرى أو خارجه هو من أشار عليه بذلك ليبقيه فى هذا الوضع الشاذ الذى أضعفه لدرجة لا أعرف كيف لم ينتبه إليها المشير طنطاوى مع كل ما هو معروف عنه من دهاء؟!
أياً ما كان الأمر، فقد احتفظ الرجل بالمنصبين، ولم يتخذ أى إجراء للفصل بينهما؛ ولو أنه كان قد فعل، حتى وإن كان قد جاء - وقتها - باللواء عبد الفتاح السيسى وزيراً للدفاع، لكان قد عصم موقعه - كقائد عام للجيش، ورئيس للمجلس الأعلى للقوات المسلحة - من تجرؤ أى سلطة أخرى عليه، حتى ولو كانت سلطة الرئيس المنتخب، طالما لم تنته المرحلة الانتقالية بإقرار دستور جديد يحسم منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكان يمكنه حينها أن يعتزل - وكان فى سن منطقية تسمح له بالاعتزال - ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه بعد أن يكون قد أدى المهمة، بدلاً من ذلك الباب الضيق الذى خرج منه فى انقلاب الثانى عشر من أغسطس 2012 قبل انتهاء المرحلة الانتقالية !
إضافة لسقطة احتفاظ المشير طنطاوى بالمنصبين، ارتكب الرجل خطأين سياسيين إضافيين : أولهما أنه مارس أعماله، باعتباره رئيساً للجمهورية بالوكالة، من ديوان وزارة الدفاع لا من القصر الجمهورى، فى حين كان الرئيس المنتخب حريصاً على دخول القصر الجمهورى فور انتخابه وقبل تنصيبه رسمياً رئيساً دستورياً للجمهورية ! ... وثانيهما أنه بادر إلى منح الرئيس المنتخب حضوراً داخل الجيش - فى احتفالية الهايكستب، وفى احتفالية الكلية الحربية، وفى مناسبات أخرى كثيرة - رغم أن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة لم يكن قد حُسِم بعد، ورغم لغة التحرش بهذا المنصب الحساس التى اعتمدها الرئيس المنتخب - دون سند دستورى - منذ خطاب جامعة القاهرة بعد سويعات من أدائه اليمين الدستورية !
ربما يكون المشير طنطاوى قد وقع فى بعض هذه الأخطاء السياسية، وهذه السقطات فى تعريف موازين السلطة فى مصر خلال المرحلة الانتقالية، مدفوعاً برغبة فى مد جسور الثقة ونزع فتيل انفجار الأوضاع فى الشارع المصرى، خاصة وأنه كان قد قطع معظم جسور الثقة بينه وبين التيارات المدنية التى كانت قد فقدت تعاطفها معه ومع المجلس العسكرى لأسباب كثيرة لا يفيدنا هنا أن نتطرق إليها، وهى على أية حال أسباب معروفة للجميع، ومن ثَمَّ فقد صار المشير طنطاوى ومعه المجلس العسكرى شبه وحيد فى مواجهة هذا التيار الذى جاء منه الرئيس المنتخب، وصار من الضرورى استرضاء هذا الرئيس وتجنب الاشتباك معه !
بيد أن حسابات السياسة وموازين السلطة لا تدار بمثل هذه النوايا الطيبة التى أبداها المشير طنطاوى تجاه تيارات معينة، إذ أضعفت هذه الأخطاء وهذه السقطات موقف المشير فى وقت كان أحوج ما يكون فيه - وكانت مصر فيه أكثر ما تكون حاجة هى الأخرى - للغة حاسمة واثقة لتعريف الصلاحيات، لا لغة الاسترضاء هذه التى أظهرت صاحب السلطة التأسيسية ضعيفاً ومتراجعاً أمام قوة الخطاب ولغة الإقدام التى اعتمدها الرئيس المنتخب فى كل مناسبة غير عابئ بأية قيود دستورية على ما هو منقول إليه من صلاحيات !
------------------------------------------------
هكذا وصلنا إلى ذروة المأساة فى حياة المرحلة الانتقالية التى أدارها المشير طنطاوى، أو أدارها المجلس الأعلى للقوات المسلحة من خلال رئيسه الذى استعان بعقول من داخل المجلس أو من خارجه زين له أصحابها كل ما قال وكل ما فعل، مما أضعفه وأغرى به الرئيس المنتخب الذى رأى أن لحظة التمكين لحكمه قد دقت أجراسها فقرر أن يلجأ لخيار شمشون بأن أطاح فى انقلاب الثانى عشر من أغسطس 2012 بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وانتزع من المجلس عنوة - أو ربما بالتراضى مع المجلس الجديد - كل سلطة لم يكن قد اعترف بها المجلس القديم للرئيس المنتخب دستورياً، فأسقط هذا الرئيس بخيار شمشون الذى لجأ إليه كل المرجعيات الدستورية التى كانت قد حكمت تنصيبه رئيساً للجمهورية !
