Montag, 4. Mai 2020

الدكتور حازم حسني الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ورؤيته عن المشهد المصري.

عن خطاب ذى اللسانين
---------------------
لكل حاكم لسانان : لسان مخبوء فى فمه، لا يتحرك بكل ما يدور فى رأسه، ولا بكل ما يخفيه فى صدره، ولسان آخر أكثر خطراً مخبوء فى ضميره، يحرك إذا ما تحرك ألسنةً أخرى فى أفواه مريديه وداعميه المدافعين عنه وعن محاسن سلطانه ! ... ما قد نسمعه من "شرشحة" و"ردح" وتدليس أصحاب هذه الألسنة "البروكسى" هو تعبير صادق عن حقيقة هذا الحاكم، وعن طبيعة نظامه، رغم كل أقنعة التعفف وحُسْن الخُلُق التى يضعها صاحب السلطان هذا على وجهه وعلى لسانه !
لم نسمع من صاحب السلطان هذا على امتداد فترة حكمه استهجاناً لهذا السقوط الأخلاقى، ولا هو عبر يوماً - ولو بكلمة واحدة - عن استنكاره لهذه الأساليب المنحطة التى تتناقض وأسطورة الرجل الخلوق، وخرافة صاحب اللسان العفيف "الصادق قوى" و"الشريف قوى إن شاء الله" ! ... حديث أى إنسان هو ما ينطق به لسانه، وما يستحسنه مما تنطق به ألسنة أتباعه وحلفائه ورهطه الأقربين؛ وقديماً قال واحد من كبار الفلاسفة، الذين يعتقد صاحب السلطان أنهم ينهلون من حكمته، أن "تحدث كى أراك"، وقد أضيف من جانبى لما قال هذا الحكيم أن "لا تتحدث حين يتحدث باسمك آخرون، فقد أرى فى صمتك حقيقتك، وأكشف به خبيئة نفسك" !
من هم يا ترى - فيما نسمع وفيما نرى - أصحاب الألسنة التى تلهج باسم صاحب السلطان؟! .. ما هى القيمة الفكرية والأخلاقية لأولئك الذين يستشهد بهم صاحب السلطان على حكمته، وعلى شرعية حكمه، وعلى قوة واستقرار سلطانه؟! .. ماذا نعرف عن هؤلاء الأتباع غير أنهم فى كل واد يهيمون، أو عن هؤلاء الحلفاء الذين تعرف حقيقتهم كل رمال الصحارى وكل مياه المحيطات؟! .. ما هو مستوى الثقة فى شهادة أولئك أو فى شهادة هؤلاء أمام الناس وأمام التاريخ؟!
أَقَرَّ صاحب السلطان بتلك الحقيقة أو أنكرها، فقد نطق لسانه بما نطق به هؤلاء، وتلطخت صورته حين اختلطت بصورتهم، أما حقيقته التى جاهد لإخفائها فقد فضحتها حقيقتهم المكشوفة أمام كل الناس؛ فلا يلومنَّ صاحب السلطان إلا نفسه، ولا يبحثَنَّ عن خلاصه فيما رسمه له هؤلاء من تهويمات خرائطهم، أو فيما زينته له "حكمته" مما تيسر لهؤلاء من خبرة متواضعة فى رسم خرائط الحياة، ومن علم أكثر تواضعاً بأسرار قراءة خرائط التاريخ !!
رسالتى هذه هى مجرد مقدمة لحديث قد يطول لتعرية واقعنا وتجريده مما نخدع به أنفسنا، ولفهم ظاهرة محمد على التى ظنها بعض الطيبين انقلاباً على سنن الحياة وثورة على سنن التاريخ، وأخيراً للإجابة عن السؤال الذى يحير الكثيرين وهو : لماذا نجح محمد على فيما فشلت فيه النخب؟! ... علّنا نستفيق !!
==================
جسد سياسى ملئ بالأدرينالين
----------------------------
عندما أقرأ بعض التعليقات على ما أكتب أشعر أن الجسد السياسى المصرى قد صار فيه من قوة الأدرينالين أكثر مما فيه من قوة العقل !
بعض أصحاب التعليقات يتحدث عن الواقع المصرى وكأنه جالس فى قصر الرئاسة ليقرر ماذا يفعل بالسيسى وجنرالات الجيش ! ... بعضهم الآخر يتحدث وكأن المجلس الرئاسى السودانى - الذى يتخذه نموذجاً - هو مجلس مدنى منزوع الدسم العسكرى ! ... بعضهم الثالث لا يدرك أن مصر تنتظرها مرحلة تأسيسية صعبة لا علاقة لها بالقواعد الدستورية التى تحكم الدول المستقرة ! ... بعضهم الرابع تدفعه جرعات الأدرينالين الزائدة لالتقاط عبارات دون غيرها ليستثير بما تنتقيه عيناه إفراز الأدرينالين لحد التخمة ! ... بعضهم الخامس كره ما كتبته عن بيان اعتزام الفريق عنان الترشح للرئاسة لمجرد أنه بيان صادر عن رجل عسكرى دون أن يقرأ البيان ويحلل مفرداته ويفهم فلسفته، أو كأنه يدعو لاستبدال حكم عسكرى بحكم عسكرى بديل !
بعض أصحاب التعليقات لا يعرف ما هى حدود الفعل للشرط الضرورى، وما هى أبعاد الشرط الكافى ! ... بعضهم يتصور أن إرادة الشعب - بافتراض توفرها لدى جميع أفراده - هى الشرط الضرورى والكافى لتحقيق الخلاص، وكأنه لا توجد معطيات أخرى معاكسة لهذه الإرادة ! ... وبعضهم يتصور أن الحديث عن هذه المعطيات الأخرى التى تتحكم فى المشهد المصرى إنما هو حديث عن مصادرة إرادة الشعوب وقدرتها على إحداث التغيير ! ... يؤسفنى مصارحة الجميع بأن أولئك وهؤلاء إنما يعتمدون عقلاً تقليدياً، لا عقلاً منظومياً قادراً على التعامل مع سنن التاريخ الإنسانى، وأنهم يتناولون الأزمة المصرية وكأنهم يتناولون أزمة ناد رياضى ! ... حتى النوادى الرياضية تحكمها توازنات موضوعية، أحببنا وجود عناصر هذه التوازنات أو كرهنا وجودها !
لو كانت مصر ستتعامل مع مستقبلها وهى غارقة فى فيضان الأدرينالين هذا فهى ستكرر نفس أخطائها القديمة التى يبدو أن بعض المصريين قد أدمنوها ... بعضهم - عن حسن نية - يبحث عن الكمال والتمام الذى له شروط غير متوفرة فى الأسواق ! ... بعضهم الآخر - عن سوء تقدير - يبحث عن "الزيطة" الثورية بلا أى عقل ثورى يوجه الثورة ويرَشّد حراكها، فهم لا يقودهم فى هذه "الزيطة" إلا عقل المهرولين وراء "عربية الرش" ! ... أما بعضهم الثالث - عن سوء نية أو عن تشوه معرفى - فليس له من بوصلة توجهه إلا أن يفرض مفردات أجندته السياسية على مشهد تاريخى معقد لا علاقة له بهذه البوصلة الأيديولوجية ولا بما ترشدنا إليه من مقاصدها !
عقول يحركها هذا الأدرينالين الزائد هى آخر ما تحتاجه مصر للتفكير فى حاضرها وللتخطيط لمستقبلها ! ... طغيان مثل هذه العقول على حياتنا هو ما جعلنا منذ أكثر من قرن من الزمان نبحث بلا وعى عن الاستقلال التام أو الموت الزؤام، فلا نحن حصلنا بهذا الأدرينالين على الاستقلال التام، ولا نحن أراحنا من جنون الأدرينالين هذا الموت الزؤام الذى استدعيناه فلم يستجب لنا ولو بعد طول انتظار !
=====================
تفاؤل وحذر .. وكثير من القلق
---------------------------
لم أرغب فى الكتابة خلال الأيام القليلة الماضية رغم سخونة المشهد السياسى فى مصر، ورغم امتلاء هذا المشهد بإغراءات الكتابة عنه؛ ذلك أننى أعاف فكرة الهرولة "وراء عربة الرش"، كما يقول التعبير المصرى الشهير، فضلاً عن أن جيناتى العقلية إنما تقف عائقاً وجودياً بينى وبين السباحة مع التيار، وتحول بينى وبين المضى مغمض العينين وراء القطيع !
بالطبع، فإن المشهد ملئ بالعناصر الإيجابية التى تدعو للتفاؤل، لكنه ملئ أيضاً بالعناصر الملتبسة التى تدعونا للحذر، وبعناصر سلبية يجب أن تستثير فينا الكثير من القلق، ولا أقول أبداً إنها تدفعنا بأى حال من الأحوال للتشاؤم؛ فالقلق محمود فى مراحل التحول التاريخى، أما التشاؤم فمذموم فى كل الأحوال باعتباره كابحاً لقوة الدفع التاريخية التى لابد للشعب المصرى أن يعمل على استثمارها لا إهدارها !
هناك - ولا شك - حراك محمود فى الشارع المصرى يعبر عن رفض شعبى لهذا النظام الذى أفقر المصريين ليبنى لنفسه ولدهاقنته قصوراً، محققاً لنفسه ولهم إنجازات لا يستفيد من أكثرها السواد الأعظم من المصريين ... لكن الحذر يبقى مطلوباً فى مواجهة أى قوى انتهازية - قديمة أو مستحدثة - تريد لهذا الحراك أن يخدم مشروعها السياسى، ويمكن فى هذا الشأن رصد أكثر من ظاهرة مقلقة طفت على السطح بمجرد أن بدأت الأحداث توحى بتحولات فى مواقف الجماهير الصامتة !
بيد أنه من الخطأ، بل هو من الحماقة، أن تدفعنا الدعوة المشروعة للحذر إلى توجيه دعوة مشبوهة لوقف الحراك الشعبى، أو إلى تجريمه ووصمه بما ليس فيه على نحو ما تفعل أذرع النظام الإعلامية التى تخصصت فى تشويه كل ما له علاقة بأى حراك جماهيرى حتى ولو كان سلمياً على مستوى التعبير عن أفكار أو عن مواقف وطنية مشروعة ومحمودة !
دون الدخول فى كثير من التفاصيل، ودون التطرق بإسهاب لما يقلقنى، اسمحوا لى أن أعرض باختصار تقييمى لبعض العناصر المهمة فى المشهد الحالى : ـ
أولاً : قام المقاول/الفنان محمد على بدور مهم فى كشف الغطاء عن فساد رأس نظام الحكم بما يمكن أن يقال معه إنه قد أفقده الاعتبار ... لم يحدث ذلك بسبب ما قاله محمد على فى فيديوهاته المتتالية كما يعتقد البعض، وإنما بسبب نجاحه فى استدراج الرجل للجلوس على كرسى الاعتراف فى مؤتمر الشباب الثامن، وإقراره - بثقة فى النفس تثير الذهول - بأن سياساته التى أفقرت الشعب المصرى إنما رافقتها سياسات لبناء قصور يعتقد - أو هو يريد من المصريين الاعتقاد - بأنها تجعل من مصر دولة عظمى "قد الدنيا" ! ... ما قاله السيسى فى هذا المؤتمر هو الذى غير مسار الأحداث، ووجهها إلى ما اتجهت إليه، لا مجرد دعوة للتظاهر وجهها محمد على ما كانت لتدفع المصريين للاستجابة لها لولا ما أقر به السيسى بحماقة سياسية منقطعة النظير !
ثانياً : الدور الذى أداه محمد على - أياً كانت دوافعه، وأياً كانت الثقافة التى أداه بها - هو دور إيجابى كان ضرورياً لاستفزاز وتحفيز محركات عجلة التاريخ المعطلة، حتى وإن كان قد حدث هذا التحفيز دون تخطيط من أحد، ولا من محمد على نفسه ! ... بيد أن رغبة محمد على فى تجاوز هذا الدور إلى أدوار أخرى، واستسلامه لغواية لعب دور المُنَظّر السياسى الذى يخطط لمصر وللمصريين كيف يكون شكل نظام الحكم، وكيف يكون شكل الدولة بعد انقضاء زمن السيسى، لن يكون فى حقيقته إلا إفساداً للدور الإيجابى الذى أداه حتى الآن، وتجاوزاً انتحارياً لما يمكنه تقديمه الآن وفى المستقبل القريب، وهو ما يذكرنى - مرة أخرى - بقصة عدَّاء تولستوى الذى لم يعرف ما هى حدود قدرته !
ثالثاً : فقط من باب الشئ بالشئ يُذكَر فإن مشروع نظام الحكم الذى عرضه محمد على فى فيديو الأمس لا يختلف كثيراً عن مشروع العقيد معمر القذافى الذى دشن عصر الجماهير وأنشأ جماهيريته التى لم يكن فيها رئيس للدولة، فهل نجح نموذج الجماهيرية هذا فى تحرير ليبيا من الديكتاتورية، أم أنه كان نموذجاً مؤذناً بديكتاتورية مطلقة؟! وهل بنى هذا النموذج دولة المواطن أم أنه هدم الدولة الليبية من أساسها ؟! ... أفترض هنا بطبيعة الحال أن محمد على قد عرض مشروعه السياسى هذا من باب الاجتهاد لا من أى باب آخر دفعته إليه - ربما دون أن يدرى - حسابات أخرى زرعها فى رأسه آخرون !
رابعاً : فى السابع من سبتمبر نشرت رسالة قلت فيها إن الحقيقة المؤسفة هى أن بقاء السيسى فى الحكم إنما تحكمه حسابات محلية وإقليمية ودولية معقدة، وهى حسابات مستمرة معنا لنحو عام ونصف العام، ولا يعرف أحد - إلا الله سبحانه وتعالى - ماذا سيكون شكل العالم وشكل الإقليم، ولا شكل مصر نفسها، بعد انقضاء هذه الشهور الثقيلة القادمة ! ... بالطبع فقد جرت فى النهر مياه كثيرة منذ كتبت هذه الرسالة، لكن الحقيقة المؤسفة تبقى كما هى، وهى أن الإطاحة بحكم السيسى ستبقى خياراً محكوماً بتغير الموقف الدولى من الرجل مهما بلغ مستوى الغضب الشعبى ضده ومهما كانت مظاهر رفض الشعب لحكمه؛ فهل غيرت أحداث الأيام الأخيرة من هذا الموقف الدولى؟ لا أدرى! الأيام القادمة وحدها تملك إجابة السؤال ! ... على أية حال، فإن ما سبق لا يتناقض مع حقيقة أن حراك الشعب المصرى يمكنه تغيير المعادلة الدولية التى تحكم بقاء السيسى فى الحكم أو الإطاحة به، لكن هذا الحراك لن يمكنه - بكل أسف - تجاهل هذه المعادلة، ولا الجيش المصرى نفسه سيمكنه تجاهلها !
خامساً : المعادلات الدولية المتشابكة مع المعادلات الوطنية لن تعمل لصالح المصريين إلا إذا استطاع المصريون - بمن فيهم الجيش المصرى - تجريد السيسى من أدوات تحكمه الديكتاتورى فى مفاصل الدولة المصرية، وهو أمر ضرورى وممكن إذا ما أرادت القوات المسلحة المصرية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة الجيش المصرى محلياً وإقليمياً ودولياً، وإنقاذ الدولة المصرية نفسها من الإهانة والتفسخ والانهيار ! ... الإطاحة بالسيسى ليست شرطاً ضرورياً، ولا هى شرط كافٍ، لإنقاذ الدولة وإنقاذ الجيش من السياسات التى أوصلتنا لهذا الوضع المتأزم؛ وبمنتهى الإخلاص، فإننى أكاد لا أرى حلاً لهذه المعضلة المصرية إلا ما سبق أن عبرت عنه منذ شهور طويلة من ضرورة التخلص من لعنة الاستقطاب الحاد بين ما هو مدنى وما هو عسكرى : الاستمرار فى عسكرة الدولة لن يكون هو الحل، بل هو فى حقيقته ما خلق الأزمة، كما أن إخراج الجيش تماماً من منظومة الحكم ليس حلاً قابلاً للتنفيذ، ولا هو مطلوب فى السياق المصرى المتأزم أصلاً !
هناك دائماً حلول وسط ممكنة يمكنها إخراج مصر من أزمتها ... رجاءً، ودون حساسيات من أى جانب من الجانبين، أن تقرأوا بهدوء خطاب إعلان الفريق عنان اعتزامه الترشح للرئاسة، فقد تجدون بين سطوره، إذا ما أبعدتم عن الخطاب وأنتم تقرأونه حساسيات ترشحه للرئاسة، حلاً للأزمة التى ستسحقنا تداعياتها حتماً إن هى استمرت أزمة بغير حل، فكل يوم يمر دون حسم هو فى حقيقته خصم من فرص النجاة، ومن فرص خروج الجميع من الأزمة آمنين !!
======================---________________________________________________
عن حيلة البعوضة وحيلة المنجنيق
------------------------------
من المفاهيم العلمية التى قد تستغلق على عامة الناس، وقد تستغلق على خاصتهم، مفهوم "اللاخطية"؛ وهو مفهوم بسيط فى تعريفه الأساسى، حتى وإن كان يتطلب التعامل الإجرائى معه فى كثير من الأحيان قدرات علمية خاصة لا يعنينا فى هذه الرسالة أن نتعرض لها ولو من بعيد !
دعونا نتعرف أولاً على مفهوم "الخَطِّيَّة"، فهو - كمفهوم اللاخطية - يتحدث عن العلاقة التى تربط البدايات بالنهايات، أو المقدمات بالمآلات، إذ يقال لمثل هذه العلاقة أنها "خطية" إذا ما كانت العلاقة بين المدخلات والمخرجات، أو بين الأسباب والنتائج، علاقة تناسب طردى أو عكسى؛ فإذا لم يتحقق هذا الشرط، وغاب عن العلاقة بين الطرفين هذا التناسب "الخطى" بين طرفيها، قيل عن هذه العلاقة أنها "لاخطية"، وهذه الأخيرة - على عكس العلاقات الخطية - "يمكن" أن تتعاظم فيها الأسباب فلا تفرز لنا إلا نتائج تافهة، كما يمكن أن تهون فيها الأسباب إلى درجة التفاهة فتفضى إلى نتائج عظمى لا تناسب بينها وبين الأسباب التى أدت إليها؛ فلا وجود لهذا التناسب بين طرفى العلاقة اللاخطية، وهو ما يجعل مهمة تتبع الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية اللاخطية مهمة محفوفة بالمغامرة وبعدم اليقين !
هذا هو بتبسيط شديد - أرجو ألا يكون مخلاً بالدقة العلمية - مفهوم اللاخطية الذى تقوم باستدعائه كل العلوم الحديثة، طبيعية كانت أو اجتماعية؛ ومن مفهوم "اللاخطية" هذا وُلِد تعبير "أثر الفراشة" الذى ربما كان أكثر شهرة من تعبير "اللاخطية" الذى لولاه ما فهمنا المقصود بأثر الفراشة أصلاً ! ... أثر الفراشة هذا قد يعبر عنه هذا القول المأثور الذى يتداوله المصريون حين يعللون ما يدهشهم من ظواهر حياتهم بقولهم : "تيجى على أهون سبب" !
المثال المشهور لأثر الفراشة - ومنه استمد هذا الأثر اللاخطى اسمه - هو أن فراشة ترفرف بجناحيها فوق غابات الأمازون "قد" تتسبب بفعل التداعيات "اللاخطية" لحركة جناحيها فى تكون إعصار مدمر يجتاح بعد شهور السواحل الشرقية للصين ! ... دعونا الآن من أثر الفراشة هذا، فالفراشات مخلوقات ضخمة إذا ما قورنت بالبعوض، ولنتناول أثر البعوضة الذى قد يكون أكثر تعبيراً عما أستهدفه برسالة قد يفهم مغزاها من تتمتع عقولهم بقدر معقول من المرونة وعمق التفكير، وقد يحتار فى تفسيرها أصحاب العقول الخطية - وما أكثرهم بيننا - ممن يديرون شؤون حياتهم - ويوجهون معها شؤون حياتنا - بمنطق النسبة والتناسب، فيعتقد بعضهم أن المشاريع الكبرى تصنع "بالضرورة" دولة كبرى، ويعتقد بعضهم على الجانب الآخر أن مصر ليست بحاجة لفكر ولا لتعليم ولا لثقافة لأنه ثبت على أرض الواقع أن محدوداً فى الفكر والتعليم والثقافة تمكن من تحريك الأحداث كما لم تحركها ثقافة ولا هى حركها تعليم ولا فكر !!
هذا النمط من التفكير الخطى، أو ما نسميه بالتعميم المجانى، إنما يصيبنى أحياناً بالهلع وأنا أرى شؤون حياتنا تتقاذفها مواقف بائسة لفئات عريضة من الشعب المصرى، إن كانت فى الحكم أو كانت فى المعارضة؛ فمشكلة مصر الحقيقية ليست فى حكامها دون نخبتها، ولا هى فى شيوخها دون شبابها، ولا فى إسلامييها دون علمانييها، ولا فى مسلميها دون مسيحييها، ولا فى يسارييها دون ليبرالييها، ولا فى عسكرييها دون مدنييها ... مشكلة مصر الحقيقية هى فى آليات التفكير الخطية التى اعتمدها العقل المصرى لقراءة واقع هو بطبيعته لاخطى، ففهمه هذا العقل المصرى وتعامل معه وكأنه واقع محكوم - على غير طبيعته - بعلاقات خطية لم يعد يرى العقل المصرى غيرها حاكماً لمستقبلنا، ولا هو بقادر على أن يرى غيرها حاكماً لحاضرنا ولا مفسراً لماضينا !
دعونا ندرب هذا العقل على غير ما اعتاده من آليات التفكير، ولنقرأ معه شيئاً - ولو يسيراً - من تاريخ الحروب علنا نرصد هذه العلاقة الملتبسة بين ما هو خطى وما هو لاخطى، أو نستكشف هذه العلاقة المجهولة بين المنجنيق، الذى كانت تخشاه أبراج القلاع وأسوارها الحصينة، وبين البعوضة التى يُضرَب بها المثل فى خفة الأشياء وهوانها ! ... لو أنكم قرأتم شيئاً فى التاريخ العسكرى وفى علاقته بتاريخ مرض الملاريا لاكتشفتم أن البعوضة كانت فى كثير من الأحيان أكثر فتكاً بالجيوش من المنجنيق؛ فكثيراً ما نجحت بعوضة فى غرس مثقابها - الذى يكاد لا يُرى بالعين المجردة - فى دماء القادة والجنود لتُخرِج جيوشاً بأكملها من الخدمة، ولتجعل المنجنيق - على ضخامته - عاجزاً عن الفعل ! ... لم تكن البعوضة فى كثير من الأحيان بحاجة للفتك بالجيوش، إذ كان يكفيها استهداف قادة هذه الجيوش لتفتك بهم الحمى، وتُدفن معهم مشاريعهم، وتتغير مسارات التاريخ ! ... الأمثلة كثيرة، ويطول الحديث عنها !
كثيراً ما غيرت البعوضة إذن مسارات التاريخ بأكثر مما غيرها المنجنيق ! ... حضارات بأكملها ربما تكون قد اختفت بسبب لدغة هذه البعوضة التى يستهين بها أكثر الناس ! ... بالطبع فإن كثيراً من البعوض يأتى إلى الحياة ويغادرها ولا يترك فيها أثراً يذكره الناس، لكن بعضه بكل تأكيد يترك وراءه ما يستقر فى الذاكرة الإنسانية كمحرك لضربات القدر التى غيرت مسارات الحياة الإنسانية كلها ! ... لكنه أحمق من يتصور أن هذه البعوضة التى يمكنها تغيير مسارات التاريخ الإنسانى تملك مهارات قائد عسكرى تأتمر بأمره جند المجانيق، والأكثر حماقة منه من يتصور أن البعوضة التى لا تأتمر بأمرها جند المجانيق لا تملك - رغم ضعفها وهوانها - حيلتها لتغيير مسارات التاريخ !
كلنا - فى الحقيقة - نأتى إلى الحياة ونمضى كما تأتى هذه البعوضة إليها وكما تمضى .. بعضنا - رغم هوانه - يغير مسارات التاريخ، وبعضنا الآخر يدهسه التاريخ وهو يمضى فى مساره، أو هو يسير فى ركاب التاريخ أينما يذهب به ذهب؛ لكننا جميعاً لا نساوى فى موازين الوجود أكثر مما تزن هذه البعوضة، حتى وإن ظن بعضنا فى نوبة غرور أنه يملك قوة المنجنيق أو حيلته للإبقاء على مسارات التاريخ كما يريدها منطق المنجنيق لا كما يريدها منطق الحياة !
======================