اختار الرئيس المنتخب أصغر أعضاء المجلس العسكرى القديم، وأقلهم أقدمية فى رتبة اللواء، ليمنحه رتبتين استثنائيتين، ويعينه وزيراً للدفاع، ورئيساً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بتشكيله الجديد الذى غابت عنه وجوه عسكرية كانت هى الأكثر نفوذاً داخل الجيش وقتها؛ ولا أريد أن أجازف هنا فأتطرق لملابسات هذا الانقلاب الدستورىً؛ فالمهم بالنسبة لى، وبالنسبة لهذا التحليل الذى نحن بصدده، هو أن هذا الانقلاب الدستورى قد تم، أياً كانت ملابساته، وأياً كانت الأدوار التى لعبتها الشخصيات التى ارتبطت به من داخل المؤسسة العسكرية أو من خارجها؛ ويبقى الثابت فى الذاكرة التاريخية المصرية هو أن أحداً فى مصر لم يتعاطف وقتها مع المشير طنطاوى، ولا مع مجلسه الذى كان قد حرق كل السفن وراءه !
ما أذكره ويذكره غيرى هو أن عدم اكتراث المصريين بما حدث للمشير طنطاوى ولمجلسه قد منح الرئيس المنتخب وقتها شعوراً زائداً بالاطمئنان والثقة بعد أن نجح فى هدم المعبد على رؤوس أعدائه، أو من اعتبرهم أعداءه بعد أن جعل منهم أعداءً للثورة لابد من إزاحتهم كى تمضى نحو تحقيق أهدافها بقيادة رئيس اعتبر نفسه منذ هذه اللحظة - دون وجه حق - زعيماً للثورة ! ... اعتقد شمشوننا أنه قد نجح فى مهمته دون أن يصيب رأسه حجر واحد من حجارة المعبد الذى انهار بقوة إرادته الشمشونية ! ... ولكن، هل خرج شمشوننا حقاً من تحت أنقاض المعبد سالماً، أم أنه كان كشمشون الأساطير أول ضحايا هذا المعبد الذى انهار فوق رأس شمشون قبل أن ينهار على رؤوس من اعتبرهم أعداءه؟!
-----------------------------------------
لا أعرف حتى الآن كيف مر هذا الانقلاب الدستورى دون أن يتحرك الجيش، وهل كانت قيادات الجيش وقتها عاجزة عن رد الفعل، أم أنها ارتضت القبول بهذا الانقلاب لأسباب لم يفصح عنها أحد؟! ... المهم هو أن الرئيس مرسى - رحمه الله - قد خرج من تجربة هذا الانقلاب الدستورى مزهواً بانتصاره، وممنياً نفسه بسلطات مطلقة عبر عنها لاحقاً فى الثانى والعشرين من نوفمبر 2012 حين أصدر إعلانه الدستورى الاستبدادى الذى حاول تسويقه وقتها باعتباره إعلاناً "ثورياً" لولا أنه لم يصمد أمام ثورة المصريين عليه ورفضهم إياه !
بيد أن الرئيس وهو يحتفل بنجاحه فى الإطاحة بهذا المجلس العسكرى القادم من عصر مبارك - وقد كانت لنا جميعاً ملاحظاتنا على ممارساته الكارثية أثناء المرحلة الانتقالية - لم يلحظ أنه قد أطاح فى الوقت نفسه، ودون أن تنبهه إلى ذلك حساباته السياسية الهوجاء، بثلاثة من القوائم الأربعة التى يستقر بها كرسى حكمه، وأن هذا الكرسى قد صار منذ تلك اللحظة لا يقف إلا على قائم واحد ظل يجاهد لأكثر من عشرة شهور كى يتحقق استقرار الحكم وهو لا يرتكز إلا على هذا القائم اليتيم، على أرض هى من الأساس غير مستقرة، وأعنى به قائم "شرعية الصندوق" ! ... أما القوائم الثلاثة التى أطاح بها الرئيس بقراره الشمشونى فهى قائم "التماسك المؤسسى" الذى انفرط عقده فصارت بنية الدولة المؤسسية كلها آيلة للسقوط، وقائم "الشرعية الدستورية" التى لم يجد لها صدى فى عموم المشهد المصرى وهو يستدعى يائساً فى خطابه الأخير مفهوم "الشرعية" التى لم ير منها إلا "شرعية الصندوق"، وأخيراً قائم "الجيش" الذى فقد الرئيس تماماً كل سيطرة عليه منذ تلك اللحظة البائسة التى تصور فيها أنه قد أخضعه لكامل سلطانه !!
وقبل أن نسترسل فى الحديث عن هذه القوائم الثلاثة، التى أطاح بها الرئيس المنتخب بانقلابه الدستورى، دعونا نتحرر أولاً من مراوغات من يقدمون لنا أنفسهم باعتبارهم "أنصار الشرعية" فى مواجهة من يصفونهم بالانقلابيين، أو بعبيد البيادة، أو بما شاءوا أن يطلقوه من أوصاف على من يريدون ترحيل مسؤولية خطيئتهم السياسية والتاريخية عليه ! ... دعونا نتحرر أيضاً من المراهقات الثورية التى لم تتوقف - ولو قليلاً - للتفكير فى تداعيات أى قرار يُفرِح النفوس المراهقة - ويُفرِح معها النفوس المرهقة - لمجرد أنه صادر من رئيس مدنى منتخب ضد وجوه خدمت الدولة فى عهد رئيس سابق أطاحت به الثورة !
دعونا نتحرر ثالثاً من مواقف بعض الوجوه السياسية والثقافية التى تقاعست وقتها عن القيام بأدوارها ... أقول "بعضها" ولا أعمم، فإنما أقصد من تلك الوجوه فقط أولئك الذين آثروا السلامة، فلم يغامروا بالتورط فى التمييز بين "الممكن"، الذى قد يُغضِب الأغلبية، وبين "المستحيل" الذى قد يوافق هواها؛ فلا هم بذلوا الجهد لتعريف عموم الناس بجدران البناء التى تقادمت ولابد من هدمها دون خطر يُذكَر على وجودية الدولة، وتلك التى - رغم تقادمها - كان لابد من الحفاظ عليها والعمل على ترميمها كى لا يسقط بنيان الدولة كله فوق رؤوس الجميع؛ ولا هم اتخذوا المواقف التى ترسم الحدود واضحة بين تفكير النخبة أو الصفوة التى تقود المجتمع وترشده إلى حيث يكون مأمنه، حتى وإن كان جزاؤها هو جزاء شهيد الحقيقة فى كهف أفلاطون، وبين تفكير العوام الذين يسيرون وراء غرائزهم فلا يرون إلا مصالحهم الآنية دون تداعياتها المستقبلية التى أثبتت الأيام كارثيتها !
-----------------------------------------
بعد كل هذه المقدمات، وكل هذه التحفظات، وكل هذا التحرر من كوابح التفكير العقلانى، ها نحن قد وصلنا إلى مواجهة هذه اللحظة المفصلية التى ارتكب فيها الرئيس مرسى أخطاءً سياسية لا يمكن أن يرتكب أياً منها رئيس يدير الحسابات السياسية بعقل رجل الدولة، ولا يديرها بعقل رجل التنظيم، أياً كانت طبيعة هذا التنظيم : دينية كانت أو يسارية أو ليبرالية أو بأى مرجعية أيديولوجية كان يعمل هذا التنظيم ... هى أخطاء لا تقل فداحةً ولا كارثيةً عن الأخطاء التى وقع فيها المشير طنطاوى عند إدارته لشؤون الدولة، وإن كان الرئيس مرسى قد تطرف فى أخطائه عكس الاتجاه الذى تطرف فيه المشير طنطاوى !
كان توجه المشير طنطاوى هو استعادة ودعم مؤسسات الدولة، معتبراً أن التماسك المؤسسى للدولة هو حائط الصد الأول أمام كل ما كان يراه مسبباً لفوضى الشارع المصرى بعد الخامس والعشرين من يناير 2011، أو ما كان يعتبره من مظاهر الفوضى والتحلل من ضوابط الخضوع لسلطان الدولة؛ وربما كان هذا هو سبب تفضيله لفكرة التحالف مع التيارات السياسية التى تخضع للانضباط التنظيمى دون غيرها من التيارات الأخرى التى كان يراها - بثقافته العسكرية - عصية على الانضباط، فلم يكن يعرف كأكثر العسكريين أى آليات للانضباط المدنى بخلاف آليات الانضباط بالأوامر التى تسير عليها النظم العسكرية !
على الجانب الآخر كان تماسك الدولة المؤسسى مصدر إزعاج للرئيس المنتخب الذى كان يرى فى هذا التماسك تهديداً لمشروع الدولة التى كان يرى أنها تستمد روح مؤسساتها من قواعد أصولية وفقهية غير القواعد التى كانت تحكم هذه المؤسسات ... لذلك فإن ضرب أقوى هذه المؤسسات كان ضرورياً لخلخلة التماسك المؤسسى للدولة، وقد كانت الرغبة فى تحقيق هذا الهدف واضحة منذ خطاب الرئيس المنتخب أمام مناصريه بميدان التحرير قبل تنصيبه الرسمى حين اعتبرهم أعلى سلطة فى الدولة ولا تعلوها أى سلطة أخرى ! ... لم يكن هناك أى هدف آخر يمكن رصده، خاصةً وأنه لم يحدث أن عرقل مجلس المشير طنطاوى، ولا هو عرقل إعلانه الدستورى المكمل، أى خطط إصلاحية أو تنموية لم يطرحها الرئيس المنتخب أصلاً طيلة نحو شهر ونصف الشهر انقضت منذ تنصيبه وحتى قيامه بانقلاب الثانى عشر من أغسطس !