  • Mahfouz Eltaweel تمام دكتورنا و أستاذنا الإنسان الكبير Hazem A. Hosny و اسمح لي أن أحكي قصة قصيرة : #الصمت_المرعب
    يُحكَى أن جموعاً غفيرة من كل أطياف الشعب المصري نزلوا في كل شوارع و طرقات مصر قرابة نهاية العقد الثاني من القرن الحادي و العشرين في يوم الجمعة عند ال
    ...عرض المزيد
  • مدحت كمال الدين عثمان موضوع ال Linear and non-linear thinking ده حقيقى و يتجلى فى امور كثيرة مثل العلاقات الانسانية الى التفاعلات الكيميائية سواء فى داخل الجسم او خارجه - يعنى فيه ناس Non-Linear تعاملهم كويس يعاملوك وحش و كل ما تعاملهم احسن تزداد معاملتهم لك سوءا بينما ال Linear هو تعاملهم كويس يعاملوك كويس - التفكير البسيط يركن الى ال Linear Thinking , يعنى كل ما ادوس بنزين تزيد السرعة, سهل جدا و ما يتعبش العقل, انما ال Non-Linear Thinking ده يحتاج ذكاء و علم و فهم When you go Linear and when you go Non-Linear - المشكلة فى الفهم والذكاء, اللى عنده الصفتين دول حينجح فى العالم لان العالم حقيقة Non-Linear for The Most Part و هى دى مشكلتنا الحقيقية ان فهمنا للعالم و كثير من الامور Is Very Simplistic لانه يتم شرح الامور لنا ممن يسموا بالخبراء, بطريقة مبسطة يتفهمها العقل البسيط, حتى و ان كان الشرح و التحليل خاطئ, انما تستريح له كثير من العقول, بينما الشرح والتحليل الحقيقى للامور يجعل البعض يقاوموا هذا الشرح بل و يتعدوا على من يقوله بمنطق If You Don't Like The Message, Kill The Messenger كما كان يفعل الملوك الاوروبيين اذا جاءتهم رسالة مش على هواهم, يقتلوا حامل الرسالة - حقيقة المشكلة كبيرة جدا, و سبب المشكلة هو جيل ما فوق ال 65 سنة الذى يعرف اين كنا و كيف اصبحنا فى هذه الحالة الصعبة, فلما يتوكل هذا الجيل على الله, لن يعرف اى من الاجيال التى تليهم الا ما نشأوا فيه و تفتحت اعينهم عليه من حال مصر والمجتمع....
  • Hamed Quisay صدق الحق سبحانه وتعالي في قوله ( ۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ ال...عرض المزيد

  • __________________________________________________________________________________________

القيادة الزئبقية
------------
شهد عام 2011 حدثين حاكمين لمسارات الأزمة التى تعانى منها الدولة المصرية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتهاء تبعية مصر لدولة الخلافة التى استمرت ثلاثة عشر قرناً تخللتها فترات قوة وتقدم وازدهار كما فترات ضعف وتراجع واضمحلال ...
... الحدث الأول هو ثورة الشباب، ومن ورائه الشعب المصرى، على ما صار ينخر فى عظام الدولة المصرية من ركود سياسى، وقمع أمنى، وفساد إدارى، وتراجع فى مستويات معيشة السواد الأعظم من المصريين رغم تحقيق معدلات نمو مرتفعة على المستوى الكلى ...
... أما الحدث الثانى فهو تسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة شؤون البلاد، بعد تخلى الرئيس مبارك عن الحكم، بما فى ذلك مسؤولية وضع الأطر التنفيذية لتحقيق أهداف الثورة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وليس من بين هذه الأهداف ما يمكن اعتباره خطأً يستحق التقريع أو التحذير من تكراره، ولم يكن تنفيذها بمنتهى "الصدق" و"الشرف" و"الأمانة" ليؤدى بأى حال من الأحوال لإضعاف الدولة داخلياً أو لإضعاف قدرتها على التعامل الكفء مع ما تواجهه من تحديات خارجية !
هما إذن حدثان لا حدث واحد ما تحكما فى مسارات الأزمة الوجودية التى تعانى منها الدولة المصرية منذ عام 2011، وذلك على عكس ما تقول به القيادة السياسية الزئبقية التى تسعى للخروج من أزمتها بإلحاق تدهور أحوال الدولة المصرية سببياً بأحد الحدثين، وكأنه الحدث الطارئ الوحيد دون الحدث الآخر الذى كان طارئاً بدوره؛ فكلاهما كان تداخلاً مع المسارات الدستورية من خارجها، وكلاهما اكتسب شرعيته بحكم الأمر الواقع لا بحكم التسلسل المعتاد لمنطق الحياة السياسية المستقرة !
لا أحد ينكر الأخطاء الكارثية التى وقع فيها أصحاب النوايا الحسنة من المراهقين الثوريين، ولا ما ارتكبته جماعات المصالح السياسية والأيديولوجية من خطايا التداخل الانتهازى مع أحداث الثورة لتحويل مسارها إلى وجهة أخرى تماماً غير وجهتها التى عبر عنها شباب الثورة يوم الخامس والعشرين من يناير 2011 ... بيد أن أحداً لا ينكر أيضاً أن مسؤولية حماية الثورة، وترشيد مساراتها، وتحقيق أهدافها المشروعة، إنما كانت تقع على عاتق من يتحمل مسؤولية إدارة شؤون البلاد بعد الثورة، لكنه - على العكس مما انتظره المصريون منه - سمح لجماعات الانتهازية السياسية بالقفز على الثورة واختطافها وتسيد المشهد السياسى تحت سمع وبصر صاحب السلطة التأسيسية بعد الثورة !
الحدث الأول، وهو اندلاع الثورة، لم يكن بأى حال من الأحوال مصدر ضعف للدولة المصرية فى مواجهة إثيوبيا أو غيرها من دول العالم، بل على العكس فإن هذا الحدث قد جعل مصر ملء السمع والبصر بعد أن أثبت شعبها أنه شعبٌ حىٌّ فتىٌّ، يأبى الضيم، ولا يتنازل عن حقوقه، وهى صورة ذهنية لا يمكن أن تدفع إثيوبيا أو غيرها للعب على وتر ضعف الدولة !
إذا كانت مصر قد ظهرت ضعيفة فى مواجهة إثيوبيا، أو فى مواجهة غيرها من الدول، فلسببين لا علاقة لهما بالمطالب المشروعة للثورة : أولهما السياسات الكارثية التى اتبعها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقت توليه مسؤولية إدارة شؤون البلاد، إذ أهدرت هذه السياسات الكارثية كل عناصر القوة التى ظهرت بها مصر فى أعقاب الثورة ! ... ولنا أن نتساءل هنا عن من تراه كان المسؤول وقتها عن تقديم المعلومات ومقترحات الخطط للمجلس (على ما صرح به "الخبراء الاستراتيجيون" غير مرة)، ومن الذى كان ضابط الاتصال وقتها بين المجلس وبين شباب الثورة وجماعات الانتهازية السياسية فى البلاد !
أما السبب الثانى لإضعاف الدولة المصرية فى مواجهة التحديات الخارجية فى حوض نهر النيل وغيره فهو السياسات والقرارات الأكثر كارثية التى اتخذها الرئيس السيسى منذ توليه مسؤولية الحكم لمعالجة أزمة سد النهضة، حتى وإن حاول اليوم - عن طريق ما نسميه فى علم الإحصاء بالارتباط الزائف - أن يرحل مسؤولية هذه السياسات الكارثية على المصريين وعلى ثورتهم فى مناورة زئبقية مفضوحة يراهن صاحبها على قلة وعى المصريين بحقائق واقعهم السياسى، وعلى قلة خبرتهم بأساليب التملص الزئبقى من مسؤولية هذه السياسات الكارثية التى تزيد دولتهم كل يوم ضعفاً فوق ضعف، رغم مظاهر البهرجة التى يضخها الزئبق السائل يومياً عبر وسائل البروباجندا التى تُسَوِّق نفسها باعتبارها وسائل إعلامية تنشر الحقائق وترفع مستويات الوعى !!
===========================
Mahfouz Eltaweel و عمل نفسه شاطر و يقول لرئيس وزراء إثيوبيا قول ورايا " والله و الله لن أقوم بأي ضرر للمياه في مصر هههههه و كأنه بيلعب السيجة أو راكب العجلة و كأن شريان الحياة بتاعنا لعبة و كأنه جاب الديب من ديله- https://youtu.be/ZSQjrgq8MTE
السيسى يجعل رئيس اثيوبيا يقسم بالعربي بعدم المساس بمياه النيل
YOUTUBE.COM
السيسى يجعل رئيس اثيوبيا يقسم بالعربي بعدم المساس بمياه النيل
السيسى يجعل رئيس اثيوبيا يقسم بالعربي بعدم المساس بمياه النيل


_____________________________________________________________________________________

التفكير فى القصور والقصور فى التفكير
--------------------------------------
سكت أياماً ثم نطق، وليته ما نطق، فقد أثبت - من حيث أراد النفى - أن كل ما قيل عن شذوذ مشاريعه الكبرى صحيح، وإن كان قد برر هذا الشذوذ بما يدينه ولا يبرئه، فجاءت كلماته وبالاً عليه وعلى نظام حكمه الذى ألحق به فى دقائق أضراراً تفوق ضرر كل ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعى طيلة الأيام الماضية من فيديوهات مقاول متواضع الثقافة لا يحمل من الشهادات العلمية إلا ما منحته إياه مدرسة الحياة !
لا أعرف ماذا تعلم السيسى من علوم الدولة ومن فنون بنائها وإدارتها على مدى نصف قرن قال إنه قد أنفقه فى تعلم معنى الدولة، ولا ماذا فهم من التاريخ الذى ادعى فى مقابلة شهيرة أجراها قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة تفوقه الدراسى فيه؟!
أخشى أن يكون السيسى قد فهم الدولة على نموذج تشارلز الأول الذى ضرب البرلمانيون فى بريطانيا رأسه بعد انتصار جمهورية كرومويل فى منتصف القرن السابع عشر، أو على نموذج الملك الشمس لويس الرابع عشر، صاحب القالة الشهيرة "الدولة هى أنا"، قبل أن تطيح مقصلة الثورة الفرنسية فى نهاية القرن الثامن عشر برأس حفيده لويس السادس عشر، الذى لم يستوعب حقائق التغيرات التاريخية، ولا هو أدرك أن نموذج حكم جده الأكبر الملقب بالملك الشمس قد تجاوز تاريخ الصلاحية !!
أخشى أن يكون السيسى ضحية فهم معتل للتاريخ باعتباره قصصاً "تُطرَف به الأندية إذا غصها الاحتفال"، على حد تعبير ابن خلدون فى مقدمته ناقداً أولئك الذين يتناولون التاريخ بمنطق الحفظ والاستدعاء العشوائى، لا بمنطق كونه علماً نقدياً يحتاج إلى "مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط" على حد تعبيره؛ فما رصده ابن خلدون من أحوال التاريخ، ومن أحوال المتعاملين معه فى عصره، عاد السيسى - بعد أكثر من ستة قرون - ليستدعيه من مدافن القرون الوسطى بثقة لا يُحسَد عليها، وليغرق معه الدولة المصرية فى نمط تفكير كنا نظن أن ابن خلدون، وأن كل من كتبوا عن حركة التاريخ بعده، قد واروه الثرى، إذ تجاهل السيسى "تبدل الأحوال فى الأمم والأجيال بتبدل [العصور] ومرور الأيام"، فلا هو حكَّم "قواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال فى الاجتماع الإنسانى، ولا [هو قاس] الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب"، على حد تعبير ابن خلدون، "َفضَلَّ عن الحق، وتاه فى بيداء الوهم" !
إنها مقتطفات من نصوص عمرها أكثر من ستة قرون، لا هى فهمها نظام الحكم القائم فى مصر، ولا هو استوعب معانيها وهو يحدثنا عن نهضة مصرية أساسها نهضة معرفية غير مسبوقة، وجامعات مصرية لم يعرف مثيلها من قبل أحد فى العالمين ! ... أقَرَّ الرجل فى حديثه أمس بكل ما جاءت به فيديوهات المقاول الذى يملك مهارات أداء وتأثير اكتسبها من بعض تجارب له فى التمثيل، فأكد المؤكد وهو أنه يبنى بالفعل قصوراً، وهو ما كان معلوماً للجميع ولم يكن بحاجة لتأكيد رئاسى، ولا هى كانت فيديوهات المقاول/الفنان قد جاءت بجديد فى هذا الشأن كان يجهله المصريون، اللهم إلا بعض التفاصيل التى أضافت جرعة من الإثارة والتشويق على مواقع التواصل الاجتماعى !
الجديد حقاً، مما لم يرد حتى فى الفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعى، هو ما قاله السيسى نفسه - بخفة أو باستخفاف لا نظير لهما - من أنه سيبنى قصوراً غير ما يبنيه من قصور، وأنه ينافس فى ذلك محمد على (والى مصر ومؤسس دولتها الحديثة) مبرراً ذلك بأنه يبنى دولة جديدة ستنافس قصورها قصور محمد على !!!
لست طبيباً نفسياً، ولا أنا أدعى علماً معمقاً بالطب النفسى يتجاوز العلم العام، لكننى وجدت نفسى وأنا أستمع للرجل وكأننى أمام حالة فريدة تمتزج فيها أعراض جنون العظمة بأعراض الشعور بالنقص، وهى فى تصورى حالة خطيرة إذا ما ترافقت مع غيبوبة تاريخية واضحة، ومع غياب كامل للإحساس بالواقع فضلاً عن الإحساس بالزمن؛ ولا أعرف - والحال هذه - كيف نجح المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى فى اجتياز الاختبارات النفسية التى سمحت له بالترشح للرئاسة؟!
الرجل لا يدرك الفارق الزمنى بين النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذى حكم خلاله محمد على مصر، وبين النصف الأول من القرن الحادى والعشرين الذى يحكم هو فيه مصر ! ... الرجل لا يدرك أن مصر التى كانت ولاية عثمانية يحكمها الباشا قد تحولت منذ نحو مئة عام إلى ملكية دستورية، وأنها تحولت بعد ذلك إلى جمهورية منذ ست وستين سنة ! ... الرجل لا يدرك أن بناء القصور هو تقليد ملكى لا جمهورى، ولا هو يدرك أن بناء القصور لم يكن هو ما أنشأ الدولة المصرية الحديثة التى أقامها محمد على، ولا هو ما سيبنى دولة جديدة يتحدث عنها السيسى ولا نعرف ما هى ملامحها، ولا ما هى الرؤية التى تقود هذا البناء؟!
لم يبدأ محمد على حكمه ببناء القصور كما يفعل السيسى، وإنما بدأه بتنظيم دولاب العمل الحكومى، وهذا التنظيم الحكومى، الذى نجح فيه بمعايير عصره وظروف نشأة دولته، هو ما مكنه لاحقاً من تنظيم بناء الجيش، وتنظيم شبكة الرى، وتنظيم التعليم والبعثات التعليمية، ولم يتحدث أحد من المؤرخين عن أن بناءه القصور هو ما مكنه من بناء دولته الحديثة !
بعض المعلومات التاريخية أيضاً يبدو ضرورياً لأولئك الذين يصفقون للرجل وكأنه "جهيزة" التى قطعت قول كل خطيب؛ فمحمد على باشا لم يبدأ حكمه بإقامة القصور الفخمة التى تستنزف موارد دولته، وإنما كان يسكن القلعة التى كانت مقر الحكم فى مصر منذ الدولة الأيوبية، وإن كان محمد على قد أمر بعد سنوات من حكمه، الذى استمر أربعة عقود، ببناء قصر شبرا الذى استغرق بناؤه ثلاثة عشر عاماً، ولم يأمر بالبدء فى بناء قصر رأس التين بالأسكندرية إلا بعد مرور ثلاثة عقود على حكمه، وبعد أن بلغت مصر مستويات قياسية من القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، ولم ينته العمل بالقصر إلا بعد وفاته؛ أما قصر عابدين وقصر القبة فقد أمر ببنائهما الخديوى إسماعيل الذى أمر حفيده عباس حلمى الثانى ببناء قصر المنتزه، بينما قامت ببناء قصر الطاهرة الأميرة أمينة ابنة الخديوى إسماعيل، ثم ورثه عنها ابنها محمد طاهر باشا قبل أن يشتريه منه الملك فاروق ليهديه لزوجته الأولى الملكة فريدة ... هى إذن قصور عائلة "ملكية" حكمت مصر لمدة قرن ونصف القرن، فكيف يتخيل السيسى أنه يمكنه منافسة هذه العائلة ببناء القصور فى ظل نظام "جمهورى"، وفى ظل اقتصاد منهك أرهقته الديون، وفى مدة لا تتجاوز بضع سنوات هى مدة حكمه وإن طال؟!
لماذا لا يحاول السيسى - وهو رئيس لا ملك - أن ينافس محمد على فى رؤيته التاريخية والجيوستراتيجية والتنظيمية؟ لماذا لا يهتم مثله بأحوال مصر لا بأحوال مدينته الفاضلة التى لا شأن للمصريين بها، ولماذا لا يقرأ كتاباً واحداً فى التاريخ عله يعرف منه أن أحداً من أسرة محمد على الذى يريد أن ينافسه - أو أن ينافس عائلته وسلالته - لم ينشئ لنفسه مدناً تنفصل عن مصر بحجة أنه يبنى دولة جديدة، وعله يتعلم - إن كان ثمة مجال للتعلم - أنه لا دولة جديدة يبنيها أى حاكم ببناء القصور، وإنما هى تُبنَى الدول الجديدة ببناء الرؤى التاريخية الجديدة، والرؤى الحضارية الجديدة، والرؤى الجيوسياسية والجيوستراتيجية الجديدة ... فما هى يا ترى هذه الرؤى التى اعتمدها السيسى قبل أن يحدثنا عن دولته الجديدة التى تصور فى حديثه بالأمس أنها ليست إلا عاصمته الجديدة التى سينبهر بها العالم بأكمله؟!!
يؤسفنى القول - وما كنت أود أن يدفعنا الرجل لهذه الخاتمة - أن تفكير أى رئيس دولة فى "القصور" كحل لمعضلات دولته هو فى حقيقته "قصور" فى التفكير، ونذير انحطاط الدولة وتخلفها وانهيارها، لا بشير رفعتها وتقدمها واستقرارها، فما بالنا ورئيس الدولة يعدنا بمزيد من القصور : قصور يعانى من بنائها اقتصاد البلاد، وقصور يعانى منه التفكير فى أن مصر ستبنيها هذه القصور !
======================
______________________________________________
عن موضوعية الموضوعية
------------------------
طالعنا اليوم الأستاذ عماد الدين حسين - رئيس تحرير "الشروق" القاهرية - فى عموده اليومى بحديث عن غياب "الموضوعية" فى مواقفنا السياسية، إذ أخذ يلوم من لا يكفون عن نقد السياسات العامة للحكومة ولا يشيدون بما اعتبره كاتب العمود "إنجازات" حكومية تستحق الإشادة مثل مشروع الصوب الزراعية وغيره من المشاريع "الكبرى"، وإن كان قد وجه اللوم أيضاً فى مقاله لمن لا يرون فى إنجازات "الحكومة" ما يستحق النقد مثلما يرون أن ليس فى إنجازاتها إلا ما يستحق الإشادة !
عنوان المقال ومتنه يتحدثان إذن عن "الموضوعية" الغائبة عن المواقف السياسية بشكل عام، ومن ثم يرى صاحب المقال أن غياب هذه الموضوعية إنما يخصم من مصداقية المعارضة التى لو أنها مدحت ما يستحق المديح، وأشادت بما يستحق الإشادة، لأعطت لمواقفها السياسية من "الحكومة" مصداقية لدى الرأى العام ... وكأن الخصم من المصداقية يحتاج سبباً آخر غير ضيق نظام الحكم بأى صوت مخالف، وغير استمرائه التشهير بالخصوم وتجريمهم حتى وإن كان موضوع الجرم هو الغيرة على تراب الوطن الذى يتم التفريط فيه، أو الإحساس بالمسؤولية تجاه أجيال قادمة مطلوب منها أن تسدد مستحقات مؤجلة على مشاريع لا تخضع لأى دراسات جدوى، وبيان عوار سياسات لا مرجعيات لها سوى إرادة صاحب هذه السياسات !
دعونا إذن نتحدث عن كيف تكون الموضوعية موضوعية، وثقتى كبيرة فى سعة صدر الأستاذ عماد الدين حسين الذى أقدر حجم ما يتعرض له فى عمله من ضغوط، وما يحكم العمل الصحفى هذه الأيام من حسابات وتوازنات تؤثر فى مستقبل الصحيفة التى يرأس تحريرها لا فى مستقبله الشخصى وحده؛ ولى فى هذا الشأن أربع ملاحظات، : أولها أن كاتب المقال قد تحدث عن معارضة سياسات ومشاريع الحكومة، ولم يشر ولو بكلمة واحدة لكون هذه السياسات وهذه المشاريع هى فى حقيقتها سياسات ومشاريع رئيس الدولة ونظامه؛ ومن ثم وجب - تحرياً للموضوعية - التأكيد على أن أحداً لا يتعرض للحكومة ولا يعارض سياساتها ومشاريعها، فالحكومة لا حول لها ولا قوة، وإنما هى مجرد سكرتارية للرئيس وواجهة مدنية لنظام لا يجهل حتى أبعد الناس عن تناول الشأن العام أنه قد صار نظاماً عسكرياً بامتياز !
الملاحظة الثانية هى أن هذه المشاريع الكبرى التى تطالَب المعارضة بالإشادة بها إنما تقع بالكامل تحت ولاية الجيش، ومن ثم فهى تكتنفها الأسرار، ولا نعرف عن اقتصادياتها أى شئ؛ فنحن لا نعرف - مثلاً - عن مشروع الصوب الزراعية إلا أنه مقام فى قاعدة عسكرية، وإلا أن السيد اللواء المشرف على المشروع يتقاضى أربعة عشر ألف ومئتى جنيه شهرياً، أو نحن نفترض أنه المرتب "الشهرى" ! ... والملاحظة الثالثة هى أن هذه المشاريع لا تخضع لأى دراسات جدوى بشهادة رئيس الدولة نفسه، إذ يرى سيادته أن مثل هذه الدراسات لا أهمية لها إذا كنا نريد المضى قُدُماً فى طريق الإنجازات، وإذا كنا نرغب حقاً فى الخروج من حالة "العوز" ! ... فكيف يمكن إذن لأى إنسان عاقل أن يشيد موضوعياً بمشاريع، مهما كانت ضخامتها، هو لا يعرف شيئاً عن مصادر تمويلها، ولا عن اقتصاديات تشغيلها، ولا عن جدواها الاقتصادية، اللهم إلا أن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى سليمان فأفهمه ما لم يُفهِمه غيره من مخلوقات رب العالمين؟!
الملاحظة الرابعة، وهى الأهم فى حديث الموضوعية، هى أنه حتى وإن توافرت معلومات عن مصادر تمويل هذه المشروعات، وعن اقتصاديات تشغيلها، وعن جدواها الاقتصادية، وحتى إذا ثبت أن هذه المشروعات الكبرى هى من أعظم المشروعات الهندسية على مستوى العالم وأعلاها ربحية، فإنه لا يمكن لأى مراقب "موضوعى" أن يشيد بهذه المشاريع لأنها ستبقى دائماً وأبداً محملة بآفة لا يمكن تجاهلها، كما لا يمكن بالأحرى الإشادة بها، وهى آفة إخلال هذه المشاريع بتوازن العلاقات المدنية العسكرية، مما سيؤدى على المدى الطوبل إلى ضمور القطاع المدنى، وإلى تنامى خطر التفكك الاجتماعى، وإلى الأخطر من هذا كله وهو سعى هذه المشاريع للعمل مكتفية بذاتها داخل دائرة الجيش المغلقة، ومن ثم فإنها ستنتهى - إن عاجلاً أو آجلاً - إلى الانفصال عن باقى دوائر الاقتصاد المصرى، مع ما سيتبع ذلك من إنهاء ارتباطها تدريجياً بآلية المضاعف الاقتصادى على المستوى القومى؛ وهكذا ستتعطل آلة توليد الدخل الحقيقى المستدام لعموم المصريين، وينهار مع تعطلها أى أمل فى أن تؤدى هذه السياسات إلى رفع مستويات المعيشة بزيادة هذا الدخل الحقيقى مستقبلاً، بل هى - على العكس من هذا تماماً - ستؤدى حتماً إلى تآكل هذا الدخل الحقيقى، وإلى انخفاض مستويات معيشة السواد الأعظم من الشعب المصرى وصولاً إلى انهيار اجتماعى تنهار معه الدولة التى لا يمكنها البقاء باقتصادها المنهار اعتماداً على قوة اقتصاد الجيش وحده !
الموضوعية لا تتحقق بالموازنة بين الذم والمديح لمجرد تحقيق التوازن، وإلا لمرت كل السياسات الفاسدة بهذا التوازن المفتعل، وإنما تكون الموضوعية بالتحليل العلمى لعناصر الخلل قبل عناصر الانضباط، وبرصد النقائص والعيوب قبل رصد المحاسن وملامح الجمال، وإلا فإنه الزلل الذى سينتهى بنا إلى الضياع !
وقانا الله شر الزلل، وأبعد عنا غواية سيرانات البحر التى نجا من شر غوايتها أوديسيوس، علنا ننجح فى الاقتداء به فنربط أنفسنا بصارى سفينتنا كما ربط هو نفسه بصارى سفينته، حتى وإن تاهت بنا السفينة كما تاهت به، أو تهنا نحن بها كما تاه هو ... كلنا فى النهاية نبحث عن الطريق، والحكمة وحدها كانت بوصلة أوديسيوس لمعرفة طريقه والنجاة بنفسه وبسفينته، لا إشادته بجمال أصوات سيرانات البحر التى أرادت غوايته بموضوعيتها غير الموضوعية لتأخذه معها إلى القاع هو وسفينته !!
=======================
______________________________________________
عن التينة التى تعفنت
-------------------
كانت شجرة التين هى فخر حديقتنا وزينتها إلى أن ذبلت بعض ثمارها وتعفنت على فروعها، فلا هى تريد الثمار العفنة أن تغادر الشجرة، ولا هى ترغب الشجرة فى إسقاط ما تعفن من ثمارها ! ... خولى الحديقة من جانبه غافل عن خطر العفن الذى يزحف على الشجرة مهدداً الحديقة كلها بالتعفن، أما أصحاب الحديقة فغائبون عنها، ولا يرون منها إلا صورة ماضيها، ولا يقرأون ما اصفرَّ من خضرتها ولا ما تعفن من حاضرها !
تمضى الأيام ثقيلة على الحديقة، فلا أصحابها يرغبون فى رؤية الحقيقة ومغادرة أوهام اليقظة التى أعجزتهم، ولا الخولى وجد من يوقظه من غفلته ليعيد للشجرة بهاءها، ويعيد للحديقة فخرها بشحرة التين التى كانت زينتها قبل أن يزحف عليها كل هذا العفن !
يتساءل الناس حين يمرون بالحديقة فيتحسرون على حالها : هل من حكيم يملك سر الدواء، فيقضى على العفن دون أن يخدش الشجرة، ودون أن يؤذى أرض الحديقة إن هى سقطت عليها بفعل الريح ثمار التين التى ذبلت على الشجرة ثم تعفنت؟!
=========================
_________________________________________________________________________