على عكس ما كان يتصور الرئيس المنتخب، الذى كانت تعوزه رؤية وعقلية رجل الدولة، فإن إطاحته بالمجلس العسكرى لم تسهم فى تثبيت حكمه، بل هى أطاحت - من بين ما أطاحت به - بأول قوائم كرسى الحكم الذى كان يجلس عليه الرئيس، إذ استنفر انقلاب الثانى عشر من أغسطس كل مؤسسات الدولة التى ارتابت فى نوايا الرئيس المنتخب، فتكتلت كلها ضده أو كادت، وهو ما نلحظه من إرهاصات تنمر مؤسسات الدولة فى مواجهة الرئيس بعد انقلابه الدستورى مقارنة بحالة الالتزام الحذر والترقب القلق التى كانت قائمة قبله ... أما أسباب الالتزام الحذر والترقب القلق التى كانت قائمة قبل الانقلاب الدستورى فقد تسببت فيها بعض خيوط التوتر التى نشأت بين هذه المؤسسات وبين مؤسسة الرئاسة بعد القرار الأرعن الذى كان قد اتخذه الرئيس بعد أيام من تنصيبه ليعيد به مجلس الشعب المنحل للانعقاد، ثم - لاحقاً - وصلت العلاقة بين الرئيس وبين مؤسسات الدولة لنقطة اللاعودة بعد إصدار الرئيس لإعلانه الدستورى الاستبدادى فى الثانى والعشرين من نوفمبر !
كنت قد بينت فيما سبق، وبتفصيل لم يساعد - بكل أسف - أصحاب المواقف الأيديولوجية المتحجرة على إزاحة الغبار الذى يمنع عنهم الرؤية، ويحجب عنهم الفهم، أن الرئيس المدنى المنتخب قد جاء إلى الحكم محملاً بأفكار ومواقف لا تساعد على عبور المرحلة الحرجة التى كانت تعبرها البلاد بعد أقل من ثمانية عشر شهراً من ثورة الخامس والعشرين من يناير ... كما بينت كيف أظهر الدكتور مرسى بعد انتخابه تناقضات فى مفردات خطابه السياسى، وكيف اتخذ مواقف مراوغة ومتباينة من مؤسسات الدولة عامةً، ومن المحكمة الدستورية العليا والمجلس الأعلى للقوات المسلحة على وجه الخصوص ! ... لكن أن يبدأ أى رئيسٍ حكمه بمحاولة ضرب التماسك المؤسسى للدولة فإننا نكون أمام عمل أخرق لا يقدم عليه أى رئيس يتمتع بالحد الأدنى من مواصفات رجل الدولة، إذ على أى رئيس أن يحافظ على التماسك المؤسسى للدولة، وأن يعتمد على مؤسسات الدولة القائمة - حتى ولو كانت فاسدة - على أن يعمل على إصلاحها بذكاء لا يعرض بنية الدولة المؤسسية للخطر، ولا يعرض كرسى الحكم نفسه للاهتزاز أو لما هو أكثر خطراً وهو السقوط !
--------------------------------
ننتقل الآن من القائم الأول من قوائم الحكم، التى أطاح بها الرئيس المنتخب بانقلابه الدستورى، إلى القائم الثانى الذى أطيح به وهو قائم "الشرعية الدستورية" ... فمنذ خطاب ما قبل التنصيب، الذى ألقاه أمام مناصريه فى ميدان التحرير، كان واضحاً أن الرئيس المنتخب يرغب فى الظهور كزعيم ثورى، لا كرئيس دستورى، بما يسمح له مستقبلاً باعتماد "الشرعية الثورية" لا "الشرعية الدستورية" مرجعية لقراراته وسياساته ونظام الحكم الذى يعمل على تأسيسه !
لم نكن قد عهدنا الدكتور مرسى - رحمه الله - زعيماً ثورياً، حتى وإن كنا قد خبرناه كادراً سياسياً فى جماعة سياسية ظلت تعامَل خلال حكم الرئيس مبارك باعتبارها "جماعة محظورة" ! ... فجأة، تحول هذا الكادر السياسى إلى ناشط ثورى يهاجم فى خطاب ما قبل التنصيب فترة الستينات "وما أدراك ما الستينات!" ... لكن هذا المناهض لفترة الستينات، وفى سياق تحولاته وتناقضاته، كان يتحول أحياناً إلى رئيس ناصرى : يزور مصانع الحديد والصلب، ويستدعى اسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مشيداً بأهدافه وسياساته ومحاكياً لغته الثورية وكأنها أهداف وسياسات ولغة الحكم الجديد ! ... فى قصر الرئاسة، تحدث الرئيس المنتخب دستورياً عن نفسه باعتباره "رئيساً بعد ثورة"، وأنه يحق له كما حدث فى كل الثورات أن يحمى الثورة بالتضحية بالآلاف !
لم يدرك الرئيس المنتخب دستورياً أنه رئيس لا زعيم، ولا هو أدرك الفرق الهائل بين شخصيته، والسياق التاريخى لفوزه بالرئاسة، وبين شخصية جمال عبد الناصر والسياق التاريخى لاعتلائه السلطة ... تصور الرئيس المنتخب أنه يخاطب أنصاره فى ميدان التحرير قبل تنصيبه كما كان يخاطب عبد الناصر الجماهير فى ميدان المنشية سنة 1954 ! ... لم يكن عبد الناصر فى هذه اللحظة البعيدة قبل نحو ستة عقود بحاجة لأى شرعية دستورية، على حين كانت هذه الشرعية الدستورية هى جواز مرور الدكتور مرسى للقصر الجمهورى، وكانت بهذا أحد قوائم حكمه، وبغيرها يهتز هذا الحكم أو يسقط !
بانقلابه على الشرعية الدستورية التى أوصلته للحكم فقد الرئيس المنتخب واحداً من أهم قوائم استقرار الحكم، وجعل نفسه - وجعل مصر كلها معه - فى مواجهة "ثورة مضادة" فى مواجهة "ثورته" التى ادعاها ولم تكن لها أى علاقة ببنية "الثورة المصرية" التى قام بها شباب الطبقة الوسطى فى الخامس والعشرين من يناير، ولا هى كانت لها علاقة بالطبيعة الدستورية لحكم الرئيس المنتخب ! ... بهذه المواجهة التى استدعى بها الرئيس مرسى حديث "الثورة والثورة المضادة" دخلت مصر كلها فى معضلة تعريف "الثورة" : أى "ثورة" بالضبط؟، وتعريف "ضد الثورة" : أى "ضد" بالضبط؟
هكذا تحولت القضايا، وتبدلت ملامحها، وصار كل ما عاشته مصر بعد انقلاب 12 أغسطس 2012 فوضى مفهومية ودستورية كاملة، بدأها الدكتور مرسى ومن كانوا يقفون وراءه بانقلابهم الدستورى الذى أطاحوا من خلاله - ظاهرياً - بمجلس المشير طنطاوى، لكنهم فى الحقيقة أطاحوا بمنطق الشرعية الدستورية التى أرادها من قاموا بالانقلاب أن تكون شرعية ثورية، على مقاس الرئيس وجماعته، وفى خدمة مشروعه لا فى خدمة الدولة التى اختفت وراء ضباب المصطلحات : فأى دولة نقصد بالضبط ونحن نتحدث عن "نهضة الدولة"؟ وما هى مقومات هذه الدولة؟ وما هى مرجعياتها؟!
هذه الفوضى الدستورية استهلكت من عمليات ومساحيق التجميل ما استهلكت كى تبدو على غير حقيقتها، لكنها كانت كلها عمليات فاشلة، لم يسبق إجراءها أى دراسة لطبيعة الجسد السياسى المصرى ولا لبيئته، ولا هى وظفت من مساحيق التجميل ما يناسب شخصية الأمة المصرية ... فوضى عمليات التجميل هذه، وتنافر المساحيق التى تتحدى الطبيعة، لم يكن لها إلا أن تنتهى بملامح منفرة يصعب قبولها، وإلا بتشوهات يستحيل علاجها؛ والنتيجة المنطقية لكل هذا الإصرار العنيد على إظهار غير الحقيقة هى كل هذا القبح الذى عاشته ومازالت تعيشه مصر منذ انقلاب 12 أغسطس الدستورى، رغم كل محاولات الترقيع التى شاركنا فيها جميعاً بدرجات متفاوتة أملاً فى إنقاذ الدولة من الانهيار، فكان أن انهارت الدولة بالفعل ولم يبق منها إلا السلطة التى توحشت بما يتناسب مع ملامحها المنفرة !
حدبث "انقلاب الثلاثين من يونيو" الذى يراوغ به "أنصار الشرعية" كى يغطى على حدث "انقلاب الثانى عشر من أغسطس" لن ينتهى بنا إلى شئ، اللهم إلا أن تضيع منا إجابات الأسئلة فى زحام مساجلات عقيمة، واتهامات مجانية، لا هدف لها إلا ترحيل المسؤوليات، فيفلت المسؤول الحقيقى بفعلته ويتحول بهذه المراوغات من مذنب وجب عليه الاعتذار، ووجب عليه التكفير عن خطيئته، إلى ضحية يتعاطف معها ويعتذر لها أولئك الذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو كى يضعوا حداً لشرعية مبتورة ومنتحلة، فرضها علينا إجراء غير دستورى، هى التى أسست لكل التداعيات التى شكلت المشهد السياسى والتاريخى والإنسانى البائس الذى صارت عليه مصر اليوم !
-----------------------------
أخيراً، نصل إلى القائم الثالث من قوائم الحكم التى أطاح بها الرئيس المنتخب بانقلابه الدستورى فى الثانى عشر من أغسطس 2012، ولأهميته القصوى فى تفسير الأحداث فإن الحديث عنه سوف يطول، لذا أستأذنكم فى إرجاء الحديث عنه إلى الرسالة القادمة، أو الرسالة قبل الأخيرة فى هذه السلسلة، التى أخصصها له بالكامل، علها تفسر لنا كيف انقلب الرئيس المنتخب على نفسه، وكيف اصطاد الوعل الجائع نفسه !!
===================================
______________________________________________
من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 9
------------------------------------------
هذه هى الرسالة التاسعة فى سلسلة الرسائل التى كنت قد بدأتها لكشف ما طمسه بعض الإعلام من معالم الطريق التى انتهت بنا إلى أحداث الثلاثين من يونيو 2013 وما بعدها من أحداث أسست للواقع البائس الذى تعيشه الدولة المصرية اليوم، ومن يدرى؟ فعَلَّها تؤسس أيضاً لمستقبل لا علاقة له بهذا الواقع البائس، ولكن بعد أن تكتمل عناصر هذا المستقبل الذى مازلنا نرجوه رجاء اليائس لا رجاء صاحب العقل الرشيد !