عن الهيبة التى تتآكل معانيها فى العقول
-----------------------------------
يبدو أن ما كتبته أمس الأول عن "تآكل هيبة الجيش المصرى" قد استفز أحد الإخوة المؤدلجين الذى خرج علينا بالأمس بحديث يسخر فيه من هذا التعبير الذى لو سمعه أى أوروبى لانطلق فى الضحك سخرية منه؛ فالجيوش كما يرى صاحبنا ليست لها هيبة أصلاً كى تتآكل، وإنما هى مجرد كيانات وظيفية لا ترتبط بأى صور ذهنية فى نفوس الشعوب !
لا أعرف من أين يستقى هؤلاء المؤدلجون أطروحاتهم التى يلقونها إلينا بكل ثقة وكأنها معلومات موثقة، ولا أدرى فى أى عاصمة أوروبية أو أمريكية رأى صاحبنا مواطنيها وهم يستخفون بجيوشهم باعتبارها كيانات وظيفية منزوعة الهيبة، اللهم إلا إذا كنا مضطرين للبحث مجدداً عن معنى كلمة "الهيبة" فى قواميس جديدة لا علاقة لها بما حكم اللغة الإنسانية من المعانى التى ضمتها قواميس اللغة التى عرقناها !
ولماذا نذهب لأوروبا ولبلاد تركب الأفيال أو الكبسولات الفضائية؟ لماذا لا نستعيد ذكريات عسكرى الدورية فى شوارع بلادنا قبل أن يختفى منها، حيث كان سلاحه الأكثر ردعاً هو هيبته بين الناس، بعكس ما هو قائم اليوم من لجوء للإجراءات العنيفة وللقوة الغاشمة التى ما كان ليلجأ إليها رجل النظام العام لو أنه لم تسقط عنه هيبته، أو لو أنه أدرك الفرق بين صاحب "الهيبة" وصاحب "القوة الغاشمة" !
لو أننا مددنا خط المنطق فى حديث صاحبنا على استقامته لكان القضاء بدوره مؤسسة وظيفية لا هيبة لها، ولصارت الجامعات مجرد مؤسسات وظيفية لا هيبة لها، وهكذا دواليك حتى لنستخف بمؤسسة الدولة نفسها، فلا تعود لها كلمة مسموعة باعتبارها منزوعة الهيبة، ومن ثَمَّ فهى منزوعة السيادة بين مواطنيها وفى مواجهة خصومها فى الداخل والخارج !
بعيداً عما يريد صاحبنا بثه من أفكار تخدم مشروعه الأيديولوجى، وبعيداً عما يريد إغراقنا فيه من خلط بين أوضاع لمؤسسات الدولة نرفضها ونستهجنها وبين أحوال هذه المؤسسات كما نرجوها وكما ينبغى لها أن تكون .. بعيداً عن كل هذا، فإنه لا توجد دولة على الأرض تستقيم أحوالها إذا ما فقدت هيبتها، أو إذا ما ساءت سياساتها العامة بما يسئ لمؤسساتها ويهدر هيبة النظام العام، فلا تعود الدولة بعد ذلك قادرة على البقاء إلا باللجوء للقوة الغاشمة التى هى علامة ضعف واضمحلال الدول عبر كل العصور !
يبدو أن المطلوب من كل هذا الخلط، ومن كل هذه الادعاءات بشأن ما يحدث فى هذه الدولة أو تلك، هو الحط من هيبة أى أفكار لا يطرحها أصحاب الأيديولوجية، والإيحاء دائماً بأنها أفكار تثير الضحك حتى الثمالة - حتى اسألوا السويد أو الدنمارك، إن كنتم تتحدثون السويدية أو الدنماركية (!) - وهكذا لا تبقى فى المشهد العام إلا الأفكار التى فشلت من قبل فى حكم مصر، لكنها تبقى أفكار الحالمين بأستاذية العالم الذين لا تخطئهم الحكمة أبداً ولا هم يخطئونها !!
====================
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏نص‏‏‏
______________________________________________

نحو الغد، أم نحو استنساخ الماضى؟
--------------------------------
على الرغم مما يفرقنا سياسياً، ويباعد بين رؤانا التاريخية، إلا أننى أتقدم بواجب الشكر للدكتور حمزة زوبع على "اهتمامه" بما كتبت بالأمس عن ضرورة تصحيح مسارات الدولة المصرية، حتى وإن كان قد وظف ما كتبت فى سياق إعلامى وسياسى تعوزه الدقة السياسية والتاريخية، إذ بدا الأمر فيما قدمه من سياق وكأن ما كتبت وكتبه غيرى هو استجابة لدعوة "البوح" التى يدعونا إليها سيادته، أو يدعونا إليها السيد محمد على ببوحه الذى عبر عنه فى مقاطعه الفضائحية، فاستجبنا لهذه الدعوة - على ما يبدو - متأخرين بنحو ست سنوات عن "الإخوان"، وعمن يقدمون أنفسهم باعتبارهم "أنصار الشرعية"، الذين لم يترددوا - كما ترددنا نحن (!) - فسبقونا إلى هذا "البوح" وإلى هذا الاشتباك !
بدا لى هذا الإيحاء بعلو كعب الجماعة على كعب من عداها من أصحاب المواقف السياسية منسجماً مع تاريخ طويل من جهود "الجماعة" الدؤوبة لتقزيم أى صاحب موقف لا ينضوى تحت راية "الجماعة"، أو هو لا يصطف وراء مواقفها ولا يدعم قضاياها؛ وكأن المطلوب هو إيهام الجميع بأن "الإخوان" هم الرقم الصعب فى معادلات التغيير، وأصحاب الحق فى رسم خريطة المسارات التى على كل صاحب موقف أن يتبناها إن هو أراد أن يذكره الناس بخير (!)، وما الخطاب المفتوح الذى وجهه السيد يوسف ندا للفريق سامى عنان عند ترشحه منا ببعيد !
----------------------
كان يمكن أن أكتفى بهذا الرد على ما جاء بحلقة الأمس من برنامج الدكتور زوبع على قناة "مكملين"، مع رجاء من الله أن يكون فى هذا ما يساعد الدكتور زوبع، ويساعد "الجماعة" على التحلى ببعض التواضع السياسى والتاريخى، عله يساعد هذا التواضع - ولو على المدى الطويل - على وضع الجماعة فى موقعها الصحيح على الخريطة السياسية المصرية، وهو موقع لا أقلل من أهميته بأى حال من الأحوال، لكننى أيضاً لا أعطيه أكثر مما يستحق كما فعل غيرى - بكل أسف - منذ أن تحالف فؤاد باشا سراج الدين مع الجماعة، ومنذ أن تحالف معها المهندس إبراهيم شكرى (رحمهما الله)، وليس انتهاءً بالصورة المهينة التى جمعت الدكتور محمد البرادعى بالدكتور سعد الكتاتنى على خلفية شعار "الإخوان" بأحد مقرات الجماعة قبل الثورة !
نعم، كان يمكن لى الاكتفاء بتحديد موقعى النسبى على خريطة المواقف الفكرية والسياسية، وبتحديد موقع "الجماعة" على نفس الخريطة بعيداً عن موقع القيادة الذى فشلت الجماعة فيه على نحو ما بينت فى اثنتى عشرة رسالة مطولة لم أتعرض فى أىٍّ منها لأى قضايا أيديولوجية، وإنما فقط لفشل "الجماعة" فى الاضطلاع بدور القيادة حين وصلت إلى قصر الرئاسة، فلم تعرف كيف تقوم بأعبائها، وإنما انتهت بنا وبالدولة المصرية كلها إلى مأزق لم ننجح فى الخروج منه حتى الآن !
كان يمكننى الاكتفاء بهذا لولا أن تفضل الدكتور زوبع قطلب منى على الهواء مباشرة أن أكون حاضراً فى مناقشة ما قدمه باعتباره خطة رأى أنها تجيب على السؤال الذى طرحته فى نهاية رسالتى السابقة وهو كيف يمكن تصحيح مسار الدولة المصرية قبل أن يجرفنا الطوفان القادم إلى الهاوية؟! ... لا أملك والحال هذه أن أتقاعس عن تلبية الطلب، احتراماً لشخص الطالب أولاً، ثم تقديراً لخطورة المرحلة التاريخية التى تتشكل ملامحها المشوهة التى قد يصعب - إذا ما طال بها الأمد حتى اكتمالها - أن تعالَج بأى عمليات تجميل، فالتشوهات التى تتشكل ستأكل وجه الدولة المصرية بالكامل حتى وإن ارتدت عاصمة الدولة التى يرجوها السيسى أفخر الثياب !
--------------------------------
أرجو ألا يكون فى إجابتى لطلب الدكتور زوبع ما قد يفسره الطالب بأنه يحمل إساءة لشخصه الكريم، لكنها لحظة حقيقة كما قال هو بنفسه، ولحظات الحقيقة لا تحتمل المجاملات، لا من جانبى ولا من جانبه ... فالحقيقة الصريحة - وهى حقيقة إنسانية، ومن ثَمَّ فهى بالضرورة حقيقة نسبية لا مطلقة - تقول بأن متن خطة الدمتور زوبع، ببنودها الاثنى عشر، لا يتسق إطلاقاً مع عنوانها، إذ لا تقودنا الخطة فى تقديرى لأى غد كما يوحى عنوانها المتفائل وهو "نحو الغد" ! ... الخطة كما قرأتها لا علاقة لها بالغد، وإنما هى فقط تعبير عن رغبة مكبوتة فى تصفية حسابات الماضى !
استدعاء الخطة لما يسميه الدكتور زوبع "الانقلاب" هو فى ذاته ملازَمة للأمس، لا سعى نحو الغد؛ وقد يستفز تعبير "الانقلاب" هذا أمثالى للحديث عن أخطر الانقلابات التى شهدتها مصر خلال السنوات السبع الماضية، وأعنى به انقلاب الثانى عشر من أغسطس 2012 الذى لا يريد "الإخوان" الاعتراف بأننا مازلنا نسدد "فواتيره" حتى اليوم ! ... مثل هذه المساجلات - إن هى قمنا باستدعائها مجدداً - لن تتحرك بنا خطوة واحدة نحو "الغد"، بل هى ستأخذنا فقط فى طريق ذى اتجاه واحد نحو "تصفية حسابات الماضى"، وهو ما سيحيلنا جميعاً إلى كتل ملح ميتة لا حياة فيها !
من حق الدكتور زوبع، ومن حق كل جماعة "الإخوان"، أن يتبنوا خيار "تصفية الحسابات" و"تأكيد المظلومية"، لكن الأمانة تتطلب منى مصارحتهم بأن هذا الخيار هو خيار التحول إلى "تماثيل من الملح"، وأنه لا يقود لأى مستقبل : لا لمصر ولا للجماعة ! ... ما يعنينى بالطبع من هذا الثنائى هو مصر، أما الجماعة فلها مرشد يرشدها، والموقف منه هو مسؤولية كل راشد رشيد يقبل بإرشاده أو يراجعه أو أياً كان ما يقرره بشأنه !
نقطة أخرى أعتقدها تفيد من يريد رؤية الحقائق كما هى بعيداً عن سحب الأوهام، وهى أن أحوال الدولة المصرية، الهشة والبائسة، إنما تتطلب منا جميعاً أعلى درجات الحذر، فلا يستدعيَنَّ أحد من جديد خيارات شمشون التى سبق أن لجأ إليها الإخوان مراراً عبر تاريخهم فكان أن هدموا المعبد على رؤوسهم وعلى رؤوسنا جميعاً ! ... بالطبع فإن التوجه "نحو الغد" يتطلب ضمن ما يتطلبه إعادة صياغة العلاقات المدنية العسكرية على أسس حكيمة تحفظ للدولة قوتها، وتحفظ للشعب مقدراته، وتحفظ للجيش كرامته، وتحفظ لمعادلات الأمن القومى المصرى توازناتها وترشد حساباتها ... بيد أن إعادة صياغة العلاقات العسكرية المدنية لا يمكن أن تتم بمثل هذه الصيغ الاستعلائية التقليدية التى وردت فى مقترحات الدكتور زوبع، فهى صيغ لا يسعد بها إلا السيسى الذى يسعى لتأبيد نظامه، وإنما هى تحتاج إعادة الصياغة لأفكار جديدة تتطلب بدورها رؤى إبداعية ترضى جميع الأطراف، وهو ما لا يمكن تحقيقه بصياغات من طرف واحد دون الطرف الآخر، وإلا فنحن نعيد تدوير الخلل القائم فى هذه العلاقات أياً كان الطرف المستفيد من هذا الخلل !
أخيراً فإنه يؤسفنى توجيه نظر الدكتور زوبع ومتابعيه إلى حقيقة مؤلمة وهى أن بقاء السيسى فى الحكم إنما تحكمه حسابات محلية وإقليمية ودولية معقدة، وهى حسابات مستمرة معنا لنحو عشرين شهراً قادمة، ولا يعرف أحد - إلا الله سبحانه وتعالى - ماذا سيكون شكل العالم وشكل الإقليم، ولا شكل مصر نفسها، بعد انقضاء هذه الأشهر العشرين ! ... لذلك فإن حديثى فى رسالتى الماضية عن تصحيح مسار الدولة المصرية لم يكن يتضمن إطاحة القوات المسلحة بالسيسى، كما جاء فى مستهل خطة الدكتور زوبع، إذ أراه أمراً غير ممكن، وربما يكون غير مرغوب فيه، هذا إن كان الهدف من تصحيح المسار هو السعى نحو الغد لا السعى نحو تصفية حسابات الماضى !
مازالت لى بطبيعة الحال ملاحظات أخرى على خطة الدكتور زوبع، لكننى لا أريد الدخول فى مشاحنات تستدعى الماضى ونحن نتحدث عن المستقبل، فلا رغبة لى فى التحول إلى تمثال من الملح، ولا أنا أرغب فى هذا المصير للدكتور زوبع ولا لأىٍّ من قراء هذه الرسالة ... كفانا ما يملأ حياتنا من تماثيل الملح !
====================
______________________________________________

أول الغيث قطرة
----------------
لا يعنينى فى المقاطع الفضائحية التى يبثها المدعو محمد على من مهجره إن كان الرجل صادقاً أو كاذباً، كما لا يعنينى إن كان مخلصاً أو مغرضاً، ولا إن كان مظلوماً أو ظالماً، بل ولا يعنينى إن كان يخوض معركته تلك مع النظام انطلاقاً من دوافع شخصية أو انطلاقاً من دوافع وطنية حقيقية أو مزيفة، ولا إن كان مدفوعاً من قبل جماعات مصالح سياسية أو اقتصادية، ولا حتى إن كانت تحميه أجهزة مخابرات أجنبية لها مشاريع جيوسياسية أو جيوستراتيجية مشبوهة ...
... كل ما سبق هو مجرد تفاصيل - رغم أهميتها - لا يجب أن تلهينا عن الأسئلة الأهم التى تطرحها هذه المقاطع الفضائحية مثل السؤال المشروع عن لماذا تتآكل هيبة الجيش المصرى، ومعها هيبة الدولة المصرية، بهذه المعدلات المتسارعة التى لم نرها من قبل حتى بعد هزيمة 1967؟ ولماذا صار تناول الإعلام الدولى، بل وحتى الإعلام المحلى ووسائل التواصل الاجتماعى، لحضور قواتنا المسلحة فى المشهدين السياسى والاقتصادى طاغياً إذا ما قورن بتناول نفس هذا الإعلام الدولى والمحلى لمظاهر الحضور العسكرى للقوات المسلحة المصرية على الصعيد الجيوستراتيجى فى إقليم يعاد ترتيب أوراقه، وفى عالم تتغير فيه موازين القوة لغير صالحنا دون أن ندرى؟!
إجابات مثل هذه الأسئلة الأهم التى تطرحها مثل هذه المقاطع الفضائحية لا تستعصى على من يبحث عنها، ففى كل بلاد العالم، تكاد تكون مثل هذه الفضائح من الأمور المعتادة فى دنيا السياسة وفى عالم البيزنس : إما لتصفية الحسابات أو لاغتيال الخصوم أو لاقتناص المغانم السياسية والمالية، لكنها ليست معتادة بأى حال من الأحوال عند التعامل مع الجيوش التى لها فى كل أنحاء العالم هيبتها، والمحصنة دائماً بقواعد معاملات صارمة ترسم حدوداً واضحة لا يتداخل معها العالمان المدنى والعسكرى إلا استثناءً ودون المساس بالصورة الذهنية للجيوش فى أذهان شعوبها ...
... أما فى مصر فإن المتابع لمداخلات الرئيس عبد الفتاح السيسى أثناء الندوات التثقيفية التى تنظمها القوات المسلحة، أو فى مؤتمرات الشباب التى تنظمها مؤسسة الرئاسة، أو أثناء افتتاحه مشاريعه الاقتصادية، ليلحظ دون كثير عناء أن التداخل بين العالمين المدنى والعسكرى يكاد يكون هو السمة المشتركة للسياسات العامة للدولة على امتداد السنوات الست الماضية، وهو ما يعرض المؤسسة العسكرية بالضرورة لكل ما لا يليق بوقار وهيبة الجيش، ومن ثَّم لكل ما يستبيح الحدود الفاصلة بين قواعد الانضباط العسكرى القائم على التراتبية، وعلى تنفيذ الأوامر حتى وإن كانت خاطئة، وبين قواعد الانضباط المدنى القائم على التنافسية والمحاسبة المتبادلة بين الفاعلين المدنيين فى دنيا السياسة والاقتصاد !
إذا استمرت استراتيجية رسم السياسات العامة للدولة هذه فإن مثل هذه المقاطع الفضائحية التى طالعتنا خلال الأيام القليلة الماضية لن تكون الأخيرة، وإنما قد تكون بداية غيث يبدأ بقطرة ثم ينهمر ! ... وإذا تصور نظام الحكم أنه يمكنه منع هذا الغيث من الانهمار بتوظيفه الأساليب الإعلامية المبتذلة والمستهلكة التى اعتدناها، أو من خلال توريط القضاء بسيل من البلاغات التى يتقدم بها محامون امتهنوا تقديم هذا النوع من البلاغات، فإننى أخشى أن يزداد المطر انهماراً، وأن يزداد معه الطين بلة !
ما يشغلنى، ويجب أن يشغل نظام الحكم، ليس لملمة اللبن المسكوب بعد أن انكسر الوعاء، فالضرر قد وقع حتى وإن أنكر الإعلام وأنكر القضاء وقوعه؛ فما يجب أن يشغلنا الآن هو البحث الجاد عن إجابة السؤال الذى يقلق كل غيور على الجيش المصرى، وعلى ما تبقى من الدولة المصرية، ألا وهو كيف يمكن تصحيح المسار قبل أن ينجرف الجميع إلى الهاوية، وإلا فإن العناد والمكابرة لن تزيد مصر إلا خساراً؛ فلا وجود لجبال يظنها الواهمون "عاصمة" لهم من خطر الطوفان الذى سيأخذ فى طريقه سمعة وهيبة ووقار الجيش والرئاسة والدولة كلها ! ... اللهم هل بلغت؟! اللهم فاشهد !
===========================
______________________________________________