------------------------------------------
هذه هى الرسالة التاسعة فى سلسلة الرسائل التى كنت قد بدأتها لكشف ما طمسه بعض الإعلام من معالم الطريق التى انتهت بنا إلى أحداث الثلاثين من يونيو 2013 وما بعدها من أحداث أسست للواقع البائس الذى تعيشه الدولة المصرية اليوم، ومن يدرى؟ فعَلَّها تؤسس أيضاً لمستقبل لا علاقة له بهذا الواقع البائس، ولكن بعد أن تكتمل عناصر هذا المستقبل الذى مازلنا نرجوه رجاء اليائس لا رجاء صاحب العقل الرشيد !
هذه رسالة لا تنفصل عن كل ما سبقها، ولا هى تنفصل عما يلحق بها؛ فبعد ما مهدت له الرسائل الثمانية السابقة، وبعد ما بينته من أعراض السلطوية التى تمكنت من الرئيس المنتخب بعد انتخابه، تأتى هذه الرسالة التاسعة لتطرح السؤال الأكثر خطورة وهو : من المسؤول عن انهيار "الشرعية الدستورية" التى منها كان قد اكتسب الرئيس المنتخب شرعية انتخابه؟! ومن ثَمَّ، فمن المسؤول عن الطعن فى شرعية وجود هذا الرئيس المنتخب على رأس الدولة أصلاً؟!
هذا السؤال الذى تطرحه هذه الرسالة التاسعة، وتجيب عنه الرسالة العاشرة، إنما تفرضه تناقضية أن يكون المسؤول عن انهيار هذه "الشرعية الدستورية"، التى جاءت بالدكتور محمد مرسى رئيساً، هو نفسه من يردد دون ملل أن الدكتور مرسى هو أول رئيس مدنى منتخب، وحجته المبتورة فى ذلك هى أنه الرئيس الذى جاءت به صناديق الاقتراع، متجاهلاً حقيقة أساسية وهى أنه - رحمه الله - لم يُنَصَّب رئيساً لمجرد أنه جاءت به صناديق الاقتراع، وإنما هو صار رئيساً لأنه تم انتخابه "دستورياً"، وأنه لولا هذه الصفة "الدستورية" ما كان قد وصل إلى قصر الرئاسة أصلاً، ولا كان لانتخابه عبر صناديق الاقتراع أية حجية لدى أى مؤسسة من مؤسسات الدولة كى تقبل به رئيساً شرعياً للجمهورية !
نعم، قد يكون هناك أكثر من وجه للشرعية : فهى قد تكون شرعية دستورية، كما قد تكون شرعية ثورية، أو شرعية تاريخية، أو شرعية أمر واقع فرض نفسه على الجميع فى ظرف تاريخى بعينه؛ وقد تنتقل الدولة من الشرعية الثورية أو من شرعية الأمر الواقع إلى الشرعية الدستورية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة شرعية مؤقتة لحين إقرار دستور جديد للبلاد؛ لكن الدول لا تدار بالرقص بين شرعية وأخرى حسب حاجة الحاكم، أو حسب توازنات القوة بينه وبين خصومه السياسيين؛ فلكل لعبة سياسية قواعدها، والرئيس الذى ارتضى قواعد الشرعية الدستورية حتى وصل إلى الحكم كان عليه أن يلتزم بمسارات هذه الشرعية وألا يتجاوزها بالانقلاب عليها كما حدث فى الثانى عشر من أغسطس 2012 !
الانقلاب هو انقلاب أياً كان شكل هذا الانقلاب، يتساوى فى هذا أن يكون الانقلاب عسكرياً أو أن يكون دستورياً؛ والسؤال المطروح الآن هو هل كان ما حدث فى الثانى عشر من أغسطس 2012 انقلاباً دستورياً، أم هو كان التزاماً بمسارات الشرعية الدستورية التى أوصلت الرئيس المنتخب دستورياً إلى منصب الرئاسة؟! ... هذا هو السؤال الأهم بين كل ما سبق أن طرحت من أسئلة فى الرسائل السابقة، وعلى الجميع - وبتجرد تام - أن يجد إجابة له تحترم عقول المصريين لنعرف منها متى أطيح بالشرعية فى مصر بعد الثورة؟ ومن تراه يكون الذى أطاح بها؟!
-------------------------
فى الثانى عشر من أغسطس 2012 قرر الرئيس مرسى، أو قرر من يقفون وراءه ويدعمونه، اللجوء إلى خيار شمشون، فتمت الإطاحة بتشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى كان قائماً فبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهو المجلس الذى كان قد تسلم مهمة إدارة شؤون البلاد فى الحادى عشر من فبراير 2011 مع تخلى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك عن الحكم؛ ومن ثَمَّ فقد ارتدى المجلس منذ ذلك التاريخ - أى منذ الحادى عشر من فبراير - قبعتين : إحداهما هى القبعة العسكرية، باعتباره مسؤولاً عن قيادة الجيش، والثانية هى القبعة السياسية/الدستورية، باعتباره مسؤولاً عن إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية - كما نصت المادة 61 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 - "لحين تولى كل من مجلسى الشعب والشورى لاختصاصاتهما، وحتى انتخاب رئيس الجمهورية ومباشرته مهام منصبه، كلٌّ فى حينه"
هذه القبعة السياسية/الدستورية التى ارتداها المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد الحادى عشر من فبراير هى إذن - وبنص الإعلان الدستورى - وظيفة استثنائية فرضتها الضرورة، ولم تكن هى وظيفة المجلس الأساسية التى عبر عنها فى بيانه الصادر فى العاشر من فبراير 2012، مما تجدون نصه بالفيديو المرفق بهذه الرسالة ... وبحكم هذه الضرورة التى جعلت المجلس يرتدى القبعة السياسية/الدستورية لم يكن ممكناً تعريف وظيفة القائد الأعلى للقوات المسلحة قبل انتهاء المرحلة الانتقالية، لا فى الإعلان الدستورى الأصلى ولا فى الإعلان الدستورى المكمل، وإلا لكان المجلس قد صار مرؤوساً لسلطات يشرف هو على إعادة تأسيسها وانتخابها، فضلاً عن أن الدستور الجديد الذى يحدد شكل نظام الحكم - هل هو رئاسى أم برلمانى أم مختلط - لم يكن قد تم إقراره ولا حتى الاتفاق على ملامحه بعد، وهو الوثيقة التى تحدد بالضرورة من سيكون القائد الأعلى للقوات المسلحة : هل هو رئيس الدولة، أم رئيس مجلس الوزراء، أم هو جهة ثالثة؟ وهل هى قيادة بعينها، أم هى مهمة تتم بالتنسيق بين أكثر من قيادة؟ ولأى آليات يخضع هذا التنسيق المفترض حال الأخذ به دستورياً؟!!
منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة هذا كان هو السبب الحقيقى لتحرش الرئيس المنتخب بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ لحظة انتخابه، وقد تعامل مع هذه القضية باستخفاف شديد لا يتفق وخطورة المنصب الذى أراد انتزاعه عنوة دون مراعاة للأطر الدستورية التى تحكم انتقال السلطة، ودون أى تقدير لحساسية الأوضاع التى شكلت مسارات المرحلة الانتقالية؛ إذ تصور الرئيس - أو هيأت له جماعته - أن منصب رئيس الدولة ومنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة متلازمان بالضرورة، وأن عدم انتقال هذا المنصب إليه هو خصم من استحقاقات قررها له الشعب المصرى الذى أدلى بأصواته فى صناديق الاقتراع !
------------------------------------
دعونا أولاً، ولكى ينضبط تحليلنا السياسى والتاريخى، نؤكد على ثلاث نقاط نظام ضرورية : أولاها هى ضرورة التمييز بين مجلسين : بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تكون فى عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، وظل قائماً حتى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهو المجلس الذى تسلم إدارة شؤون البلاد فى 11 فبراير 2011 بقبول شعبى عام، وبين ذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تشكل فى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهو المجلس الذى تكون دون إعلان صريح عن علاقته الدستورية بسابقه؛ فالخلط بين المجلسين، واعتبارهما مجلساً واحداً، هو خطأ جسيم فى التحليل السياسى والتاريخى، بل وحتى فى التحليل القانونى والدستورى لمرجعيات واختصاصات كل من المجلسين !
صحيح أننا نتحدث عن نفس المجلس من الناحية المؤسسية، لكنهما مجلسان مختلفان من حيث التكوين، ومن حيث الاختصاص، ومن حيث العلاقة بين كل منهما وبين مؤسسة الرئاسة، أخذاً فى الاعتبار علاقة كل من المؤسستين - مؤسسة الرئاسة ومؤسسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة - بالشرعية الدستورية التى كانت قائمة خلال الفترة من الحادى عشر من فبراير 2011 وحتى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهى الشرعية التى تم "الانقلاب الدستورى" عليها بقرار صادر عن الرئيس المدنى المنتخب !