عن دولة الخلافة والكلاب الجربانة
-------------------------------
أتابع الإعلام المعارض الذى يُبَث من اسطنبول بقدر ما يسمح به الوقت وتسمح به الطاقة، فهو إعلام مؤثر فى الداخل المصرى بعكس إعلام الداخل الذى لا تأثير له لا على داخل ولا على خارج، ولا هو يشعر به أو يتابعه أحد طالما بقى على حاله يجتر ما فى أمعاء نظام حكم لا يعترف بالسياسة، فهو نظام ليس لديه ما يؤديه إلا لنفسه دون السواد الأعظم من الشعب، ولا هو لديه رسالة ملهمة للمصريين ينقلها لهم - ولو بالباطل - إعلام كإعلام الستينات !
معظم تأثير هذا الإعلام القادم من اسطنبول إنما يقدمه السيسى ونظامه لهذه الفضائيات المعارضة على أطباق من الذهب والفضة بما يصدر عن النظام وعن رأسه من أقوال وأفعال، وبما يقدمه من نماذج أبعد ما تكون قدرة على مخاطبة العقل أو مخاطبة الضمير، اللهم إلا باستدعاء النظام واستدعاء إعلامه لأخطار تجاوزها منطق الأحداث الذى لم يبق النظام منه إلا على منطق القوة الغاشمة فى مواجهة الإرهاب، وهو منطق فقد صلاحيته منذ زمن ولم يعد يبرهن على ضرورة النظام وأهميته بقدر ما صار يبرهن على عجز النظام وطغيانه، كما يبرهن على خروج هذا النظام من مسارات صناعة التاريخ إلى مسارات أخرى لا علاقة لها بماضٍ ولا بمستقبل !
لولا نظام السيسى هذا، ولولا نظامه الإعلامى الذى لم يعرف بعد أن زمن إعلام الأخ الأكبر قد ولَّى مع ثورة المعلومات والسموات المفتوحة، ما كان إعلام اسطنبول قد اكتسب كل هذا التأثير الذى يمارسه على عقول قطاع كبير من المصريين؛ فهو بدوره إعلام موجه، وانتقائى إلى حد بعيد، فضلاً عن افتقاره إلى المهنية حين يتعلق الأمر بضغوط أيديولوجية تمارَس عليه ولا يعرف كيف يتجاوزها، ولا كيف يعيد صياغتها بما يكسبها موضوعية تخفف من غلوائها، ناهينا عن كثير من السقطات المعلوماتية التى يقع فيها هذا الإعلام بين الحين والحين، والأخطر من هذا كله هو وقوع هذا الإعلام فى فخ انحطاط لغة التعامل مع المختلف عنه فى الرأى أو فى الرؤية، ناهينا عن كثير من الشخصنة التى تحط من قدر الجميع وتحرق كل السفن التى يمكن أن تبحر بالجميع إلى بر الأمان، وكأنهم يعتقدون فى اسطنبول أنهم على جبل سيعصمهم بالضرورة من غضبة الطوفان القادم !
من هذه الضغوط الأيديولوجية، المصحوبة بانحطاط لغة الحوار، ما صدر مساء أمس الحادى والثلاثين من أغسطس من الأستاذ محمد ناصر وهو بصدد الحديث عن مناسبة تاريخية يحتفل بذكراها كل المسلمين، هى ذكرى هجرة الرسول عليه السلام من مكة إلى المدينة، إذ ربط سيادته تعسفياً بين هذه المناسبة وبين دولة الخلافة التى سادت ثم بادت ككل ما سبقها من الإمبراطوريات التى تجاوزها التاريخ، ولا أدرى لذلك الربط التعسفى بين دولة الخلافة وبين ذكرى هجرة الرسول سبباً إلا تسلط شيطان الأيديولوجية على الرسالة الإعلامية المطلوب من الأستاذ محمد ناصر توصيلها للمتلقى !
صحيح أن الخليفة عمر بن الخطاب - ولأسباب قد أرجئ الحديث عنها الآن - هو الذى اتخذ من حدث الهجرة نقطة بداية للتقويم الهجرى، وهو تقويم قمرى فى الأساس ولم يضع عمر أسس حساباته الفلكية، إلا أن المسلمين حين يحتفلون برأس السنة الهجرية فإنهم يحتفلون بحدث هجرة الرسول، لا بعمر ولا بدولة الخلافة التى يريد لها أنصارها أن تبقى حية - رغم زوال منطق وجودها - بدس الحديث المعقم عنها على مشاعر المسلمين الدينية، رغم عدم وجود رابط موضوعى بين وجودية هذه الدولة وبين وجودية الدين الإسلامى !
هذا الربط القسرى بين الوجود الدينى للأمة الإسلامية وبين الوجود التاريخى لدولة الخلافة - التى هى فى الحقيقة مجموعة من الدول المتتابعة والمتزامنة والمتداخلة لا دولة واحدة تسمت باسم واحد عبر تاريخها - إنما يخفى فى الحقيقة مشروعاً سياسياً له مرجعياته الأيديولوجية، رغم أن كليهما - المشروع السياسى ومرجعياته الأيديولوجية - قد استنفدا كل منطق وجودهما وصارا غير قابلين للحياة، بل وصارا بانقضاء منطق وجودهما يشكلان خطراً قاتلاً يهدد وجودية الإسلام ذاته من حيث يروج أصحاب المشروع لأنفسهم بأنهم يسعون لنصرته !
دعونا من حديث وجودية الإسلام ووجودية دولة الخلافة فهو حديث سيطول وله أوانه فلا نستبقَنَّه كى لا نفسده، ولنتطرق الآن لانحطاط لغة الحوار الذى صاحب حديث دولة الخلافة هذا فى مناسبة إحياء ذكرى هجرة الرسول الكريم إلى يثرب، إذ فاجأنا الأستاذ ناصر بنعت العلمانيين - وكل من لهم موقف مناهض لدولة الخلافة - بأنهم "كلاب جربانة" ! ... أدهشنى هذا التوصيف لخصوم دولة الخلافة لعدة أسباب أذكر منها خمساً تستحق التوقف عندها للتأمل :ـ
أولاً : أننى لا أعتقد أن الأستاذ محمد ناصر كان فى أى يوم من الأيام من دراويش دولة الخلافة، ولا هو كان فى أى يوم من الأيام من جنود ما يروج له باعتباره "المشروع الإسلامى"، وما هو بإسلامى وإنما مجرد مشروع سياسى له مرجعيات أيديولوجية تعتمد على تفسيرات وتأويلات للنصوص تناسب هذا المشروع، حتى وإن أوقعت هذه التفسيرات والتأويلات الإسلام نفسه فى تناقضات لم يسلم المسلمون من شرورها لأكثر من أربعة عشر قرناً !
ثانياً : إن هذه اللغة التى استخدمها الأستاذ محمد ناصر لا تختلف فى شئ عن اللغة التى يلجأ إليها إعلام السيسى الذى لا هدف له إلا الحط من شأن الخصوم السياسيين؛ فما هو إذن النموذج الأخلاقى البديل الذى يقدمه إعلام الخارج المعارض فى مواجهة هذه النماذج التى تزاحمت علينا فى إعلام الداخل طيلة السنوات الماضية؟!
ثالثاً : أن تتزامن لغة السباب هذه مع إعلان فضائية أخرى عن مبادرة الدكتور أيمن نور بشأن حوار مفترض بين وجوه المعارضة بالخارج، فهل لمثل هذا الحوار من نهاية - بكل أسف - إلا الفشل أو الانبطاح أمام المشروع الإخوانى؟ وهل تدرك هذه الوجوه المتحاورة أنه ليس أمامها إلا الانضواء تحت راية المشروع الإخوانى، الذى يرى أن دولة الخلافة هى الحل، أو أن تتحول إلى "كلاب جربانة"؟!
رابعاً : من الغريب أن دولة تركيا التى تنطلق منها هذه الفضائيات هى فى حقيقتها دولة علمانية، والرئيس رجب طيب إردوغان - بعيداً عما هو مضمر فى النوايا - إنما يؤكد دوماً على علمانية الدولة؛ فهل وصف العلمانيين بأنهم "كلاب جربانة" ينسحب أيضاً على نظام الحكم فى تركيا التى تستضيف الأستاذ محمد ناصر ومساعديه؟!
خامساً : كيف ينتظر الأستاذ محمد ناصر، وكيف ينتظر من يشحنونه أيديولوجياً، أن يصدقهم المصريون حين يتحدثون عن الحرية، أو عن الديمقراطية، أو عن الاصطفاف من أجل القضايا المصيرية التى تواجهها مصر، إذا كان ولاؤهم هو لدولة تتناقض وجودياً مع وجود الدولة المصرية الحرة، وإذا لم يكونوا يعترفون بحق الاختلاف، وإذا كان تعاملهم مع من يختلف معهم فى الرأى أو فى الرؤية هو كتعاملهم مع "الكلاب الجربانة"؟!
أيها السادة : إما دولة الخلافة أو الدولة المصرية، فليختر كلٌّ دولته ! ... أما الحديث المراوغ عن مصر وكأنها الهدف، ثم دس الحديث عن دولة الخلافة وكأن مصر هى الوسيلة، فهو حديث لا يستقيم مع أى منطق متماسك، وإنما فقط مع منطق العلاقة غير السوية بين "الكلاب الجربانة" وبين صاحب حديقة الزراعات المحمية التى تنبت فيها شتلات دولة الخلافة !!
======================================
______________________________________________
فى معنى الانقلاب وصوره
------------------------
فاجأ رئيس الوزراء البريطانى الجديد بوريس جونسون كل السياسيين البريطانيين - حتى أولئك الذين ينتمون لحزبه ويشاركونه الرغبة فى مغادرة الاتحاد الأوروبى - بطلب تقدم به إلى ملكة بريطانيا لتعليق عمل البرلمان ... ولم يكن طلب الإذن من الملكة فى ذاته هو سبب المفاجأة، فهو إجراء روتينى شكلى لا تملك الملكة ألا تلبيته - اللهم إلا استثناءً فى سابقة لم تحدث من قبل، وهذه المرة لم تكن استثناءً - خاصة أن الطلب الذى قدمه جونسون للملكة قد جاء مستوفياً شروطه القانونية، لكن اللجوء إليه فى المناخ السياسى الذى تعيشه المملكة المتحدة هذه الأيام إنما يعنى أن ثمة إرادة لرئيس الوزراء لحرمان أعضاء البرلمان من حق المناقشة المستفيضة لخطته التى تستهدف الخروج من الاتحاد الأوروبى فى الحادى والثلاثين من أكتوبر القادم ولو بغير اتفاق مع الاتحاد !
قطاع عريض من الساسة البريطانيين اعتبروا هذا الإجراء - فى هذا التوقيت وفى هذا السياق - بمثابة مصادرة لحقوق الشعب البريطانى الديمقراطية ! ... بعض الساسة ذهبوا إلى حد اتهام جونسون بانتهاك الدستور (رغم أن بريطانيا لا تملك دستوراً مكتوباً)، وبعضهم الآخر ذهب إلى أبعد من ذلك متهماً جونسون بأن ما فعله هو "انقلاب دستورى"، بل إن بعض أعضاء البرلمان يرون عدم إضاعة الوقت القصير الذى تبقى أمامهم فى مناقشة خطة الخروج، وإنما الإسراع إلى سحب الثقة من وزارة جونسون، ومن ثم الدعوة لانتخابات مبكرة قبل الموعد المحدد لمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبى بالطريقة التى يرغب فيها جونسون !
لا تعنينى فى هذه القصة كلها إلا تهمة "الانقلاب الدستورى" الموجهة لبوريس جونسون، إذ أتعجب من حديث بعض الفرق السياسية فى بلادنا عن الانقلابات وكأنها لا تكون إلا انقلابات الجيوش على حكومات غير عسكرية، متناسين أن للانقلابات صوراً وأشكالاً أخرى كثيرة، بعضها يقوم به غير العسكريين على بعضهم البعض، وبعضها الآخر قد يقوم به غير العسكريين هؤلاء على الجيش نفسه بمساعدة فريق من القادة العسكريين من داخل الجيش !
من يقرأون التاريخ جيداً يعرفون أن خطر الانقلابات التى يقوم بها غير العسكريين، أياً كانت صورتها، قد تكون أكثر خطراً وأعمق أثراً على بنية ومسارات الدولة، وربما أيضاً على بنية وعقيدة قواتها المسلحة، من تلك التى يقوم بها العسكريون على بعضهم البعض، أو تلك التى يقوم بها الجيش على الحياة المدنية، خاصة إذا ما وجد الانقلاب غير العسكرى منطق تمريره فى نصوص القانون بعيداً عن السياق السياسى والتاريخى الذى تُستدعَى فيه هذه النصوص !
لا أكتب هذا تقليلاً من خطر الانقلابات العسكرية كما سيذهب يقيناً لهذا الاستنتاج الأخرق بعض ضامرى العقول، أو بعض مضمرى النوايا غير السوية؛ فكل الانقلابات لها خطورتها، تعاظمت هذه الخطورة أو تواضعت؛ وإنما أكتب هذا فقط كى نغادر كهف الأوهام الذى نقبع فى جوفه، وكى نرى الانقلابات على حقيقتها أياً كانت صورتها التى تعلن بها عن نفسها، فلا يُخفِى انقلاب سوأته وراء سوأة غيره، أو كأن بعض الانقلابات لا سوأة لها لمجرد أنها انقلابات سياسية، أو دستورية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو فى أى صورة جاء بها الانقلاب غير الصورة العسكرية !
لنتذكر فقط أن مصر لم تعرف عبر تاريخها الطويل الانقلابات العسكرية وحدها، وإنما كان أكثر ما عرفت من الانقلابات هو الانقلابات غير العسكرية، هذا إذا كنا نقرأ التاريخ قراءة سوية تسعى إلى المعرفة، لا قراءة معوجة ترى الخطر فقط إن هو جاء مصحوباً بصخب جنازير الدبابات، ولا تراه إن هو جاء متنكراً فى صورة مدنية، أو شبه مدنية، أو عبر صناديق الاقتراع الانقلابية، وفى هذا حديث يطول ...حتى اسألوا بريطانيا العظمى، واسألوا رئيس وزرائها المتشبث بشرعية الصندوق الذى اختار "البريكست"، مبرراً بهذه الشرعية انقلابه الدستورى على منطق الحياة الديمقراطية فى أعرق ديمقراطيات العالم !!
==========================
______________________________________________

أزمة الدولة المصرية ومتلازمة الشارع المظلم
---------------------------------------------
أخطر الآفات التى يمكن أن تصيب أى دولة هى أن تبحث عن مخرج لها من أزمتها، أو عن حلول لمشاكلها المزمنة، دون أى رابط موضوعى بين آليات البحث ومنهجيته وبين طبيعة الأزمة أو أعراض المشاكل التى تبحث لها هذه الدولة عن حلول تناسبها ! ... تماماً كصاحب الجنيهات التى ضاعت فى الشارع المظلم فذهب يبحث عنها فى الشارع الذى تحفه القناديل، هكذا تفعل الدول المأزومة التى تخشى مواجهة أسباب أزمتها فى الخرائب والأزقة المهجورة التى ضاعت فيها عناصر قوة واستقرار الدولة : ربما لأنها دول لم تعد تملك القناديل التى تساعدها على البحث، أو - ربما - لأنها وهى بصدد البحث عن المخرج قد صارت تخشى أن تفاجئها نداهة الماضى الذى يسكن هذه الخرائب، أو لأنها صارت تخشى أن تتعقبها عفاريت هذا الماضى التى تجوب هذه الأزقة المهجورة !
متلازمة الشارع المظلم هذه، أو ما يمكن أن نطلق عليها هذه الصفة، صارت تتحكم فى آليات تفكير السواد الأعظم من المصريين؛ فهم يخشون طرح الأسئلة الصعبة التى تستدعى أشباح الشوارع المظلمة، وبفضلون عليها الإجابات السهلة حتى وإن لم تكن لها علاقة بأى أسئلة تطرحها الأزمة التى تطحن عظام الدولة المصرية ! ... لذا نرى آلة الحكم فى مصر وهى تسارع دوماً لاعتماد الحلول التى تصادف أربابها فى الشوارع المضيئة، وتتجنب دائماً البحث عن أية حلول قد تلجئ أرباب الحكم إلى التورط مع ما يجهلون طبيعته مما تخفيه الشوارع المظلمة !
يتساوى فى هذا الهروب من خرائب الشوارع المظلمة وأزقتها المهجورة كل من يتعاقبون على حكم مصر دون استثناء، والفارق الوحيد بينهم هو فى نوع القناديل التى يفضل أرباب الحكم فى هذا العهد أو ذاك أن يلجأوا إلى شوارعها بحثاً عما ضاع من الدولة المصرية فى الشوارع المظلمة ! ... لكن الكل يريد أن يطوى النسيان هذه الشوارع التى ضاعت فيها أسباب قوة وازدهار واستقرار الدولة المصرية، أو هو يريد هذا الكل أن يسيطر على قلوب وعقول المصريين خوف فطرى من استدعاء سيرة هذه الشوارع المعتمة؛ فعفاريت الشوارع المظلمة نائمة، كما يشاع عنها، ولعن الله كل متحذلق يطرح من الأسئلة الصعبة ما يوقظها !
------------------------------
للحكم على أى مشروع، ومنها مشاريع الحكم، هناك معياران حاكمان لكل المعايير الأخرى التى تتفرع عنهما : أولهما هو أن يتصدى هذا المشروع لتحقيق الهدف الصحيح، وثانيهما هو أن يتم هذا المشروع بالطريقة الصحيحة ... كل ما عدا هذين المعيارين مما يتفرع عنهما هو مجرد تفاصيل؛ فهل وضع أى نظام لحكم مصر خلال القرن المنصرم، أى منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى الآن، أهدافاً صحيحة للدولة المصرية؟ وإذا افترضنا أن بعض أنظمة الحكم التى مرت على مصر خلال القرن الماضى قد وضعت بعض الأهداف الصحيحة، فهل تم العمل على الوصول إلى هذه الأهداف بالطرق الصحيحة التى تحققها دون أن تضيف للدولة أزمات جديدة فوق أزماتها؟!
أغلب المصريين - بكل أسف - سيجيبون عن هذين السؤالين بحسب انحيازاتهم الأيديولوجية، أو بحسب ما ثبته الإعلام وثبتته الثقافة السائدة فى عقولهم وفى ضمائرهم، دون أى تفكير علمى يفصل بين صحة الهدف وصحة السبيل إلى تحقيقه، ودون أى تفكير نقدى بشأن هذا الصحيح ما معيار صحته، وهل هو معيار موضوعى أم معيار ذاتى أو عاطفى؟! ... لا أفرق فى طرحى لهذه الأسئلة بين نظام حكم قائم وبين نظام حكم سابق : فهل كانت أزمة الدولة المصرية فى عدم وجود تفريعة إضافية لقناة السويس تضاف إلى سابقاتها؟! وهل كانت أزمتها فى عدم وجود عاصمة صيفية للحكومة؟! أم هى كانت أزمتها فى عدم وجود أكبر مسجد، وأكبر كاتدرائية، وأطول برج فى أفريقيا؟! أم كانت أزمتها فى عدم وجود مزارع للفلفل الرومى ومصانع للجمبرى منزوع الرأس؟! أم تراها كانت أزمتها فى جزيرتين تثقلان ضميرها الذى يأبى إلا أن يفرط فيهما أصحاب الأرض حتى يرضى عنه من يدعى أنه صاحبها؟!!
لنعد قليلاً إلى الوراء ونسأل أنفسنا عن هل كانت أزمة الدولة المصرية فى أن إسلامها كان فى خطر، أو فى أن بعض مواطنيها يعتنقون المذهب الشيعى بينما الأغلبية تدين بالمذهب السنى؟! أم هى كانت أزمتها فى أن دولة الخلافة قد سقطت ولابد من إحيائها واستعادتها ولو بحيل ومراوغات تخفى حقيقة مشروع الحكم الإخوانى؟! ... تصيبنى الدهشة كل مرة يطالعنى فيها هذا الشيخ المعمم على إحدى الفضائيات التى تبث من اسطنبول وهو يتحدث عن الرئيس مرسى - رحمه الله - واصفاً إياه بأنه كان رئيساً مسلماً، لكنه كان رئيساً بلا دولة ! ... أليس هذا اعترافاً كافياً بأن الرجل - مع كل احترامى لسجاياه الإنسانية - لم يكن رجل دولة، وأنه قد ظلم نفسه وظلمنا معه، أو هو ظلمته وظلمتنا جماعته حين حمَّلته مسؤولية تاريخية لم يكن يملك أدواتها؟! فهل كانت مصر تبحث عن رئيس أم هى كانت تبحث عن رجل صالح؟! وهل هى كان سيخرجها من أزمتها رئيس حافظ للقرآن ذو رؤية إيمانية، أم رئيس له رؤية تاريخية تناسب تاريخ مصر الممتد، وتحركه حسابات جيوستراتيجية تناسب مكانة مصر فى هذا الإقليم وفى العالم، ويتمتع بقدرات سياسية تناسب إدارة دولة بحجم مصر لا مجرد قدرات تناسب إدارة جماعة أيديولوجية مهما بلغ حجمها وعلو كعبها؟!
عفواً إذا كنت قد خرجت بكم من الشارع الذى تحفه القناديل وأخذتكم معى بلا استئذان إلى الشارع المظلم الذى ضاعت فيه أسباب خروج الدولة المصرية من أزمتها ... صحيح أننا نخاطر ونحن نعبر الحواجز بين الشارعين بأن تخرج علينا النداهة من خرائب الشارع المظلم، وبأن تحيط بنا وتتعقبنا عفاريت أزقته المهجورة، لكنه - موضوعياً - الشارع الذى ضاع منا فيه ما نبحث عنه، ولن نجد هذا الذى نبحث عنه طالما بقينا مستسلمين لمتلازمة الشارع المظلم التى تكاد تميتنا وتميت مصر معنا ونحن أحياء، أو ونحن فينا ما نظن أنه بقية من حياة !!
====================
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٨‏ أشخاص‏، ‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٨‏ أشخاص‏، ‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏
رافت بكرى عندما بدأنا نستشف من كلامك خريطة المستقبل ونقد تاريخي لأخطاء بعض. من حكموا مصر فجأة تروح داخل علي خط الإخوان وطمعهم في السلطة منذ بداية تكوينهم حاجة مرار طافح ياعم خليك اكاديمي فعال وأمسك المشرط بعناية وسيبك من الأيديولوجيات وماتحبش وتكره خليك محايد ومحب لهذا البلد لوجه الله

  • ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
  • Mostafa Ali تلك اذا قسمه ضيزي ان تساوي بين المفسد والمصلح
    وتستدعي ما أطلقت عليه متلازمة الشارع المظلم لتطلقها علي
    الطرفين 
    ...عرض المزيد
  • Samir Kamel مشكلتنا فى عودة الوعى للناس مش التركيز فى اشياء فرعية و هامشية . مشكلتنا عدم وجود قيادات لديها وعى و ايمان حقيقى بالديمقراطية بدون مصالح شخصية ضيقة .
  • Rema Darwazeh اي مرحله انتقاليه يا دكتور حسني ، لا احد يملك أدوات و الوسائل التحكم و مع حقدكم وكرهكم لجماعه زاد العبء أكثر عليهم انك تقرأ ردود فعل و ليس الفعل .
    • Hazem A. Hosny حقد؟ كره؟ عفواً، هذه لغة لا علاقة لها بأحاديث السياسة والتاريخ حيث تتنازع الأهداف وتتصارع الإرادات
  • Ramadan Hagag ايه الحل يا دكتور ؟؟؟؟؟؟
  • Ahmed Darrag لقد أوجعتني ضغطت على موضع القيح بكل قوة ومصداقية فشكرا لك
______________________________________________

مستقبل مصر : أسير مأزق سياسى، أم تاريخى؟
------------------------------------------
قد يكون للتاريخ الممتد لأى أمة من الأمم بعض المزايا، هذا إذا كان عقل هذه الأمة حاضراً، وكان وعيها بحقائق هذا التاريخ مستيقظاً، وكان ضميرها الحضارى متصلاً لم تقطعه مراحل تاريخية قاسية تعمل عمل السيف فى جسد هذا الضمير الشهيد ! ... أما إذا غاب العقل، وتشوش الوعى، وتبدل الضمير بتبدل الفصول والقرون، فإن هذا التاريخ الممتد يتحول سند للأمة إلى عبء على حاضرها وعلى مستقبلها ! ... هذا للأسف الشديد هو حال الأمة المصرية بعد أن غيبت الأيام حقائق وجودها التاريخى والحضارى : فغاب عنها العقل، وتشوش وعيها بذاتها التاريخية والحضارية، وتناثرت أشلاء ضميرها الحضارى فلم تعد تصنع جسداً واحداً قابلاً للحياة !
واحدة من مراحل التاريخ المصرى القاسية التى تركت بصمتها غائرة على العقل المصرى، وعلى وعى المصريين بحركة التاريخ، وعلى ضميرهم الحضارى الذى تشرذم وصار يشكل حاضرهم ومستقبلهم على هيئته، هى مرحلة الحكم المملوكى ... صحيح أن المماليك قد قدموا خدمات جليلة لمصر، وبفضل مهاراتهم الحربية حافظت مصر على وجودها الجيوسياسى لقرون طويلة امتدت إلى ما بعد هزيمة قنصوة الغورى وابنه طومان باى أمام جيوش العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول، الذى هو أول الخلفاء العثمانيين؛ إذ بعد أن دخلت الجيوش العثمانية مصر سنة 1517، وأسقط العثمانيون الخلافة العباسية بأسرهم الخليفة المتوكل على الله الثالث، وهو آخر خلفاء العباسيين الذين كانوا يحكمون "صورياً" من القاهرة - تحت وصاية المماليك - منذ عهد السلطان الظاهر بيبرس، قبل هذا التاريخ بنحو ثلاثة قرون، نودى بالسلطان سليم الأول خليفة للمسلمين، فكان بذلك أول خليفة غير قرشى يعتلى كرسى الخلافة بالمناقضة لقدس أقداس ما كان يُعرَف بـ"السياسة الشرعية" التى كانت سارية حتى ذلك التاريخ !
على الرغم من الخدمات السياسية والعسكرية العظيمة التى أداها المماليك لمصر، مما لا يمكن ولا هو يجوز إنكاره، إلا أنهم زرعوا فى ضمير المصريين قيماً سلبية شكلت وعيهم ومعرفتهم بحقائق الوجود؛ فباستثناء فترات استقرار ورخاء نسبى تحقق على يد بعض سلاطين المماليك، إلا أن ذاكرة عموم المصريين لم تحفظ للمماليك هذه الخدمات السياسية والعسكرية - خاصة خلال فترة حكم المماليك البكوات الذين خدموا تحت الخلافة العثمانية - بقدر ما حفظت لهم استباحتهم لمقدرات البلاد والعباد، وفرضهم الضرائب والمكوس التى أثقلت كاهل المصريين، فضلاً عما كان ينشب بين هؤلاء المماليك من معارك يريد كل مملوك أن يفرض بها سلطانه على باقى المماليك، مع ما كان يقع على المصريين من مظالم لتمويل هذه المعارك التى لم تكن تنقطع، ومع ما كان يحدث بعدها من حملات انتقامية من المملوك المهزوم ومن رعيته من عموم المصريين الذين لم يكونوا يملكون فى مواجهة هذه الإجراءات الانتقامية ما يدافعون به عن أنفسهم !
فى هذه الفترة المرتبكة، التى كان الاستقرار خلالها هو الاستثناء لا القاعدة، دخل قواميس المصريين مصطلح "العسكر"، وتأسست ثقافة المصريين فى التعامل مع هؤلاء "العسكر"؛ إذ كان جل المصريين "تاريخياً" من المزارعين والبنائين وأصحاب الحرف، ولم يكونوا يميلون للانخراط فى صفوف الجند إلا استثناءً، ناهينا عن أن يكونوا خير أجناد الأرض، حتى أن محمد على قد وجد صعوبة كبيرة فى تجنيد المصريين فى جيشه، واضطر من أجل تحقيق هذا الهدف إلى اللجوء لأساليب خشنة وصلت إلى حد اختطاف أبناء الفلاحين من أحضان أهاليهم وإلحاقهم قسراً بالخدمة العسكرية ! ... هل كان هذا هو أصل الأهزوجة الشعبية الحزينة التى بنى عليها محمد يونس القاضى أغنيته التى لحنها سيد درويش : "يا عزيز عينى، وانا نفسى ارَوَّح بلدى ... بلدى يا بلدى، والسلطة خدت ولدى"؟! ... لا أعرف !
أياً ما كان الأمر، فإن ثقافة المصريين السياسية التى تشكلت خلال هذه الحقبة المملوكية، وهى ثقافة مازالت تلازمنا بكل أسف حتى يومنا هذا، إنما يلخصها هذا الدعاء المتواتر الذى يردده عامة المصريين : "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، واخرجنا منها سالمين !" ... لم يخطر على بالهم أن الله يمكن أن يضرب الظالمين والمستبدين بحاكم عادل يقف الشعب وراءه ويكون هو جنده الذين يقهرون حكم "العسكر" ! ... ما استقر فى الضمير المصرى العام هو أن الظالمين المستبدين إنما يتكفلون ببعضهم البعض، وليس أمام الشعب إلا أن يتحايل - ببركة الدعاء - كى يخرج من هذه الهيجاء سالماً؛ ولأن أساليب التحايل ابتغاء السلامة كثيرة، فإننا نتنقل تاريخياً من حكم مستبد ينقضى أجله إلى حكم مستبد آخر يأتى بعده، دون أن يطرأ على مخيلتنا - ولو عرَضاَ - السؤال الوجودى عن هل يوجد مستقبل أصلاً ليس فيه مكان لهذا الاستبداد المقيم؟!
لم يخطر هذا السؤال الوجودى على مخيلة المصريين لأنهم لم يبحثوا - رغم قِدَم السؤال فى الأدبيات السياسية - عن مواطن الاستبداد أين هى، اعتقاداً منهم أن موطن الاستبداد هو شخصية المستبِد (بكسر الباء) لا شخصية المستبَد به (بفتحها) ! ... فلا يوجد مستبِد يمكنه الاستبداد بأمة حرة، والأمة لا تتحرر بمجرد تخلصها من حاكم مستبد لتقف بعد هذا على أبواب المستقبل حائرة لا تعرف ماذا تفعل، فلا تجد مخرجاً من حيرتها تلك إلا أن تسلم قيادها لمن يستدعى من دنيا الأحلام - أو من دنيا الأوهام - خطاباً شعبوياً مجانياً يعد بمستقبل كأنه الأحلام، ثم لا يلبث هذا المستقبل الحلم أن يتحول إلى كابوس أشد إيلاماً للنفس من سابقه؛ وهكذا يعمق هذا الكابوس الجديد بمجيئه الصادم كل مشاعر اليأس فى نفس الأمة، فتفقد إيمانها بأن ثمة أمل فى مستقبل يُخرِج الأمة من بؤسها المقيم ! ... ولكن كيف يكون هذا الخروج المأمول، إذا كان ثمة طريق للخروج؟!
أول طريق الخروج هو أن نهجر، وإلى غير رجعة، هذا التفكير فى الإطاحة بالمستبد، فالمشكلة ليست فيه، وإنما هى فى الاستبداد ذاته، فلا يمكن للاستبداد أن يكون إلا إذا استبد صاحب الاستبداد بالعقل، وبالوعى، وبالضمير، وبرؤية الإنسان للعالم وللوجود، ثم - وهذه هى النتيجة المنطقية - استبداده بالإرادة الحرة للإنسان ! ... كل مواطن الاستبداد هذه - بكل أسف - متحققة فى الشعب المصرى بعد رحلته التاريخية القاسية، اللهم إلا من رحم ربى، وهم قليل، بل هم أقل القليل !
لم تكن الملايين التى خرجت فى ثورة الخامس والعشرين من يناير، ولا تلك التى خرجت فى الثلاثين من يونيو، تملك حرية العقل، ولا حرية الوعى، ولا حرية الضمير، ولا حرية تشكيل رؤيتها للعالم وللوجود، ولا هى كانت تملك بالتبعية إرادتها الحرة ! ... ربما امتلكت هذه الملايين وقتياً حرية زائفة تلاعب بها المستبدون المتصارعون على السلطة، لكنها لم تكن حرية حقيقية وإلا ما كان أحد قد استطاع سلبهم إياها !
إذا لم نعترف "جميعاً" بهذه الحقيقة المؤلمة، فلا أمل فى أن نحرر المستبَد به من عناصر الاستبداد الخمسة التى يتحكم فيها المستبدون : أولئك الذين رحلوا كما رحل فخر الدين أقطاى، وأولئك الذين سيرحلون يوماً ما كما رحل عز الدين أيبك ! ... السؤال ليس متى يرحلون، فهم حتماً سيرحلون وستبقى الأمة المصرية من بعدهم قائمة ... السؤال الحقيقى هو هل ستبقى هذه الأمة المصرية قائمة على حالها ليتلقفها مستبد جديد، أم أنها ستثور على نفسها، وتنفض عنها غبار السنين، لتتمكن - وهى تغلق الأبواب وراء المستبد الراحل - من طرق أبواب مستقبل جديد لا مكان فيه لضرب المستبدين بالمستبدين، والخروج منها سالمين !!
================================


  • احمد خزيم سلمت يمينك وتحياتى
  • Samir Kamel كيف التخلص من الاستبداد و اعوانة بدون تعليم و وعى .
  • Ahmad Elguindy ما أروع هذا الكلام. اذن الداء عندنا نحن والدواء عندنا نحن. والبداية عندنا نحن.
  • Nabil Mahmoud Negm الله يفتح عليك
  • عمرو عبده يسلم لسانك وبارك فيك...
  • طارق الخارق الخارق ياجدع
    ارحم مش كده
    ايه ده كله

    خير الكلام ماقل ودل
    عايزين بوستات صغيرة بلغة بسيطه مش كده
    ايه الكلام المجعلص ده كله ارحمنا
    ده احنا عيانيين وماشيين بالعلاج
    والله بحبك بس مش كده
    فين بساطة اللغة
  • Reda Fathi 😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂 قلت قبل كده الرعب من البيادة يعمل اكتر من كده
    خلصت 2013 رجعت للمماليك😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂 هو انت اللي بتكتب ولا النقيب أشرف
    اكتر من كده ويزيح ربنا يا مثقف البيادة
  • محمد الزهيرى
    Ebrahem Mosleh
  • Mustafa Aboelsad يا استاذنا العزيز ستبقي هذه الامه كما هي مليئه بالخونه معدومي الضمير والمنافقين والكذابين والمعرصين ارجع لتاريخ عرابي ومحمد كريم الشعب يحتاج استنفار مجتمعي يقوده مثقفون ومصلحون يكونوا قدوه وليس لهم توجهات سياسيه شيئا فشيئاسينضم اليهم الرعاع والغوغاء سبب مصائبنا علي مدار التاريخ
  • Walaa Hashla أتفقت مع حضرتك في مجموعة المقالات السابقة..
    لكن في هذا المقال وجدتني أتفق معك في غالبه وإن إختلفت مع فقرة..
    أن المصريين في كل من ٢٥ يناير و٣٠ يونيو

    لا حريةالعقل ولا الوعي ولا الضمير ولا رؤية للعالم والوجود ولا تملك إرادتها الحرة..
    لما يلي...
    ١-أفرق قليلا بين ٢٥ يناير كلحظة تكاد تكون مؤسسة
    و٣٠ يونية التى تعتبر تابع لتلك الحظة..
    ب-٢٥ يناير كانت قفزة لما بعد الدولة في رؤيتها ومعاصرتها للواقع.. وللتخلص من رؤية البحث عن القائد الملهم بل لم تثق إلا في العمل الجماعي سواء المطلب بمجلس رئاسي... أو ما تحقق من مجموعة المجلس العسكري مع التحفظ على عدم تنوعة...
    بينما ٣٠ يونيو كانت مبحث أكثر عن مخرج لما حدث.. وربما نأخذها كبحث وقبول للعودة لفكرة عموم كلا حضرتك في المقال بتأثرنا المماليك
    (ربما مملوك مكان مملوك)..
    ج-حيث في ٣٠ يونيو
    قد إستنزفنا الكثير من البدائل والشخصيات المقدرة..
    فالإسلاميين لم يثبتوا كفاءة (سواء رأوا هم أنهم فُشلوا بضم الفاء أو كما رأينا إنهم فّشلوا بفتحها)
    التيار المدني بتنوعه أمستنفذ من معارك بعد يناير ولتشويهه من طرفي الصراع على السلطة..
    وكذلك أشخاصه..
    في حين تحررت ٢٥ يناير من تلك المعضلة..
    وكان إستعددنا فيها للتعرف على الكثير
    حتى أن ثالث المرشحين الحاصل على أقل قليلا من الربع شعاره
    وهو الأهم في الدلالة
    هو واحد مننا...
    لم يكن هناك البحث عن القائد الملهم بعد كتلتي الصراع على السلطة
    والتي حركت إحداهما التفريغ الأمني
    والثاني حركته أمرين الدين
    وثانيا عصبة لمواجهة عصبة..
    ٣-نعم أثرت الحياة المملوكية على ثقافتنا ولكن هناك فترة لم تتواصل لحين هذه اللحظة فتدخلت مدخلات أثرت هي بدورها... منها فترة البحث عن تحالفات ومنها لحظة العمل الجماعي كأكتوبر.. وبعده عدم الثقة الكاملة في شخص واحد عن كامب ديفيد أتحدث هنا...
    فجاءت ٢٥ يناير تبحث عن عصرها..
    ٤-لا أستطيع أن أتقبل بسهولة أن تحرك ٢٥ يناير كانت لا تملك إرادتها الحرة
    بلا قرائن مهولة لإثبات أن هناك من حركها (بإستثناء المولى عز وجل قطعا)
    فنحتاج إلى أكثر من تحليل هنا أو كلام مرسل هناك أو شكوك من هذا أو إتهام من ذاك..
    ٦-٢٥ يناير كانت رفض لتوريث النظام للإبن أو المساعد أو التلميذ أو المنظومة بحثا عن مستقبل..
    في حين ٣٠ يونيو كانت مبحث عن عدم الرجوع للخلف حتى ولو البقاء في اللحظة السابقة والتي مازالت حينها مستمرة.. والتي تتفق مع فكرة مقالكم و قد لا أبعد عنها كثيرا..
    ٧-سيدي المحترم
    ٢٥ يناير إستخدمت أدوات وتحركت كتطور حقيقي للبشرية وحركة ما بعد التنظيمات التقليدية للحراك في عالمها بمستقبله..
    ولكنها تضررت بمن لم يشارك وكان يبحث عن ما هو معروف وإلتفاف طرفي الصراع و مع قوى دولية لإعادتنا للمنطقة القابلة للسيطرة (ممكن أن نسميها المنطقة المملوكية)
    ...
    وعلى العموم لعدم الإطالة أحيي حضرتك على الحلقات السابقة تماما وعلى غالب هذه الحلقة..
    وتقبلوا نقدي بصدر رحب
  • Reham Ali اكتر من راءع يا دكتور
  • Mostafa Ali سيطر المقاتلين علي اليابان في غياب الحكم الإمبراطوري كحكم اسمي
    في البداية كان البوشي اللذين خدموا الدولة أو الامبراطور خلال فتره هيمان
    ومن ثم في عصر كاماكورا ظهر الساموراي

    في نهابه فتره هيئان سيطرت الفوضى علي اليابان بسبب البوشي
    اللذين تشابهت فترتهم مع حكم المماليك عندما اتي عصر الشوجان
    في اليابان حكم هؤلاء بمساعده قوات أو مليشيات اقل تسليحا
    حتي ان في نهاية عصر ايدو تحول هؤلاء الي رجال اعمال كما الحال حاليا
    عندما استعادت الدولة قبضتها في بدايه عصر مييجي عمدت الي التخلص منهم حتي انها استعانت بالأسطول الامريكي للقضاء عليهم
    في مصر حضرتك لم يعجبك انني تمثلت بتخلص محمد علي والسلطان محمود من المماليك والانكشاريه لأنك احسست انني غرقت في التراث الاسلامي الذي لا يتلائم مع ذوق حضرتك !!!!
    اليابان التي تشظابهت معنا في حقب طويله من سيطره انواع أنماط من العسكر تراوحت بين العسكر المحاربون والعسكر التي يغلب عليهم عسكريه الشرطه
    لم تقدس هؤلاء العسكر ولَم تحاكم من قضوا عليهم وخلصوا اليابان منهم رغم تغلغل ثقافة هؤلاء المحاربين
    منقوش الحاكم الذي تخلص منهم بمواصفات علمانية مثلا وأطلقوا علي خلافه انه مستبد
    جماهير تلاتين يونيه كانت تشبه كالوشا في فيلم هيثم دبور الذي رقص في فرح امه
    نزلت جماهير تلاتين يونيه ليس للتخلص من حاكم مستبد جاء بالصندوق اَي كان هذا الصندوق اَي التخلص منه كالتخلص من الطعام في طاسه تيفال
    لتستعين بمن اتي ليبقي للأبد
    وياتي مثقف واكاديمي مرموق ليصرف جل وقته لينعت الرئيس مرسي بما يفوق الخطايا السبع القاتلة
    لماذا اليابان تفوقت لانها تمردت علي مقدسات صنعها العسكر
    بينما نحن تخلينا عن قديسينا لنمجد العسكر
  • Mostafa Ali ملاحظه
    طومان باي ليس ابنا لقنصوه الغوري
    والخلفاء من قريش ليس قدس الأقداس

    لان الامام الأعظم ابي حنيفة أجاز ان يكون الخليفة من غير العرب
  • Moustafa Awad كنت متوقع هذا الكلام وهذه السرديه بعد ما اتحفنا به الدكتور فى الطريق الى الانقلاب. باختصار وكا كل مستبد فإن الدكتور يرى أن مشكله الاستبداد هى فينا (كمقال عمر سليمان عن عدم احقيه مصر بالديموقراطيه) و ليست فى نخبنا وانا لا اقصد فقط النخبه الاقتصاديه والاجتماعية بل و العلميه والأكاديميه. يا دكتور انت لست من جيل ٢٥ يناير و اعتقد ان كنت حقا تفهم القليل من تطلعاته البعد حداثيه لما قلت هذا الكلام. كلما سمعت الكلام عن طبيعه المصريين الاستبدايه تذكرت داءما نظره المستعمر وهى بل اساس نفس النظره التى ورثتها النخب والطبقات الحاكمه عن المصريين. اذا كان المصريين كما قلت فكيف جاء اول رءيس منتخب و كيف سجن من المصريين حوالى ٧٠ الف ومات الف فى رابعه فى معركتهم ضد الاستبداد، ولاكن المشكله انك لا تعتقد أن الاخوان من المصريين و ان الاسلام السياسى احد اعمده الاستبداد.
  • مجدى أحمد الإجابة على السؤال الأخير تستوحب الإجابة عن كيفية امتلاك حرية العقل والوعى والضمير والإرادة ، وحرية تشكيل الرؤية حول العالم والوجود .. مع عمليةالتجريف المتتابعة والمتسارعة للقضاء تماما ليس على الحرية نفسها بل على العقل والوعى والإرادة والضمير لتحويل الناس إلى مسوخ لا تعى اصلا أن ما يحدث الأن استبدادٌ يؤسس لحقبة مملوكية جديدة قد تمتد لعقود طويلة
  • Mostafa Elsayed رائعه يا دكتور
    حفظك الله من كل مكروه
  • Amr Anwar آخر فقرتين مؤلمين فعلا و مقال عظيم كالعادة. 🙌
  • Tareq Saad
    You see .. ? .. it's a curse indeed :D .. But I see that you are suggesting to start cleaning the pyramid from it's bottom ... then how on earth would that be possible when it's always reinfected again because it's the "bottom" and shit keeps coming from the top ... so . it would be a non-ending process ... in other words .. How on earth .. asking the puppets to behave would change anything ?!! ...The masses will never neither develop a good common sense nor good culture .. or even a good understanding and following to our religion ...under current circumstances ... Iam afraid you are asking for the impossible sir ,,, why on earth would any one ask for the impossible ? !!🤨🤔😅
  • إبراهيم العربي أما اذا غاب العقل،
    وتشوش الوعى,
    وتبدل الضمير،

    (ليس )بتبل الفصول والقرون (فقط)
    (انما بفعل فاعلين متعمدين ومصرين)
    فان التاريخ يتحول من سند للأمة الى عبء على حاضرها وعلى مستقبلها...
    **************
    الله يادكتور ...هذا ليس مجرد مقال..انه بانوراما...تسلط أضواءها القوية ..بحيث نرى حاضرنا يفسره ماضينا..
    ليست هناك متعة ..أكثر من شعور الانسان بعقله ..وهو يضئ...
  • Mona Elsayed لم تذكر النضال يادكتور، وهو أولى الخطوات ، للتحرر ، اذا لم نناضل بكفاءة وباستمرارية وبايمان راسخ بالحرية، لن نخرج من المستنقع
  • Omneya Helmy أما إذا غاب العقل، وتشوش الوعى، وتبدل الضمير بتبدل الفصول والقرون، فإن هذا التاريخ الممتد يتحول سند للأمة إلى عبء على حاضرها وعلى مستقبلها !

  • _________________________________________
    من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 11
    ------------------------------------------
    كان واضحاً لأى مراقب سياسى كيف أن غواية الاستحواذ على السلطة قد تسلطت منذ اللحظات الأولى على الرئيس مرسى، أو هو دفعته للاستسلام لها ثقته العمياء - بمنطق السمع والطاعة - فى مستشاريه الحقيقيين بالمقطم الذين أغوتهم فكرة "تمكين" لحظة "التمكين"، بعيداً عن نائبه وعن أكثر مساعديه ومستشاريه فى قصر الرئاسة !
    كما كان واضحاً كيف أفسدت غواية السلطة هذه على الرجل أداءه الرئاسى مرتين : أكثرهما شهرة وذيوعاً بين الناس تمثلت فى انقلابه الدستورى فى الثانى والعشرين من نوفمبر 2012 حين أصدر إعلانه الدستورى الذى فضح ميول الحكم الاستبدادية، حتى وإن كان قد تم التراجع عنه لاحقاً أمام الرفض الشعبى الجارف لهذا الإعلان، بل ورفض بعض مساعديه ومستشاريه المحيطين به فى مؤسسة الرئاسة، ممن لم يشاورهم الرجل فى الأمر، ولا هو أقام لوجودهم وزناً، وعلهم كانوا أكثر حكمة من "مستشارى" المقطم الذين دفعوه لهذا الانقلاب الدستورى دون وعى بعواقبه !
    بيد أن انقلاب الثانى والعشرين من نوفمبر لم يكن الانقلاب الدستورى الوحيد الذى تورط فيه الرئيس المدنى المنتخب "دستورياً"، فقد سبقه انقلاب آخر أكثر خطورة وأبقى أثراً هو انقلاب الثانى عشر من أغسطس، بل علنا ما زلنا نعانى من آثار هذا الانقلاب الدستورى الأول وإن اعتقد أكثرنا أنه لم يكن انقلاباً بل مجرد حركة تصحيحية تُحسب للرئيس مرسى ولا تؤخذ عليه !
    لقد رأينا كيف أراد هذا الانقلاب الدستورى الأول، فى الثانى عشر من أغسطس، بلجوء الرئيس مرسى لخيار شمشون فى مواجهة أقوى مؤسسات الدولة المتماسكة، أن يفكك التماسك المؤسسى للدولة المصرية، الأمر الذى جاء بنتيجة عكسية وهى استنفار كل مؤسسات الدولة لمواجهة احتمالات الإطاحة بها هى الأخرى، ومن ثم فإنها تحفظت فى تعاونها مع الرئيس الجديد فى وقت كان فيه هذا الرئيس أحوج ما يكون لمد جسور الثقة بينه وبين هذه المؤسسات، حتى وإن كانت فاسدة وتحتاج إلى إصلاح كان يمكن أن يتم بعيداً عن خيارات شمشون !
    رأينا أيضاً كيف أن انقلاب الثانى عشر من أغسطس قد أطاح، مع إطاحته بالمجلس العسكرى القديم، بالإعلان الدستورى المكمل الذى أدى بمقتضاه الرئيس الجديد اليمين الدستورية، ومن ثم فقد أطاح معه بمبدأ الشرعية الدستورية مستدعياً شرعية ثورية تفتح الباب على مصراعيه لإعادة ترتيب كل الأوراق وإعادتها للمربع رقم 1، ذلك أن الرئيس الجديد لم يكن قائداً لثورة الخامس والعشرين من يناير، ولا هو وصل إلى كرسى الرئاسة مدفوعاً بإرادة ثورية كانت قد تفككت منذ استفتاء التاسع عشر من مارس 2011 ! ... قبول عموم المصريين وعموم مؤسسات الدولة بالرئيس مرسى كان مشروطاً بما أقسم عليه من احترام الدستور والقانون، وكانت الإعلانات الدستورية الصادرة قبل أدائه اليمين الدستورية هى التى تمثل فى تلك الأيام من شهر أغسطس 2012 هذه الشرعية الدستورية التى عصف بها الرئيس مرسى باختيارات شمشون التى لجأ إليها !
    بيد أنه لا هذا الأثر ولا ذاك لانقلاب الثانى عشر من أغسطس كان هو الأكثر خطورة فى التأثير على استقرار كرسى الحكم الذى كان يجلس عليه الدكتور مرسى، وإنما كان لهذا الانقلاب أثر أعمق من هذين الأثرين سالفى الذكر، وهو الأثر الذى مازال يشكل المشهد السياسى المصرى بكل تعقداته وبكل تشوهاته التى لا يخطئ فى رصدها أى مراقب سياسى؛ فهو المسؤول الأول عن هذه التشوهات لا أحداث الثلاثين من يونيو التى يحاول "أنصار الشرعية" - أو من يقدمون أنفسهم بهذه الصفة - أن يُحَمِّلوها مسؤولية ما آلت إليه الأمور فى مصر؛ فأى خلط بين أسباب الإطاحة باستبداد ما قبل الثلاثين من يونيو، الذى كان "يمَكِّن" لنفسه دستورياً ومؤسسياً، وبين أسباب تمكين استبداد الحاضر من مفاصل الدولة، ومن كل مقدراتها ومقدرات الأجيال القادمة لآجال لا يعلمها إلا الله، هو فى حقيقته خلط لا يستقيم وأى منهج علمى يستهدف بيان الحقيقة لا التغطية عليها !
    --------------------------------------------
    دعونا نُذَكِّر أنفسنا بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى أطاح به انقلاب الثانى عشر من أغسطس إنما كان قد تشكل بقرارات من الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، وأن هذا هو ما أخذت جماعة الدكتور مرسى تروج له باعتبار أن المجلس هو من بقايا النظام القديم الذى أطاحت به الثورة، ومن ثَمَّ فقد وجبت الإطاحة به ! ... هذه النظرة الضيقة للأمور حكمت تعامل الدكتور مرسى مع كل مؤسسات الدولة، ونذكر فى هذا الشأن تعامله مع مؤسسة القضاء، والأزمة الكبرى التى تسبب فيها قراره بتعيين نائب عام جديد بحجة أن هذا كان أحد مطالب الثورة ! ... مرة أخرى، راح الرئيس مرسى يخلط فى شأن صراعه مع مؤسسة القضاء بين دوره كرئيس دستورى وبين دور متوهم له باعتباره زعبماً ثورياً !
    من المؤسف حقاً أن الرئيس المنتخب، الدكتور محمد مرسى، لم يُظهِر - ومنذ الأيام الأولى لحكمه - ولو بعضاً من الحكمة التى أظهرها سلفه الرئيس مبارك الذى استطاع الاحتفاظ بالحكم لثلاثة عقود كاملة باعتماد آليات للحكم افتقر إليها تماماً الرئيس مرسى، أياً كان رأينا فى هذا الحكم أو ذاك، وأياً كان موقفنا من كل من الرجلين؛ فالمعروف عن الرئيس مبارك أنه كان حريصاً كل الحرص على أن توازن مؤسسات القوة فى الدولة بعضها بعضاً، وكذلك كان حريصاً كل الحرص على أن يتم اختيار القيادات داخل كل مؤسسة من هذه المؤسسات بحيث لا تنفرد أى قيادة فيها باتخاذ قرار بمفردها !
    هذه الاستراتيجية الحكيمة التى كان يحرص عليها الرئيس مبارك - ويجب أن نعترف له بما كان حكيماً فيه - كانت متحققة فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تسلم إدارة شؤون البلاد فى الحادى عشر من فبراير ... كان هناك بالطبع انضباط عسكرى، وكان احترام التسلسل القيادى بين أعضاء المجلس قائماً، لكن كانت التوازنات داخل المجلس قائمة أيضاً، وهو ما كان يضمن عدم انفراد رئيس المجلس باتخاذ القرار، وأهم هذه القرارات بالطبع هو تحديد مَن مِن القيادات يغادر المجلس ومن الذى ينضم إليه !
    لن أجازف هنا بالانسياق وراء مضاربات مزاجية أو شعورية حول ما حدث - قولاً أو فعلاً - وراء الأبواب المغلقة، سواء فى مؤسسة الرئاسة أو فى مؤسسة القوات المسلحة، خلال الفترة التى امتدت لنحو خمسة وأربعين يوماً، منذ أزمة أداء اليمين الدستورية وحتى انقلاب الثانى عشر من أغسطس ... ما يعنينى فقط هو حدث الانقلاب ذاته، بكل ما ترتب عليه من إعادة تعريف موازين القوة داخل مؤسسة الدولة بعد خروج اللاعبين القدامى، وعلى رأسهم المشير حسين طنطاوى والفريق سامى عنان، ودخول لاعبين جدد إلى مسرح الأحداث المفصح عنها، وعلى رأسهم القائد العام الجديد للجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسى !
    لم يدرك شمشون وهو يقدم على هدم المعبد، طمعاً فى الاستحواذ على ما اعتقد - أو اعتقدت جماعته - أنه كامل السلطة، أن الإطاحة بأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبرئيس المجلس ونائبه على وجه الخصوص، والمجئ بأصغر أعضاء المجلس ليكون هو رئيسه الجديد، إنما كانت تعنى الإطاحة فى نفس الوقت بكل التوازنات التى كانت تحكم عمل المجلس القديم كما تركها وراءه الرئيس المخلوع مبارك، كما كانت تعنى أن إعادة تشكيل المجلس بالكامل - وفى مثل هذه الظروف الاستئنائية - لابد وأن تتم حتمياً وفق حسابات رئيس المجلس الجديد وحده !
    لم يكن هذا دهاءً من قبل هذا القادم الجديد لمسرح الأحداث بقدر ما كان غفلة من رئيس لم يكن يتمتع بالحد الأدنى من ملكات رجل الدولة، ولا كانت جماعته والمحيطون به رجال دولة أصلاً بقدر ما كانوا رجال تنظيم لا يجيد إلا لعبة الحشد و"تقفيل" صناديق الانتخابات ! ... ربما لم يدر بخلد القادم الجديد وقتها أن الأمور يمكنها أن تتطور إلى ما تطورت إليه، ولا أن الطريق ستكون مفتوحة أمامه ليصبح الرئيس القادم للبلاد ... أقول "ربما" رغم ما ادعاه هذا القادم الجديد من أحلام الرئاسة التى أسَرَّ بها للأستاذ ياسر رزق بعد ذلك ! ... أياً كان ما تخفيه السرائر، فالثابت هو أنه حين تأزمت الأمور بالفعل، بعد عدة شهور من انقلاب الثانى عشر من أغسطس، كان هذا القادم الجديد هو من يملك وحده كل مفاتيح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والمتحكم الوحيد فى بوصلة الجيش، دون أى توازنات داخلية يمكنها تعديل ما يقرر هو من مسارات !
    كان هذا هو أخطر تداعيات الانقلاب الدستورى الذى قاده - ولو ظاهرياً - الرئيس مرسى فى الثانى عشر من أغسطس 2012؛ وهو ما يجعل أى عاقل يرى بوضوح ما قد يفاجئ الكثيرين، كما قد يغضبهم ويثير ثائرتهم، وهو أن سقوط حكم الرئيس مرسى لم يحدث بسبب حركة تمرد أو جبهة الإنقاذ، بل ولا بسبب الإعلام المناهض لحكم الدكتور مرسى كما يعتقد من يصبون لعناتهم على من خرجوا رافعين شعارات إسقاط حكم المرشد وكأنهم المسؤولون عن الحال الذى كانت قد وصلت إليه الدولة المصرية بسبب عدم كفاءة الحكم وافتقاره لأبسط قواعد إدارة نظام ديمقراطى وليد !
    مثل هذه الملابسات التى زامنت حدث انتهاء - أو إنهاء - حكم الدكتور مرسى وحكم جماعته هى مجرد تفاصيل رافقت الحدث التاريخى، وقد يستعصى علينا فهم هذا الحدث إن نحن تركنا مثل هذه التفاصيل تشتت انتباهنا عن حقيقة أن الرئيس مرسى هو من كتب نهايته بيده وبإرادته الحرة - أو بإرادة المجموعة التى كانت توجهه - قبل يوم الثلاثين من يونيو بأكثر من عشرة شهور كاملة، وكان ذلك بسبب قرار أرعن اتخذه من أدارت سكرة الحكم وغواية لحظة التمكين رؤوسهم، وما كان ليتخذه أى رجل دولة لا تحركه دوافع أخرى غير ألف باء كتاب الحكم، ولا هو كان يمكن أن يتخذه حتى الرئيس مبارك بأى حال من الأحوال، مهما كان حكمنا القاسى على فترة حكمه التى امتدت لثلاثة عقود، وخاصةً على النصف الأخير منها !!
    ---------------------------------------
    مرة أخرى، لا أدعى أى علم بما كان يدور فى سرائر الناس، ولا ما كان يصدر عنهم من قول أو من فعل وراء الأبواب المغلقة على مدى أربعة أشهر بعد انقلاب الثانى عشر من أغسطس، لكننا نعرف جميعاً - ومما هو مفصح عنه - أن مجموعة من المشاهد السياسية قد راحت تتتابع بعد هذه الأشهر الأربعة بعضها وراء بعض، ولم يكن لكل هذه المشاهد من أبطال إلا مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس محمد مرسى، وإلا المؤسسة العسكرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسى، سواء كان حضورهما فى المشهد صريحاً أو كان ضمنياً ... لا يعنينى هنا ظهور أية وجوه سياسية أخرى فى مشاهد متناثرة على امتداد الفترة من 30 يونيو 2012 وحتى 30 يونيو 2013، فهذه - مع احترامى للجميع - ليست موضوع هذا التحليل لمعالم الطريق التى أدت بنا إلى الثلاثين من يونيو 2013، وإن كانت من التفاصيل التى قد تزيد الصورة وضوحاً لكنها لا ترسم خطوطها الأساسية !
    كل هذه المشاهد التى جمعت بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية تقف شاهدة على عجز مؤسسة الرئاسة عن فهم كيف كانت تتحرك الأحداث وفى أى اتجاه، بل غرقت مؤسسة الرئاسة فى قراءة خاطئة للأحداث جعلتها لا ترى من المشهد حقائق الأزمة التى صارت تعيشها الدولة المصرية وإنما فقط تفاصيل الأزمة التى كانت تعيشها جماعة المقطم ! ... أما نذر أزمة الحكم، التى ظلت تتصاعد حتى وصلت إلى ذروتها خلال الأيام الخمسة والأربعين التى سبقت الثلاثين من يونيو، فقد تعاملت معها مؤسسة الرئاسة، وتعامل معها الرئيس مرسى، باستخفاف شديد لا يكاد يصدقه عقل !
    هل هى مجرد مصادفة أن يكون عدد الأيام التى تفصل بين أزمة أداء اليمين الدستورية وبين انقلاب الثانى عشر من أغسطس هو نفسه عدد الأيام التى تفصل بين الأزمة التى كادت تطيح بالفريق أول السيسى وبين الأزمة التى أطاحت بالرئيس مرسى؟! ... سؤال يبدو عبثياً، وقد يكون غير موافق لأى منطق علمى، لكنه على أية حال سؤال يستفز العقل كى يرصد أهم معالم للطريق إلى الثلاثين من يونيو بدأت ملامحها تظهر بعد أربعة أشهر من الانقلاب الدستورى فى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهو ما أتطرق إليه بشئ من التفصيل فى رسالتى القادمة التى هى الرسالة الأخيرة فى سلسلة الرسائل هذه ... فإلى لقاء قريب، إذا ما كتب الله لنا السلامة !
    ============================
    • Ahmad Saad كلام في العدس. كلمنا عن الحاضر يادكتور
      • Hazem A. Hosny ما انا باتكلم عن الحاضر، بس حضرتك مش واخد بالك لإن مخك مدى على كشرى بالدقة ! ... بالهنا والشفا !
    • العمر لحظه وماذا بعد يا دكتور 😓
    • Hussam Rezk كلما قرأت رساله جديده من سلسله رسائل حضرتك القيمه يا دكتور كلما أضاءت أمام عيني بقعه مظلمه أو رماديه كنت لا استطيع فهمها عن تلك الفتره.
      لحضرتك كل التحيه و في انتظار الرساله الختاميه.
    • Ahmed Zubydan حضرتك محق تماما في كلمة
      انا اسمي تلك المرحلة "مرحلة المسطبة" اقصد في طريقة اتخاذ القرارات
    • John Sourial كلام رائع جدا
      و من لا يفهم ماحدث فى الماضى لن يتعلم شيئا للمستقبل
    • Samir Asaer شوف يا ريس، الرئيس المنتخب كان يواجه من أول يوم ثورة مضادة منظمة، دهسته ودهست الثورة.
      ومعاليك جاي تنظر عن غواية استحواذ على سلطة لم يمسك بطرف منها الرئيس المنتخب.
      أي غواية تستحوذ عليك يا دكتور حتى تقارب في الشبه، بل تنافسه ولكن في صيغة أكاديمية لوذعية، وأعني الاعلامي البارز أحمد موسي. 😂
    • Tareq Saad أتفق تماما ... إلا في نقطة .. أن ما حدث من الإخوان .. كان عن جهل أو غفلة ... المنطق بيقول أنهم في الوسط السياسي من عشرات السنين ... و المنطق بيقول أن لو جبنا شاب من ع القهوة يحكم مصر .. مكنتش عمل الأخطاء دي ... الإخوان تعمدوا أنهم يقعوا .. شوية خونه
    • أبو يوسف العمري حضرتك بتبدأ المقال ب كان واضحا
      وانا بقول لحضرتك لا لم يكن واضحا
      وانا عايز اضيف لحضرتك ان الاخوان لم يتمكنو ابدا من الحكم كانو صوره بس خيال مآته
    • Gamal Bayoumy أنا أرى أنا أحداث الثاني عشر من أغسطس طغت كثيراً على الرسائل الأخيره و دائماً ما تعود لها بالرغم من أنك أوضحت نتائجها كثيراً
      شخصياً أنا أرى أن إعلان ٢٢ نوفمبر كان هو الأخطر و الأكثر تأئيراً واقعياً و لكن حضرتك أوضحت أن ١٢ أغسطس هو الأهم دستورياً و شرعي
      ...عرض المزيد
    • Saleh Hessien كلمنا عن الحاضر انت حضرتك غارق في الماضي
    • سعد المصري يا دكتور كلمنا فى المستقبل
      حاول تتغلب على مشاكل الماضى
    • Osamah Aljahawi لا إله إلا الله
    • Ahmed Salem Abo Moaaz لو حضرتك راجعت فيلم المندس وتخوف الإخوان من ملاقاته داخل قصر الرئاسة لأنه مراقب كنت ستدرك حينها أن الإخوان كانوا في الرئاسة مجرد حبر علي ورق للاسف لان أي مقومات نجاح أي رئيس كانت في صف الثورة المضادة لمجرد اختلافهم الفكري والثقافي مع الاخوان
    • Hassan Azab تحليل محترم و صادق
    • مازن فهيم مرسي حكم سنة واتسجن 6 سنين واخيرا مات
      انت بتتكلم عن مرسي وكأنه كان يحكم مصر 60 سنة مش سنة واحدة وتركت الذي يحكم مصر بعد مرسي بانقلاب عسكري والذي اوصلها انها اصبحت مثل السيارة اللي بتجيب جاز وافقر اهلها وشرد شعبها
      لم نراك تبارز الا مرسي سجينا وميتا ولم نراك توجه كلمة واحدة علي سبيل النصيحة للسيسي

      فلماذا انت شجاعا مقداما مع من كان مسجونا وميتا وضعيفا خائفا مع السيسي
    • Seham Nassar مرسى لم يكن يحكم وانما الذى كان يحكم هو مكتب الاخوان فى المقطم
    • Samir Kamel صح جدا لان التانى جاب كل رجالتة فى المجلس وبقى ولائهم لة .و الدليل على كدة الصورة الجماعية الاخيرة لمرسى مع المجلس العسكرى و مرسى واقف انتباة و السيسى بيتكلم فى التلفزيون . عمرنا ما شفنا حسنى مبارك بيتكلم و حد من الجيش بيتكلم بالشكل دة.
    • Ali Mahmoud فعلا يا فندم كلا الفريقين كان بيحضر ملوخية
    • Reda Fathi ثقافة البيادة لا ترى في ماااسر غير إيجابية البيادة وبسسسسس
    • احمد حسن طب ليه حضرتك مش بتتكلم عن خيوت الثوره المضاده والداعمين الاقلمين والدولين ومامصلحتهم في اجهاض الثوره الوليده والاموال التي صرفت ببزخ في كل موئسسات الدوله
    • Moustafa Awad محمد مرسى والاخوان لم يكونوا منقلبين يا دكتور، فلم ينقلب غير العساكر. اعلم انه لم ولن يكون نظام مثالى. أثناء حكم مرسى كنا نؤيد ونعارض بدون حساب و كنا أحرار اما الان فأصبح الوطن سجن كبير. سجن انت شاركت فى صناعته بتاييدك ل ٣٠ يونيه.
    • Enghussein Ahmed Omar مقالات هامه ومفيده رغم انى أرى أن الإخوان يفضلون ماهم فيه على تواريهم للخلف ومساندة التيار المدنى دون أطماع فى العودة
    • Ibrahim Almekawy مش فاهم الدكتور حازم بيدافع عن ايه... مرسي رءيس منتخب يخرب بيت العلوم السياسية واللي اخترعوها. ترامب جاب عيلته كلها وحطها في البيت الأبيض. وعمل انقلاب ونقض كل المعاهدات الدوليه حتى.. مرسي لم يفعل أي من ذلك... مرسي رءيس يشيل وزير ويحط وزير.. مالك انت.. مرسي عمل إعلان دستوري. كان جنه جنب اعلانات العسكر وبرر ذلك لأن المحكمه الدستوريه بتلغي له كل قرار انت واحد متجني اقسم بالله انت انسان غير عادل. انسان متحيز. تحيز فج يخرب بيت الحقد والغل حضرتك تروح تدرس احصا بدل السياسه احسن خرمت راسنا. بكلام فاضي وحشو. فارغ.. انت مالك يعمل اللي يعمله بعد ٤ سنين الشعب يشيله هيا دي اللي اتفقنا عليها ا
    • Ahmad Adel ما ادلة ان الرئيس المنتخب كانت غواية الاستحواذ على السلطة تسلطت عليه؟؟!!

      لاتعطنا كلاما بدون أدلة واحترم عقولنا .. مرسي لم يحكم سوى عاما واحدا وتقول لنا الان انه كانت لديه نية!! الاستحواذ؟!! :))


      ليس عيبا بعد ان شاب راسك يارجل ان تقول الحقيقة وتعتذر ان كنت خدعت فى العسكر وأيدت تظاهرات 30 يونيو .. العيب ان تضحك علينا وعلى نفسك وتفترض نوايا تبني عليها صرحا واهيا!

    • _____________________________________________________________________________________


    من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 10
    ------------------------------------------
    أخطاء المجلس العسكرى أثناء إدارته السياسية/الدستورية للبلاد خلال المرحلة الانتقالية لا أعتقدها تخفى على أحد، فهى أكثر من أن تحصيها هذه الرسالة، ولا أى رسالة أخرى منفردة ... أكثر هذه الأخطاء كانت بسبب هذا التداخل بين مرجعيات التفكير العسكرية التى تَمَسَّك بها المجلس، أو تَمَسَّك بها المشير طنطاوى، وبين الأهداف المدنية التى كان موكلاً إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهمة تأمينها حين تم تكليفه بإدارة شؤون البلاد وإخراجها من أزمتها السياسية والدستورية بعد تخلى الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم !
    أول هذه الأخطاء السياسية التى أوقع فيها المجلس العسكرى نفسه، بسبب مرجعيات تفكيره العسكرية، حدث مباشرة بعد تسلمه مسؤوليات الحكم؛ وهو ليس خطأُ إيجابياً تسبب فيه فعل أقدم عليه المجلس، بل كان خطأُ سلبياً فادحاً وقع فيه المجلس، أو وقع فيه المشير طنطاوى، بامتناعه عما كان عليه أن يُقدِم عليه من فعل ! ... دعونا نفسر ذلك ! ... فقد رأينا فى رسائل سابقة كيف فرضت أوضاع الأمر الواقع وقتها أن يختفى تماماً أى حديث عن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكيف أن المجلس العسكرى قد انتقلت إليه - من الناحية العملية - كل سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية، بل وحتى السلطة التأسيسية التى بدأها بإصدار الإعلان الدستورى الأول بتاريخ 13 فبراير 2011، ثم الإعلان الدستورى المُطَوَّل بتاريخ 30 مارس 2011، وأخيراً الإعلان الدستورى المكمِّل بتاريخ 17 يونيو 2012، مع كل ما صاحب هذه الإعلانات والإجراءات الدستورية من أخطاء وسقطات شابت أداء المجلس العسكرى لمهمته كسلطة تأسيسية؛ وبوقوعه فى هذه الأخطاء والسقطات انكشف ما كان عليه المجلس وقتئذٍ من ارتباك فى تعامله السياسى/الدستورى مع مثل هذه القضايا المدنية الحساسة !
    أول وأكبر هذه الأخطاء، وهى فى تقديرى سقطة كبرى لم يدرك المجلس خطورتها، كانت احتفاظ المشير طنطاوى بمنصب وزير الدفاع، وعدم مبادرته الفورية إلى الفصل بين هذا المنصب - وهو منصب تنفيذى بطبيعته - وبين منصب القائد العام للجيش، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو المنصب الذى صار صاحبه - لا وزير الدفاع - هو من يمتلك السلطة التأسيسية ! ... باحتفاظه بالمنصبين خلال المرحلة الانتقالية صار المشير طنطاوى، وصارت الدولة المصرية كلها معه، فى وضع شاذ ملئ بالتناقضات الدستورية : فهو باعتباره وزيراً للدفاع كان مرؤوساً - ولو من الناحية النظرية - لرئيس الحكومة الذى كان بدوره مرؤوساً للمشير طنطاوى الذى صار يملك سلطة رئيس الجمهورية، ومن ثَمَّ فهو كان يملك سلطة إصدار قرارات جمهورية تعلو فوق أى قرارات حكومية يصدرها رئيس مجلس الوزراء !
    الأمر ازداد تعقداً بعد انتخاب الرئيس محمد مرسى، إذ صار المشير طنطاوى - باعتباره وزيراً للدفاع - جزءاً من سلطة تنفيذية يرأسها الرئيس المنتخب، لكنه فى نفس الوقت كان صاحب السلطة التأسيسية التى كان يُفترَض أن تكون نداً يوازن سلطة الرئيس لحين إقرار الدستور الجديد للبلاد ! ... لا أعرف من هو صاحب فكرة احتفاظ المشير طنطاوى بمنصب وزير الدفاع بعد أن صار يملك - باعتباره رئيساُ للمجلس الأعلى للقوات المسلحة - سلطة رئيس الجمهورية، بجانب السلطة التأسيسية، لحين انتهاء الفترة الانتقالية؛ وهل كان هذا بقرار حر من المشير طنطاوى، أم أن عقلاً ما داخل المجلس العسكرى أو خارجه هو من أشار عليه بذلك ليبقيه فى هذا الوضع الشاذ الذى أضعفه لدرجة لا أعرف كيف لم ينتبه إليها المشير طنطاوى مع كل ما هو معروف عنه من دهاء؟!
    أياً ما كان الأمر، فقد احتفظ الرجل بالمنصبين، ولم يتخذ أى إجراء للفصل بينهما؛ ولو أنه كان قد فعل، حتى وإن كان قد جاء - وقتها - باللواء عبد الفتاح السيسى وزيراً للدفاع، لكان قد عصم موقعه - كقائد عام للجيش، ورئيس للمجلس الأعلى للقوات المسلحة - من تجرؤ أى سلطة أخرى عليه، حتى ولو كانت سلطة الرئيس المنتخب، طالما لم تنته المرحلة الانتقالية بإقرار دستور جديد يحسم منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكان يمكنه حينها أن يعتزل - وكان فى سن منطقية تسمح له بالاعتزال - ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه بعد أن يكون قد أدى المهمة، بدلاً من ذلك الباب الضيق الذى خرج منه فى انقلاب الثانى عشر من أغسطس 2012 قبل انتهاء المرحلة الانتقالية !
    إضافة لسقطة احتفاظ المشير طنطاوى بالمنصبين، ارتكب الرجل خطأين سياسيين إضافيين : أولهما أنه مارس أعماله، باعتباره رئيساً للجمهورية بالوكالة، من ديوان وزارة الدفاع لا من القصر الجمهورى، فى حين كان الرئيس المنتخب حريصاً على دخول القصر الجمهورى فور انتخابه وقبل تنصيبه رسمياً رئيساً دستورياً للجمهورية ! ... وثانيهما أنه بادر إلى منح الرئيس المنتخب حضوراً داخل الجيش - فى احتفالية الهايكستب، وفى احتفالية الكلية الحربية، وفى مناسبات أخرى كثيرة - رغم أن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة لم يكن قد حُسِم بعد، ورغم لغة التحرش بهذا المنصب الحساس التى اعتمدها الرئيس المنتخب - دون سند دستورى - منذ خطاب جامعة القاهرة بعد سويعات من أدائه اليمين الدستورية !
    ربما يكون المشير طنطاوى قد وقع فى بعض هذه الأخطاء السياسية، وهذه السقطات فى تعريف موازين السلطة فى مصر خلال المرحلة الانتقالية، مدفوعاً برغبة فى مد جسور الثقة ونزع فتيل انفجار الأوضاع فى الشارع المصرى، خاصة وأنه كان قد قطع معظم جسور الثقة بينه وبين التيارات المدنية التى كانت قد فقدت تعاطفها معه ومع المجلس العسكرى لأسباب كثيرة لا يفيدنا هنا أن نتطرق إليها، وهى على أية حال أسباب معروفة للجميع، ومن ثَمَّ فقد صار المشير طنطاوى ومعه المجلس العسكرى شبه وحيد فى مواجهة هذا التيار الذى جاء منه الرئيس المنتخب، وصار من الضرورى استرضاء هذا الرئيس وتجنب الاشتباك معه !
    بيد أن حسابات السياسة وموازين السلطة لا تدار بمثل هذه النوايا الطيبة التى أبداها المشير طنطاوى تجاه تيارات معينة، إذ أضعفت هذه الأخطاء وهذه السقطات موقف المشير فى وقت كان أحوج ما يكون فيه - وكانت مصر فيه أكثر ما تكون حاجة هى الأخرى - للغة حاسمة واثقة لتعريف الصلاحيات، لا لغة الاسترضاء هذه التى أظهرت صاحب السلطة التأسيسية ضعيفاً ومتراجعاً أمام قوة الخطاب ولغة الإقدام التى اعتمدها الرئيس المنتخب فى كل مناسبة غير عابئ بأية قيود دستورية على ما هو منقول إليه من صلاحيات !
    ------------------------------------------------
    هكذا وصلنا إلى ذروة المأساة فى حياة المرحلة الانتقالية التى أدارها المشير طنطاوى، أو أدارها المجلس الأعلى للقوات المسلحة من خلال رئيسه الذى استعان بعقول من داخل المجلس أو من خارجه زين له أصحابها كل ما قال وكل ما فعل، مما أضعفه وأغرى به الرئيس المنتخب الذى رأى أن لحظة التمكين لحكمه قد دقت أجراسها فقرر أن يلجأ لخيار شمشون بأن أطاح فى انقلاب الثانى عشر من أغسطس 2012 بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وانتزع من المجلس عنوة - أو ربما بالتراضى مع المجلس الجديد - كل سلطة لم يكن قد اعترف بها المجلس القديم للرئيس المنتخب دستورياً، فأسقط هذا الرئيس بخيار شمشون الذى لجأ إليه كل المرجعيات الدستورية التى كانت قد حكمت تنصيبه رئيساً للجمهورية !
    اختار الرئيس المنتخب أصغر أعضاء المجلس العسكرى القديم، وأقلهم أقدمية فى رتبة اللواء، ليمنحه رتبتين استثنائيتين، ويعينه وزيراً للدفاع، ورئيساً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بتشكيله الجديد الذى غابت عنه وجوه عسكرية كانت هى الأكثر نفوذاً داخل الجيش وقتها؛ ولا أريد أن أجازف هنا فأتطرق لملابسات هذا الانقلاب الدستورىً؛ فالمهم بالنسبة لى، وبالنسبة لهذا التحليل الذى نحن بصدده، هو أن هذا الانقلاب الدستورى قد تم، أياً كانت ملابساته، وأياً كانت الأدوار التى لعبتها الشخصيات التى ارتبطت به من داخل المؤسسة العسكرية أو من خارجها؛ ويبقى الثابت فى الذاكرة التاريخية المصرية هو أن أحداً فى مصر لم يتعاطف وقتها مع المشير طنطاوى، ولا مع مجلسه الذى كان قد حرق كل السفن وراءه !
    ما أذكره ويذكره غيرى هو أن عدم اكتراث المصريين بما حدث للمشير طنطاوى ولمجلسه قد منح الرئيس المنتخب وقتها شعوراً زائداً بالاطمئنان والثقة بعد أن نجح فى هدم المعبد على رؤوس أعدائه، أو من اعتبرهم أعداءه بعد أن جعل منهم أعداءً للثورة لابد من إزاحتهم كى تمضى نحو تحقيق أهدافها بقيادة رئيس اعتبر نفسه منذ هذه اللحظة - دون وجه حق - زعيماً للثورة ! ... اعتقد شمشوننا أنه قد نجح فى مهمته دون أن يصيب رأسه حجر واحد من حجارة المعبد الذى انهار بقوة إرادته الشمشونية ! ... ولكن، هل خرج شمشوننا حقاً من تحت أنقاض المعبد سالماً، أم أنه كان كشمشون الأساطير أول ضحايا هذا المعبد الذى انهار فوق رأس شمشون قبل أن ينهار على رؤوس من اعتبرهم أعداءه؟!
    -----------------------------------------
    لا أعرف حتى الآن كيف مر هذا الانقلاب الدستورى دون أن يتحرك الجيش، وهل كانت قيادات الجيش وقتها عاجزة عن رد الفعل، أم أنها ارتضت القبول بهذا الانقلاب لأسباب لم يفصح عنها أحد؟! ... المهم هو أن الرئيس مرسى - رحمه الله - قد خرج من تجربة هذا الانقلاب الدستورى مزهواً بانتصاره، وممنياً نفسه بسلطات مطلقة عبر عنها لاحقاً فى الثانى والعشرين من نوفمبر 2012 حين أصدر إعلانه الدستورى الاستبدادى الذى حاول تسويقه وقتها باعتباره إعلاناً "ثورياً" لولا أنه لم يصمد أمام ثورة المصريين عليه ورفضهم إياه !
    بيد أن الرئيس وهو يحتفل بنجاحه فى الإطاحة بهذا المجلس العسكرى القادم من عصر مبارك - وقد كانت لنا جميعاً ملاحظاتنا على ممارساته الكارثية أثناء المرحلة الانتقالية - لم يلحظ أنه قد أطاح فى الوقت نفسه، ودون أن تنبهه إلى ذلك حساباته السياسية الهوجاء، بثلاثة من القوائم الأربعة التى يستقر بها كرسى حكمه، وأن هذا الكرسى قد صار منذ تلك اللحظة لا يقف إلا على قائم واحد ظل يجاهد لأكثر من عشرة شهور كى يتحقق استقرار الحكم وهو لا يرتكز إلا على هذا القائم اليتيم، على أرض هى من الأساس غير مستقرة، وأعنى به قائم "شرعية الصندوق" ! ... أما القوائم الثلاثة التى أطاح بها الرئيس بقراره الشمشونى فهى قائم "التماسك المؤسسى" الذى انفرط عقده فصارت بنية الدولة المؤسسية كلها آيلة للسقوط، وقائم "الشرعية الدستورية" التى لم يجد لها صدى فى عموم المشهد المصرى وهو يستدعى يائساً فى خطابه الأخير مفهوم "الشرعية" التى لم ير منها إلا "شرعية الصندوق"، وأخيراً قائم "الجيش" الذى فقد الرئيس تماماً كل سيطرة عليه منذ تلك اللحظة البائسة التى تصور فيها أنه قد أخضعه لكامل سلطانه !!
    وقبل أن نسترسل فى الحديث عن هذه القوائم الثلاثة، التى أطاح بها الرئيس المنتخب بانقلابه الدستورى، دعونا نتحرر أولاً من مراوغات من يقدمون لنا أنفسهم باعتبارهم "أنصار الشرعية" فى مواجهة من يصفونهم بالانقلابيين، أو بعبيد البيادة، أو بما شاءوا أن يطلقوه من أوصاف على من يريدون ترحيل مسؤولية خطيئتهم السياسية والتاريخية عليه ! ... دعونا نتحرر أيضاً من المراهقات الثورية التى لم تتوقف - ولو قليلاً - للتفكير فى تداعيات أى قرار يُفرِح النفوس المراهقة - ويُفرِح معها النفوس المرهقة - لمجرد أنه صادر من رئيس مدنى منتخب ضد وجوه خدمت الدولة فى عهد رئيس سابق أطاحت به الثورة !
    دعونا نتحرر ثالثاً من مواقف بعض الوجوه السياسية والثقافية التى تقاعست وقتها عن القيام بأدوارها ... أقول "بعضها" ولا أعمم، فإنما أقصد من تلك الوجوه فقط أولئك الذين آثروا السلامة، فلم يغامروا بالتورط فى التمييز بين "الممكن"، الذى قد يُغضِب الأغلبية، وبين "المستحيل" الذى قد يوافق هواها؛ فلا هم بذلوا الجهد لتعريف عموم الناس بجدران البناء التى تقادمت ولابد من هدمها دون خطر يُذكَر على وجودية الدولة، وتلك التى - رغم تقادمها - كان لابد من الحفاظ عليها والعمل على ترميمها كى لا يسقط بنيان الدولة كله فوق رؤوس الجميع؛ ولا هم اتخذوا المواقف التى ترسم الحدود واضحة بين تفكير النخبة أو الصفوة التى تقود المجتمع وترشده إلى حيث يكون مأمنه، حتى وإن كان جزاؤها هو جزاء شهيد الحقيقة فى كهف أفلاطون، وبين تفكير العوام الذين يسيرون وراء غرائزهم فلا يرون إلا مصالحهم الآنية دون تداعياتها المستقبلية التى أثبتت الأيام كارثيتها !
    -----------------------------------------
    بعد كل هذه المقدمات، وكل هذه التحفظات، وكل هذا التحرر من كوابح التفكير العقلانى، ها نحن قد وصلنا إلى مواجهة هذه اللحظة المفصلية التى ارتكب فيها الرئيس مرسى أخطاءً سياسية لا يمكن أن يرتكب أياً منها رئيس يدير الحسابات السياسية بعقل رجل الدولة، ولا يديرها بعقل رجل التنظيم، أياً كانت طبيعة هذا التنظيم : دينية كانت أو يسارية أو ليبرالية أو بأى مرجعية أيديولوجية كان يعمل هذا التنظيم ... هى أخطاء لا تقل فداحةً ولا كارثيةً عن الأخطاء التى وقع فيها المشير طنطاوى عند إدارته لشؤون الدولة، وإن كان الرئيس مرسى قد تطرف فى أخطائه عكس الاتجاه الذى تطرف فيه المشير طنطاوى !
    كان توجه المشير طنطاوى هو استعادة ودعم مؤسسات الدولة، معتبراً أن التماسك المؤسسى للدولة هو حائط الصد الأول أمام كل ما كان يراه مسبباً لفوضى الشارع المصرى بعد الخامس والعشرين من يناير 2011، أو ما كان يعتبره من مظاهر الفوضى والتحلل من ضوابط الخضوع لسلطان الدولة؛ وربما كان هذا هو سبب تفضيله لفكرة التحالف مع التيارات السياسية التى تخضع للانضباط التنظيمى دون غيرها من التيارات الأخرى التى كان يراها - بثقافته العسكرية - عصية على الانضباط، فلم يكن يعرف كأكثر العسكريين أى آليات للانضباط المدنى بخلاف آليات الانضباط بالأوامر التى تسير عليها النظم العسكرية !
    على الجانب الآخر كان تماسك الدولة المؤسسى مصدر إزعاج للرئيس المنتخب الذى كان يرى فى هذا التماسك تهديداً لمشروع الدولة التى كان يرى أنها تستمد روح مؤسساتها من قواعد أصولية وفقهية غير القواعد التى كانت تحكم هذه المؤسسات ... لذلك فإن ضرب أقوى هذه المؤسسات كان ضرورياً لخلخلة التماسك المؤسسى للدولة، وقد كانت الرغبة فى تحقيق هذا الهدف واضحة منذ خطاب الرئيس المنتخب أمام مناصريه بميدان التحرير قبل تنصيبه الرسمى حين اعتبرهم أعلى سلطة فى الدولة ولا تعلوها أى سلطة أخرى ! ... لم يكن هناك أى هدف آخر يمكن رصده، خاصةً وأنه لم يحدث أن عرقل مجلس المشير طنطاوى، ولا هو عرقل إعلانه الدستورى المكمل، أى خطط إصلاحية أو تنموية لم يطرحها الرئيس المنتخب أصلاً طيلة نحو شهر ونصف الشهر انقضت منذ تنصيبه وحتى قيامه بانقلاب الثانى عشر من أغسطس !
    على عكس ما كان يتصور الرئيس المنتخب، الذى كانت تعوزه رؤية وعقلية رجل الدولة، فإن إطاحته بالمجلس العسكرى لم تسهم فى تثبيت حكمه، بل هى أطاحت - من بين ما أطاحت به - بأول قوائم كرسى الحكم الذى كان يجلس عليه الرئيس، إذ استنفر انقلاب الثانى عشر من أغسطس كل مؤسسات الدولة التى ارتابت فى نوايا الرئيس المنتخب، فتكتلت كلها ضده أو كادت، وهو ما نلحظه من إرهاصات تنمر مؤسسات الدولة فى مواجهة الرئيس بعد انقلابه الدستورى مقارنة بحالة الالتزام الحذر والترقب القلق التى كانت قائمة قبله ... أما أسباب الالتزام الحذر والترقب القلق التى كانت قائمة قبل الانقلاب الدستورى فقد تسببت فيها بعض خيوط التوتر التى نشأت بين هذه المؤسسات وبين مؤسسة الرئاسة بعد القرار الأرعن الذى كان قد اتخذه الرئيس بعد أيام من تنصيبه ليعيد به مجلس الشعب المنحل للانعقاد، ثم - لاحقاً - وصلت العلاقة بين الرئيس وبين مؤسسات الدولة لنقطة اللاعودة بعد إصدار الرئيس لإعلانه الدستورى الاستبدادى فى الثانى والعشرين من نوفمبر !
    كنت قد بينت فيما سبق، وبتفصيل لم يساعد - بكل أسف - أصحاب المواقف الأيديولوجية المتحجرة على إزاحة الغبار الذى يمنع عنهم الرؤية، ويحجب عنهم الفهم، أن الرئيس المدنى المنتخب قد جاء إلى الحكم محملاً بأفكار ومواقف لا تساعد على عبور المرحلة الحرجة التى كانت تعبرها البلاد بعد أقل من ثمانية عشر شهراً من ثورة الخامس والعشرين من يناير ... كما بينت كيف أظهر الدكتور مرسى بعد انتخابه تناقضات فى مفردات خطابه السياسى، وكيف اتخذ مواقف مراوغة ومتباينة من مؤسسات الدولة عامةً، ومن المحكمة الدستورية العليا والمجلس الأعلى للقوات المسلحة على وجه الخصوص ! ... لكن أن يبدأ أى رئيسٍ حكمه بمحاولة ضرب التماسك المؤسسى للدولة فإننا نكون أمام عمل أخرق لا يقدم عليه أى رئيس يتمتع بالحد الأدنى من مواصفات رجل الدولة، إذ على أى رئيس أن يحافظ على التماسك المؤسسى للدولة، وأن يعتمد على مؤسسات الدولة القائمة - حتى ولو كانت فاسدة - على أن يعمل على إصلاحها بذكاء لا يعرض بنية الدولة المؤسسية للخطر، ولا يعرض كرسى الحكم نفسه للاهتزاز أو لما هو أكثر خطراً وهو السقوط !
    --------------------------------
    ننتقل الآن من القائم الأول من قوائم الحكم، التى أطاح بها الرئيس المنتخب بانقلابه الدستورى، إلى القائم الثانى الذى أطيح به وهو قائم "الشرعية الدستورية" ... فمنذ خطاب ما قبل التنصيب، الذى ألقاه أمام مناصريه فى ميدان التحرير، كان واضحاً أن الرئيس المنتخب يرغب فى الظهور كزعيم ثورى، لا كرئيس دستورى، بما يسمح له مستقبلاً باعتماد "الشرعية الثورية" لا "الشرعية الدستورية" مرجعية لقراراته وسياساته ونظام الحكم الذى يعمل على تأسيسه !
    لم نكن قد عهدنا الدكتور مرسى - رحمه الله - زعيماً ثورياً، حتى وإن كنا قد خبرناه كادراً سياسياً فى جماعة سياسية ظلت تعامَل خلال حكم الرئيس مبارك باعتبارها "جماعة محظورة" ! ... فجأة، تحول هذا الكادر السياسى إلى ناشط ثورى يهاجم فى خطاب ما قبل التنصيب فترة الستينات "وما أدراك ما الستينات!" ... لكن هذا المناهض لفترة الستينات، وفى سياق تحولاته وتناقضاته، كان يتحول أحياناً إلى رئيس ناصرى : يزور مصانع الحديد والصلب، ويستدعى اسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مشيداً بأهدافه وسياساته ومحاكياً لغته الثورية وكأنها أهداف وسياسات ولغة الحكم الجديد ! ... فى قصر الرئاسة، تحدث الرئيس المنتخب دستورياً عن نفسه باعتباره "رئيساً بعد ثورة"، وأنه يحق له كما حدث فى كل الثورات أن يحمى الثورة بالتضحية بالآلاف !
    لم يدرك الرئيس المنتخب دستورياً أنه رئيس لا زعيم، ولا هو أدرك الفرق الهائل بين شخصيته، والسياق التاريخى لفوزه بالرئاسة، وبين شخصية جمال عبد الناصر والسياق التاريخى لاعتلائه السلطة ... تصور الرئيس المنتخب أنه يخاطب أنصاره فى ميدان التحرير قبل تنصيبه كما كان يخاطب عبد الناصر الجماهير فى ميدان المنشية سنة 1954 ! ... لم يكن عبد الناصر فى هذه اللحظة البعيدة قبل نحو ستة عقود بحاجة لأى شرعية دستورية، على حين كانت هذه الشرعية الدستورية هى جواز مرور الدكتور مرسى للقصر الجمهورى، وكانت بهذا أحد قوائم حكمه، وبغيرها يهتز هذا الحكم أو يسقط !
    بانقلابه على الشرعية الدستورية التى أوصلته للحكم فقد الرئيس المنتخب واحداً من أهم قوائم استقرار الحكم، وجعل نفسه - وجعل مصر كلها معه - فى مواجهة "ثورة مضادة" فى مواجهة "ثورته" التى ادعاها ولم تكن لها أى علاقة ببنية "الثورة المصرية" التى قام بها شباب الطبقة الوسطى فى الخامس والعشرين من يناير، ولا هى كانت لها علاقة بالطبيعة الدستورية لحكم الرئيس المنتخب ! ... بهذه المواجهة التى استدعى بها الرئيس مرسى حديث "الثورة والثورة المضادة" دخلت مصر كلها فى معضلة تعريف "الثورة" : أى "ثورة" بالضبط؟، وتعريف "ضد الثورة" : أى "ضد" بالضبط؟
    هكذا تحولت القضايا، وتبدلت ملامحها، وصار كل ما عاشته مصر بعد انقلاب 12 أغسطس 2012 فوضى مفهومية ودستورية كاملة، بدأها الدكتور مرسى ومن كانوا يقفون وراءه بانقلابهم الدستورى الذى أطاحوا من خلاله - ظاهرياً - بمجلس المشير طنطاوى، لكنهم فى الحقيقة أطاحوا بمنطق الشرعية الدستورية التى أرادها من قاموا بالانقلاب أن تكون شرعية ثورية، على مقاس الرئيس وجماعته، وفى خدمة مشروعه لا فى خدمة الدولة التى اختفت وراء ضباب المصطلحات : فأى دولة نقصد بالضبط ونحن نتحدث عن "نهضة الدولة"؟ وما هى مقومات هذه الدولة؟ وما هى مرجعياتها؟!
    هذه الفوضى الدستورية استهلكت من عمليات ومساحيق التجميل ما استهلكت كى تبدو على غير حقيقتها، لكنها كانت كلها عمليات فاشلة، لم يسبق إجراءها أى دراسة لطبيعة الجسد السياسى المصرى ولا لبيئته، ولا هى وظفت من مساحيق التجميل ما يناسب شخصية الأمة المصرية ... فوضى عمليات التجميل هذه، وتنافر المساحيق التى تتحدى الطبيعة، لم يكن لها إلا أن تنتهى بملامح منفرة يصعب قبولها، وإلا بتشوهات يستحيل علاجها؛ والنتيجة المنطقية لكل هذا الإصرار العنيد على إظهار غير الحقيقة هى كل هذا القبح الذى عاشته ومازالت تعيشه مصر منذ انقلاب 12 أغسطس الدستورى، رغم كل محاولات الترقيع التى شاركنا فيها جميعاً بدرجات متفاوتة أملاً فى إنقاذ الدولة من الانهيار، فكان أن انهارت الدولة بالفعل ولم يبق منها إلا السلطة التى توحشت بما يتناسب مع ملامحها المنفرة !
    حدبث "انقلاب الثلاثين من يونيو" الذى يراوغ به "أنصار الشرعية" كى يغطى على حدث "انقلاب الثانى عشر من أغسطس" لن ينتهى بنا إلى شئ، اللهم إلا أن تضيع منا إجابات الأسئلة فى زحام مساجلات عقيمة، واتهامات مجانية، لا هدف لها إلا ترحيل المسؤوليات، فيفلت المسؤول الحقيقى بفعلته ويتحول بهذه المراوغات من مذنب وجب عليه الاعتذار، ووجب عليه التكفير عن خطيئته، إلى ضحية يتعاطف معها ويعتذر لها أولئك الذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو كى يضعوا حداً لشرعية مبتورة ومنتحلة، فرضها علينا إجراء غير دستورى، هى التى أسست لكل التداعيات التى شكلت المشهد السياسى والتاريخى والإنسانى البائس الذى صارت عليه مصر اليوم !
    -----------------------------
    أخيراً، نصل إلى القائم الثالث من قوائم الحكم التى أطاح بها الرئيس المنتخب بانقلابه الدستورى فى الثانى عشر من أغسطس 2012، ولأهميته القصوى فى تفسير الأحداث فإن الحديث عنه سوف يطول، لذا أستأذنكم فى إرجاء الحديث عنه إلى الرسالة القادمة، أو الرسالة قبل الأخيرة فى هذه السلسلة، التى أخصصها له بالكامل، علها تفسر لنا كيف انقلب الرئيس المنتخب على نفسه، وكيف اصطاد الوعل الجائع نفسه !!
    ===================================
    • احمد غنيم كما تريدهم أن يعتذروا وانت محق
      اعتذر لهم انت ايضا
    • Samir Asaer يا دكتور لقد فطنت شخصيا من المقدمات من قبل الثلاثين من يونيه، من أول بيان شكلي لامهال القوي الوطنية إلى النتائج التى تراها الآن على أرض الواقع.
      مثلكم كان ينبغي عليه توقع ما نحن فيه الآن
      فعفوًا، ان كنتم لم تتصوروا أو تتوقعوا تتابع الأحداث مبكرا

      ففضها سيرة بأه
    • Haggag Abu-Ouf يا عم الضاكتور .. كفاية هرى و أرحمنا .. زهقنا منكم كلكم .. تنحى و فضها سيرة قبل أن تصاب ب. شيخوخة الفكر .. روح صلى ركعتين لله و إهدا و إتهد
    • Sayed Hassan اللي ازعجه المقال لا يعلق ويكف عن متابعة الرجل ،لكن تريد منه هو أن يكف عما يكتب هذا منطق معوج
    • Ezz Elnaggar هرطقه فكريه
    • احمد غنيم
      Hazem A. Hosny
      تعتذر عن حوارك لاخبار اليوم بتاريخ
      17/8/2013

      اي بعد الفض واحداث رمسيس بيوم وقتل 37نفس في سيارة الترحيلات
      اعتذر عن الدم اللي وافقت عليه يا دكتور
    • Seham Nassar ليتكم تقللون حجم المقالات.. فالقراءة من الكومبيوتر مرهقة
    • احمد غنيم
      Hazem A. Hosny
      دا حوارك مع اخبار اليوم يا دكتور
      https://www.masress.com › elakhbar

      د. حازم حسني أستاذ العلوم السياسية يرصد المشهد الراهن - مصرس
      مصرس : أخبار مصر على مدار الساعة
      MASRESS.COM
      مصرس : أخبار مصر على مدار الساعة
      مصرس : أخبار مصر على مدار الساعة

    • Essam Mohamed هذة ليست أخطاء وإنما أحداث مقصودة من المجلس العسكري الذي كان يدير الثورة المضادة لترجع الدولة في أيديهم من جديد وما نحن فية الأن النتيجة
    • العمر لحظه لا حول ولا قوة إلا بالله
    • Samir Kamel مع اتفاقى فى نقطة خطأ الاطاحة بالمشير طنطاوى و مجلسة هل دة مبرر لانقلاب عسكرى على كل المسارات الديمقراطية مكانش فى حلول اخرى . غير كدة ؟؟
    • Osamah Aljahawi هو انا كنت عمال اقرأ ومركز لغاية حضرتك مادخلت فى موضوع ان الرئيس المنتخب عمل انقلاب وشال وزير الدفاع، فقلت لنفسى اروح الحق الاكل وهو سخن احسن
    • محمود التهامى للاسف نفقدك كمثقف الثانى مرة . الاولى بالوقوف ضد التجربة الديمقراطية . و الثانية بمحاولة شراء لقبك من جديد لدى الطغمة الحاكمة . هم ليهم رجالتهم
    • Reda Fathi أحييك على قدرتك على تزوير التاريخ
      وأحييك على القيام بواجبك الوطني المشرف من تجميل حكم البيادة اللي وصل البلد لكل هذا الخراب
    • Ashraf Mohamed ليتك تجمع لنا تلك المقالات وغيرها في كتاب لسرد ماحدث في مصر من أحداث وقرارات ومواقف من يوم 25 يناير2011 وحتي ال30 من يونيو 2013 بدلالتها وتأثيرها من وجه نظركم لتتجمع لنا وللأجيال القادمه صورة واضحه عما حدث بالضبط في مصر... وحتي لاتتوة الحقيقه وتزيف من كلا الجانبين ... العسكر والأخوان ...
    • Ahmad Madian كتيييير قوي.. مين فيه حيل يقرأ ده كله خاصة أنه ما منوش..
    ______________________________________________

    من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 9
    ------------------------------------------
    هذه هى الرسالة التاسعة فى سلسلة الرسائل التى كنت قد بدأتها لكشف ما طمسه بعض الإعلام من معالم الطريق التى انتهت بنا إلى أحداث الثلاثين من يونيو 2013 وما بعدها من أحداث أسست للواقع البائس الذى تعيشه الدولة المصرية اليوم، ومن يدرى؟ فعَلَّها تؤسس أيضاً لمستقبل لا علاقة له بهذا الواقع البائس، ولكن بعد أن تكتمل عناصر هذا المستقبل الذى مازلنا نرجوه رجاء اليائس لا رجاء صاحب العقل الرشيد !
    هذه رسالة لا تنفصل عن كل ما سبقها، ولا هى تنفصل عما يلحق بها؛ فبعد ما مهدت له الرسائل الثمانية السابقة، وبعد ما بينته من أعراض السلطوية التى تمكنت من الرئيس المنتخب بعد انتخابه، تأتى هذه الرسالة التاسعة لتطرح السؤال الأكثر خطورة وهو : من المسؤول عن انهيار "الشرعية الدستورية" التى منها كان قد اكتسب الرئيس المنتخب شرعية انتخابه؟! ومن ثَمَّ، فمن المسؤول عن الطعن فى شرعية وجود هذا الرئيس المنتخب على رأس الدولة أصلاً؟!
    هذا السؤال الذى تطرحه هذه الرسالة التاسعة، وتجيب عنه الرسالة العاشرة، إنما تفرضه تناقضية أن يكون المسؤول عن انهيار هذه "الشرعية الدستورية"، التى جاءت بالدكتور محمد مرسى رئيساً، هو نفسه من يردد دون ملل أن الدكتور مرسى هو أول رئيس مدنى منتخب، وحجته المبتورة فى ذلك هى أنه الرئيس الذى جاءت به صناديق الاقتراع، متجاهلاً حقيقة أساسية وهى أنه - رحمه الله - لم يُنَصَّب رئيساً لمجرد أنه جاءت به صناديق الاقتراع، وإنما هو صار رئيساً لأنه تم انتخابه "دستورياً"، وأنه لولا هذه الصفة "الدستورية" ما كان قد وصل إلى قصر الرئاسة أصلاً، ولا كان لانتخابه عبر صناديق الاقتراع أية حجية لدى أى مؤسسة من مؤسسات الدولة كى تقبل به رئيساً شرعياً للجمهورية !
    نعم، قد يكون هناك أكثر من وجه للشرعية : فهى قد تكون شرعية دستورية، كما قد تكون شرعية ثورية، أو شرعية تاريخية، أو شرعية أمر واقع فرض نفسه على الجميع فى ظرف تاريخى بعينه؛ وقد تنتقل الدولة من الشرعية الثورية أو من شرعية الأمر الواقع إلى الشرعية الدستورية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة شرعية مؤقتة لحين إقرار دستور جديد للبلاد؛ لكن الدول لا تدار بالرقص بين شرعية وأخرى حسب حاجة الحاكم، أو حسب توازنات القوة بينه وبين خصومه السياسيين؛ فلكل لعبة سياسية قواعدها، والرئيس الذى ارتضى قواعد الشرعية الدستورية حتى وصل إلى الحكم كان عليه أن يلتزم بمسارات هذه الشرعية وألا يتجاوزها بالانقلاب عليها كما حدث فى الثانى عشر من أغسطس 2012 !
    الانقلاب هو انقلاب أياً كان شكل هذا الانقلاب، يتساوى فى هذا أن يكون الانقلاب عسكرياً أو أن يكون دستورياً؛ والسؤال المطروح الآن هو هل كان ما حدث فى الثانى عشر من أغسطس 2012 انقلاباً دستورياً، أم هو كان التزاماً بمسارات الشرعية الدستورية التى أوصلت الرئيس المنتخب دستورياً إلى منصب الرئاسة؟! ... هذا هو السؤال الأهم بين كل ما سبق أن طرحت من أسئلة فى الرسائل السابقة، وعلى الجميع - وبتجرد تام - أن يجد إجابة له تحترم عقول المصريين لنعرف منها متى أطيح بالشرعية فى مصر بعد الثورة؟ ومن تراه يكون الذى أطاح بها؟!
    -------------------------
    فى الثانى عشر من أغسطس 2012 قرر الرئيس مرسى، أو قرر من يقفون وراءه ويدعمونه، اللجوء إلى خيار شمشون، فتمت الإطاحة بتشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى كان قائماً فبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهو المجلس الذى كان قد تسلم مهمة إدارة شؤون البلاد فى الحادى عشر من فبراير 2011 مع تخلى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك عن الحكم؛ ومن ثَمَّ فقد ارتدى المجلس منذ ذلك التاريخ - أى منذ الحادى عشر من فبراير - قبعتين : إحداهما هى القبعة العسكرية، باعتباره مسؤولاً عن قيادة الجيش، والثانية هى القبعة السياسية/الدستورية، باعتباره مسؤولاً عن إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية - كما نصت المادة 61 من الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011 - "لحين تولى كل من مجلسى الشعب والشورى لاختصاصاتهما، وحتى انتخاب رئيس الجمهورية ومباشرته مهام منصبه، كلٌّ فى حينه"
    هذه القبعة السياسية/الدستورية التى ارتداها المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد الحادى عشر من فبراير هى إذن - وبنص الإعلان الدستورى - وظيفة استثنائية فرضتها الضرورة، ولم تكن هى وظيفة المجلس الأساسية التى عبر عنها فى بيانه الصادر فى العاشر من فبراير 2012، مما تجدون نصه بالفيديو المرفق بهذه الرسالة ... وبحكم هذه الضرورة التى جعلت المجلس يرتدى القبعة السياسية/الدستورية لم يكن ممكناً تعريف وظيفة القائد الأعلى للقوات المسلحة قبل انتهاء المرحلة الانتقالية، لا فى الإعلان الدستورى الأصلى ولا فى الإعلان الدستورى المكمل، وإلا لكان المجلس قد صار مرؤوساً لسلطات يشرف هو على إعادة تأسيسها وانتخابها، فضلاً عن أن الدستور الجديد الذى يحدد شكل نظام الحكم - هل هو رئاسى أم برلمانى أم مختلط - لم يكن قد تم إقراره ولا حتى الاتفاق على ملامحه بعد، وهو الوثيقة التى تحدد بالضرورة من سيكون القائد الأعلى للقوات المسلحة : هل هو رئيس الدولة، أم رئيس مجلس الوزراء، أم هو جهة ثالثة؟ وهل هى قيادة بعينها، أم هى مهمة تتم بالتنسيق بين أكثر من قيادة؟ ولأى آليات يخضع هذا التنسيق المفترض حال الأخذ به دستورياً؟!!
    منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة هذا كان هو السبب الحقيقى لتحرش الرئيس المنتخب بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ لحظة انتخابه، وقد تعامل مع هذه القضية باستخفاف شديد لا يتفق وخطورة المنصب الذى أراد انتزاعه عنوة دون مراعاة للأطر الدستورية التى تحكم انتقال السلطة، ودون أى تقدير لحساسية الأوضاع التى شكلت مسارات المرحلة الانتقالية؛ إذ تصور الرئيس - أو هيأت له جماعته - أن منصب رئيس الدولة ومنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة متلازمان بالضرورة، وأن عدم انتقال هذا المنصب إليه هو خصم من استحقاقات قررها له الشعب المصرى الذى أدلى بأصواته فى صناديق الاقتراع !
    ------------------------------------
    دعونا أولاً، ولكى ينضبط تحليلنا السياسى والتاريخى، نؤكد على ثلاث نقاط نظام ضرورية : أولاها هى ضرورة التمييز بين مجلسين : بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تكون فى عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، وظل قائماً حتى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهو المجلس الذى تسلم إدارة شؤون البلاد فى 11 فبراير 2011 بقبول شعبى عام، وبين ذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تشكل فى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهو المجلس الذى تكون دون إعلان صريح عن علاقته الدستورية بسابقه؛ فالخلط بين المجلسين، واعتبارهما مجلساً واحداً، هو خطأ جسيم فى التحليل السياسى والتاريخى، بل وحتى فى التحليل القانونى والدستورى لمرجعيات واختصاصات كل من المجلسين !
    صحيح أننا نتحدث عن نفس المجلس من الناحية المؤسسية، لكنهما مجلسان مختلفان من حيث التكوين، ومن حيث الاختصاص، ومن حيث العلاقة بين كل منهما وبين مؤسسة الرئاسة، أخذاً فى الاعتبار علاقة كل من المؤسستين - مؤسسة الرئاسة ومؤسسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة - بالشرعية الدستورية التى كانت قائمة خلال الفترة من الحادى عشر من فبراير 2011 وحتى الثانى عشر من أغسطس 2012، وهى الشرعية التى تم "الانقلاب الدستورى" عليها بقرار صادر عن الرئيس المدنى المنتخب !
    نقطة النظام الثانية هى ضرورة الاتفاق على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة - فى مرحلتيه المتتابعتين - لم يكن مجلساً من الملائكة، ولا مؤسسة الرئاسة بدورها كانت تديرها جماعة من الملائكة؛ فالمجلس والرئاسة كان يديرهما بشر، يفكرون ويقررون ويتصرفون كما يفكر ويقرر ويتصرف البشر، بكل ما يُحسَب لهم وبكل ما يُؤخذ عليهم؛ ولسنا هنا بصدد الحكم على هذه الأفكار وهذه القرارات وهذه التصرفات البشرية بالتفتيش فى نوايا أصحابها، نبيلةً كانت هذه النوايا أو خبيثة، فالنوايا لا يعلمها إلا الله؛ ولا نحن سنجازف بادعاء معرفة كاذبة بما كان يدور من مداولات هنا أو هناك وراء الأبواب المغلقة، فهى مداولات تبقى تفاصيلها ملك لأطرافها، وقد تبقى هذه التفاصيل سراً لا نعرفه أبداً، وحتى إذا تسرب منها بعد حين - وغالباً بعد رحيل كل أطرافها - بعض الأخبار فإنها ستبقى دائماً مما يستدعى الحذر عند التعامل معها ... ما نتناوله هو فقط الأفكار والقرارات والتصرفات المفصح عنها، ومدى اتساقها مع السياق العام لمنطق الأحداث كما هى مدونة فى الذاكرة التاريخية للبلاد
    أما نقطة النظام الثالثة فهى أننى لست بصدد الانحياز لممارسات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لا قبل 12 أغسطس 2012 ولا بعده، على حساب ممارسات مؤسسة الرئاسة؛ فقد كانت للطرفين أخطاؤهما، وبعض هذه الأخطاء كان كارثياً ! ...
    ... لا مؤسسة الرئاسة كانت قادرة على قراءة واقع الدولة المصرية بما يعين الرئيس على تمكين الدولة لا على تمكين جماعة سياسية بعينها، فعمقت الخلافات مع أطراف كثيرة حين كان يجب عليها مد جسور الثقة معها، وتماهت مع أطراف أخرى حين كان يجب عليها تعريف المسافات ! ...
    ... ولا المجلس الأعلى للقوات المسلحة امتلك بدوره قدرة التعامل مع مدنية الدولة بعقل مدنى يعمل بثقافة مدنية مغايرة للثقافة التى يتعامل بها العقل العسكرى مع شؤون الجيش ومؤسساته، فأظهر الشدة مع كثير من الأطراف حين كان إظهار اللين ضرورة، وأظهر اللين مع أطراف أخرى حين كان إظهار الشدة واجباً ! ...
    ... كلاهما - مؤسسة الرئاسة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة - كان عاجزاً عن قراءة ما يحدث فى مصر وفى العالم من تحولات تاريخية، فعمل كل طرف منهما على رسم صورة متوهمة لهذه التحولات، بعد أن استراح كل منهما لتصوراته التى هيأتها له حسابات لا علاقة لها بأى رؤية لخرائط ومسارات التاريخ؛ وهكذا بقيت التحولات التاريخية "الحقيقية" مكبوتة فى الحالتين لتنفجر لاحقاً فى وجه هذا الطرف أو ذاك، كل فى حينه، أو ربما لتنفجر فى وجه الجميع حين تعجز آليات الكبت عن منع لحظة الانفجار ... هذا هو ما حدث للمجلس العسكرى الذى كان قائماً قبل الثانى عشر من أغسطس 2012، وهذا هو ما حدث لمؤسسة الرئاسة بعد الثلاثين من يونيو 2013، وهذا هو ما سيحدث - إن عاجلاً أو آجلاً - لكل من لا يعرف أن شمشون لا يمكنه سحق لحظات الحقيقة حتى وإن كان قادراً على هدم المعبد فوق رؤوس أعدائه؛ فلحظات الحقيقة - حين تدق أجراسها - لا تميز بين رأس شمشون ورؤوس غيره !
    ---------------------------------
    هكذا أنهى هذه الرسالة باستدعاء مأساة شمشون، كما كنت قد أنهيت رسالتى السابقة بمأساة شمشون ذاته؛ لكن اسمحوا لى قبل أن نفترق، على أمل أن نلتقى فى الرسالة العاشرة قريباً إن شاء الله، أن أستدعى معكم قصة من قصص الأطفال التى نشأنا عليها صغاراً، لكن بعضنا - على ما يبدو - لم يتعلم منها شيئاً ... أستدعيها هنا علها تخفف عنا وطأة الموضوع، وعلها تساعدنا أيضاً على الولوج إلى موضوع الرسالة العاشرة بشئ من اليسر
    تقول القصة إن وعلاً كان يختبئ من صائديه وراء شجيرات كثيفة الأوراق تخفيه ولا تبدى منه شيئاً ... يئس الصيادون من العثور عليه، فاستدعوا كلابهم وهموا بالرحيل، وهنا شعر الوعل بالاطمئنان وقرر أن يكافئ نفسه بوجبة شهية ... أخذ الوعل يأكل أوراق الشجيرات التى كان يختبئ وراءها، فسمع الصيادون صوته وهو يمضغ الأوراق، وانتبهوا لمكانه بعد أن جرد الشجيرات من أوراقها فانكشف أمام صائديه الذين أصابوه ... وهكذا سقط الوعل صريعاً وهو يلوم نفسه لأنه كان ناكراً للجميل، إذ أفقده الجوع كل قدرة على التفكير، حتى أنه لم يدرك تداعيات ما فعله بنفسه وهو يغدر بالشجيرات التى كانت تضمن له سلامته وتحميه من السقوط !
    كل عام وأنتم بخير !
    ==========================

    https://www.facebook.com/hazem.a.hosny/videos/10211348924558171/?t=8








    Keine Kommentare:

    Kommentar veröffentlichen