نقطة النظام الثانية هى ضرورة الاتفاق على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة - فى مرحلتيه المتتابعتين - لم يكن مجلساً من الملائكة، ولا مؤسسة الرئاسة بدورها كانت تديرها جماعة من الملائكة؛ فالمجلس والرئاسة كان يديرهما بشر، يفكرون ويقررون ويتصرفون كما يفكر ويقرر ويتصرف البشر، بكل ما يُحسَب لهم وبكل ما يُؤخذ عليهم؛ ولسنا هنا بصدد الحكم على هذه الأفكار وهذه القرارات وهذه التصرفات البشرية بالتفتيش فى نوايا أصحابها، نبيلةً كانت هذه النوايا أو خبيثة، فالنوايا لا يعلمها إلا الله؛ ولا نحن سنجازف بادعاء معرفة كاذبة بما كان يدور من مداولات هنا أو هناك وراء الأبواب المغلقة، فهى مداولات تبقى تفاصيلها ملك لأطرافها، وقد تبقى هذه التفاصيل سراً لا نعرفه أبداً، وحتى إذا تسرب منها بعد حين - وغالباً بعد رحيل كل أطرافها - بعض الأخبار فإنها ستبقى دائماً مما يستدعى الحذر عند التعامل معها ... ما نتناوله هو فقط الأفكار والقرارات والتصرفات المفصح عنها، ومدى اتساقها مع السياق العام لمنطق الأحداث كما هى مدونة فى الذاكرة التاريخية للبلاد
أما نقطة النظام الثالثة فهى أننى لست بصدد الانحياز لممارسات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لا قبل 12 أغسطس 2012 ولا بعده، على حساب ممارسات مؤسسة الرئاسة؛ فقد كانت للطرفين أخطاؤهما، وبعض هذه الأخطاء كان كارثياً ! ...
... لا مؤسسة الرئاسة كانت قادرة على قراءة واقع الدولة المصرية بما يعين الرئيس على تمكين الدولة لا على تمكين جماعة سياسية بعينها، فعمقت الخلافات مع أطراف كثيرة حين كان يجب عليها مد جسور الثقة معها، وتماهت مع أطراف أخرى حين كان يجب عليها تعريف المسافات ! ...
... ولا المجلس الأعلى للقوات المسلحة امتلك بدوره قدرة التعامل مع مدنية الدولة بعقل مدنى يعمل بثقافة مدنية مغايرة للثقافة التى يتعامل بها العقل العسكرى مع شؤون الجيش ومؤسساته، فأظهر الشدة مع كثير من الأطراف حين كان إظهار اللين ضرورة، وأظهر اللين مع أطراف أخرى حين كان إظهار الشدة واجباً ! ...
... كلاهما - مؤسسة الرئاسة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة - كان عاجزاً عن قراءة ما يحدث فى مصر وفى العالم من تحولات تاريخية، فعمل كل طرف منهما على رسم صورة متوهمة لهذه التحولات، بعد أن استراح كل منهما لتصوراته التى هيأتها له حسابات لا علاقة لها بأى رؤية لخرائط ومسارات التاريخ؛ وهكذا بقيت التحولات التاريخية "الحقيقية" مكبوتة فى الحالتين لتنفجر لاحقاً فى وجه هذا الطرف أو ذاك، كل فى حينه، أو ربما لتنفجر فى وجه الجميع حين تعجز آليات الكبت عن منع لحظة الانفجار ... هذا هو ما حدث للمجلس العسكرى الذى كان قائماً قبل الثانى عشر من أغسطس 2012، وهذا هو ما حدث لمؤسسة الرئاسة بعد الثلاثين من يونيو 2013، وهذا هو ما سيحدث - إن عاجلاً أو آجلاً - لكل من لا يعرف أن شمشون لا يمكنه سحق لحظات الحقيقة حتى وإن كان قادراً على هدم المعبد فوق رؤوس أعدائه؛ فلحظات الحقيقة - حين تدق أجراسها - لا تميز بين رأس شمشون ورؤوس غيره !
---------------------------------
هكذا أنهى هذه الرسالة باستدعاء مأساة شمشون، كما كنت قد أنهيت رسالتى السابقة بمأساة شمشون ذاته؛ لكن اسمحوا لى قبل أن نفترق، على أمل أن نلتقى فى الرسالة العاشرة قريباً إن شاء الله، أن أستدعى معكم قصة من قصص الأطفال التى نشأنا عليها صغاراً، لكن بعضنا - على ما يبدو - لم يتعلم منها شيئاً ... أستدعيها هنا علها تخفف عنا وطأة الموضوع، وعلها تساعدنا أيضاً على الولوج إلى موضوع الرسالة العاشرة بشئ من اليسر
تقول القصة إن وعلاً كان يختبئ من صائديه وراء شجيرات كثيفة الأوراق تخفيه ولا تبدى منه شيئاً ... يئس الصيادون من العثور عليه، فاستدعوا كلابهم وهموا بالرحيل، وهنا شعر الوعل بالاطمئنان وقرر أن يكافئ نفسه بوجبة شهية ... أخذ الوعل يأكل أوراق الشجيرات التى كان يختبئ وراءها، فسمع الصيادون صوته وهو يمضغ الأوراق، وانتبهوا لمكانه بعد أن جرد الشجيرات من أوراقها فانكشف أمام صائديه الذين أصابوه ... وهكذا سقط الوعل صريعاً وهو يلوم نفسه لأنه كان ناكراً للجميل، إذ أفقده الجوع كل قدرة على التفكير، حتى أنه لم يدرك تداعيات ما فعله بنفسه وهو يغدر بالشجيرات التى كانت تضمن له سلامته وتحميه من السقوط !
كل عام وأنتم بخير !
==========================
https://www.facebook.com/hazem.a.hosny/videos/10211348924558171/?t=8


























































Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen