عن خطاب ذى اللسانين
---------------------
لكل حاكم لسانان : لسان مخبوء فى فمه، لا يتحرك بكل ما يدور فى رأسه، ولا بكل ما يخفيه فى صدره، ولسان آخر أكثر خطراً مخبوء فى ضميره، يحرك إذا ما تحرك ألسنةً أخرى فى أفواه مريديه وداعميه المدافعين عنه وعن محاسن سلطانه ! ... ما قد نسمعه من "شرشحة" و"ردح" وتدليس أصحاب هذه الألسنة "البروكسى" هو تعبير صادق عن حقيقة هذا الحاكم، وعن طبيعة نظامه، رغم كل أقنعة التعفف وحُسْن الخُلُق التى يضعها صاحب السلطان هذا على وجهه وعلى لسانه !
---------------------
لكل حاكم لسانان : لسان مخبوء فى فمه، لا يتحرك بكل ما يدور فى رأسه، ولا بكل ما يخفيه فى صدره، ولسان آخر أكثر خطراً مخبوء فى ضميره، يحرك إذا ما تحرك ألسنةً أخرى فى أفواه مريديه وداعميه المدافعين عنه وعن محاسن سلطانه ! ... ما قد نسمعه من "شرشحة" و"ردح" وتدليس أصحاب هذه الألسنة "البروكسى" هو تعبير صادق عن حقيقة هذا الحاكم، وعن طبيعة نظامه، رغم كل أقنعة التعفف وحُسْن الخُلُق التى يضعها صاحب السلطان هذا على وجهه وعلى لسانه !
لم نسمع من صاحب السلطان هذا على امتداد فترة حكمه استهجاناً لهذا السقوط الأخلاقى، ولا هو عبر يوماً - ولو بكلمة واحدة - عن استنكاره لهذه الأساليب المنحطة التى تتناقض وأسطورة الرجل الخلوق، وخرافة صاحب اللسان العفيف "الصادق قوى" و"الشريف قوى إن شاء الله" ! ... حديث أى إنسان هو ما ينطق به لسانه، وما يستحسنه مما تنطق به ألسنة أتباعه وحلفائه ورهطه الأقربين؛ وقديماً قال واحد من كبار الفلاسفة، الذين يعتقد صاحب السلطان أنهم ينهلون من حكمته، أن "تحدث كى أراك"، وقد أضيف من جانبى لما قال هذا الحكيم أن "لا تتحدث حين يتحدث باسمك آخرون، فقد أرى فى صمتك حقيقتك، وأكشف به خبيئة نفسك" !
من هم يا ترى - فيما نسمع وفيما نرى - أصحاب الألسنة التى تلهج باسم صاحب السلطان؟! .. ما هى القيمة الفكرية والأخلاقية لأولئك الذين يستشهد بهم صاحب السلطان على حكمته، وعلى شرعية حكمه، وعلى قوة واستقرار سلطانه؟! .. ماذا نعرف عن هؤلاء الأتباع غير أنهم فى كل واد يهيمون، أو عن هؤلاء الحلفاء الذين تعرف حقيقتهم كل رمال الصحارى وكل مياه المحيطات؟! .. ما هو مستوى الثقة فى شهادة أولئك أو فى شهادة هؤلاء أمام الناس وأمام التاريخ؟!
أَقَرَّ صاحب السلطان بتلك الحقيقة أو أنكرها، فقد نطق لسانه بما نطق به هؤلاء، وتلطخت صورته حين اختلطت بصورتهم، أما حقيقته التى جاهد لإخفائها فقد فضحتها حقيقتهم المكشوفة أمام كل الناس؛ فلا يلومنَّ صاحب السلطان إلا نفسه، ولا يبحثَنَّ عن خلاصه فيما رسمه له هؤلاء من تهويمات خرائطهم، أو فيما زينته له "حكمته" مما تيسر لهؤلاء من خبرة متواضعة فى رسم خرائط الحياة، ومن علم أكثر تواضعاً بأسرار قراءة خرائط التاريخ !!
رسالتى هذه هى مجرد مقدمة لحديث قد يطول لتعرية واقعنا وتجريده مما نخدع به أنفسنا، ولفهم ظاهرة محمد على التى ظنها بعض الطيبين انقلاباً على سنن الحياة وثورة على سنن التاريخ، وأخيراً للإجابة عن السؤال الذى يحير الكثيرين وهو : لماذا نجح محمد على فيما فشلت فيه النخب؟! ... علّنا نستفيق !!
==================
جسد سياسى ملئ بالأدرينالين
----------------------------
عندما أقرأ بعض التعليقات على ما أكتب أشعر أن الجسد السياسى المصرى قد صار فيه من قوة الأدرينالين أكثر مما فيه من قوة العقل !
----------------------------
عندما أقرأ بعض التعليقات على ما أكتب أشعر أن الجسد السياسى المصرى قد صار فيه من قوة الأدرينالين أكثر مما فيه من قوة العقل !
بعض أصحاب التعليقات يتحدث عن الواقع المصرى وكأنه جالس فى قصر الرئاسة ليقرر ماذا يفعل بالسيسى وجنرالات الجيش ! ... بعضهم الآخر يتحدث وكأن المجلس الرئاسى السودانى - الذى يتخذه نموذجاً - هو مجلس مدنى منزوع الدسم العسكرى ! ... بعضهم الثالث لا يدرك أن مصر تنتظرها مرحلة تأسيسية صعبة لا علاقة لها بالقواعد الدستورية التى تحكم الدول المستقرة ! ... بعضهم الرابع تدفعه جرعات الأدرينالين الزائدة لالتقاط عبارات دون غيرها ليستثير بما تنتقيه عيناه إفراز الأدرينالين لحد التخمة ! ... بعضهم الخامس كره ما كتبته عن بيان اعتزام الفريق عنان الترشح للرئاسة لمجرد أنه بيان صادر عن رجل عسكرى دون أن يقرأ البيان ويحلل مفرداته ويفهم فلسفته، أو كأنه يدعو لاستبدال حكم عسكرى بحكم عسكرى بديل !
بعض أصحاب التعليقات لا يعرف ما هى حدود الفعل للشرط الضرورى، وما هى أبعاد الشرط الكافى ! ... بعضهم يتصور أن إرادة الشعب - بافتراض توفرها لدى جميع أفراده - هى الشرط الضرورى والكافى لتحقيق الخلاص، وكأنه لا توجد معطيات أخرى معاكسة لهذه الإرادة ! ... وبعضهم يتصور أن الحديث عن هذه المعطيات الأخرى التى تتحكم فى المشهد المصرى إنما هو حديث عن مصادرة إرادة الشعوب وقدرتها على إحداث التغيير ! ... يؤسفنى مصارحة الجميع بأن أولئك وهؤلاء إنما يعتمدون عقلاً تقليدياً، لا عقلاً منظومياً قادراً على التعامل مع سنن التاريخ الإنسانى، وأنهم يتناولون الأزمة المصرية وكأنهم يتناولون أزمة ناد رياضى ! ... حتى النوادى الرياضية تحكمها توازنات موضوعية، أحببنا وجود عناصر هذه التوازنات أو كرهنا وجودها !
لو كانت مصر ستتعامل مع مستقبلها وهى غارقة فى فيضان الأدرينالين هذا فهى ستكرر نفس أخطائها القديمة التى يبدو أن بعض المصريين قد أدمنوها ... بعضهم - عن حسن نية - يبحث عن الكمال والتمام الذى له شروط غير متوفرة فى الأسواق ! ... بعضهم الآخر - عن سوء تقدير - يبحث عن "الزيطة" الثورية بلا أى عقل ثورى يوجه الثورة ويرَشّد حراكها، فهم لا يقودهم فى هذه "الزيطة" إلا عقل المهرولين وراء "عربية الرش" ! ... أما بعضهم الثالث - عن سوء نية أو عن تشوه معرفى - فليس له من بوصلة توجهه إلا أن يفرض مفردات أجندته السياسية على مشهد تاريخى معقد لا علاقة له بهذه البوصلة الأيديولوجية ولا بما ترشدنا إليه من مقاصدها !
عقول يحركها هذا الأدرينالين الزائد هى آخر ما تحتاجه مصر للتفكير فى حاضرها وللتخطيط لمستقبلها ! ... طغيان مثل هذه العقول على حياتنا هو ما جعلنا منذ أكثر من قرن من الزمان نبحث بلا وعى عن الاستقلال التام أو الموت الزؤام، فلا نحن حصلنا بهذا الأدرينالين على الاستقلال التام، ولا نحن أراحنا من جنون الأدرينالين هذا الموت الزؤام الذى استدعيناه فلم يستجب لنا ولو بعد طول انتظار !
=====================
تفاؤل وحذر .. وكثير من القلق
---------------------------
لم أرغب فى الكتابة خلال الأيام القليلة الماضية رغم سخونة المشهد السياسى فى مصر، ورغم امتلاء هذا المشهد بإغراءات الكتابة عنه؛ ذلك أننى أعاف فكرة الهرولة "وراء عربة الرش"، كما يقول التعبير المصرى الشهير، فضلاً عن أن جيناتى العقلية إنما تقف عائقاً وجودياً بينى وبين السباحة مع التيار، وتحول بينى وبين المضى مغمض العينين وراء القطيع !
---------------------------
لم أرغب فى الكتابة خلال الأيام القليلة الماضية رغم سخونة المشهد السياسى فى مصر، ورغم امتلاء هذا المشهد بإغراءات الكتابة عنه؛ ذلك أننى أعاف فكرة الهرولة "وراء عربة الرش"، كما يقول التعبير المصرى الشهير، فضلاً عن أن جيناتى العقلية إنما تقف عائقاً وجودياً بينى وبين السباحة مع التيار، وتحول بينى وبين المضى مغمض العينين وراء القطيع !
بالطبع، فإن المشهد ملئ بالعناصر الإيجابية التى تدعو للتفاؤل، لكنه ملئ أيضاً بالعناصر الملتبسة التى تدعونا للحذر، وبعناصر سلبية يجب أن تستثير فينا الكثير من القلق، ولا أقول أبداً إنها تدفعنا بأى حال من الأحوال للتشاؤم؛ فالقلق محمود فى مراحل التحول التاريخى، أما التشاؤم فمذموم فى كل الأحوال باعتباره كابحاً لقوة الدفع التاريخية التى لابد للشعب المصرى أن يعمل على استثمارها لا إهدارها !
هناك - ولا شك - حراك محمود فى الشارع المصرى يعبر عن رفض شعبى لهذا النظام الذى أفقر المصريين ليبنى لنفسه ولدهاقنته قصوراً، محققاً لنفسه ولهم إنجازات لا يستفيد من أكثرها السواد الأعظم من المصريين ... لكن الحذر يبقى مطلوباً فى مواجهة أى قوى انتهازية - قديمة أو مستحدثة - تريد لهذا الحراك أن يخدم مشروعها السياسى، ويمكن فى هذا الشأن رصد أكثر من ظاهرة مقلقة طفت على السطح بمجرد أن بدأت الأحداث توحى بتحولات فى مواقف الجماهير الصامتة !
بيد أنه من الخطأ، بل هو من الحماقة، أن تدفعنا الدعوة المشروعة للحذر إلى توجيه دعوة مشبوهة لوقف الحراك الشعبى، أو إلى تجريمه ووصمه بما ليس فيه على نحو ما تفعل أذرع النظام الإعلامية التى تخصصت فى تشويه كل ما له علاقة بأى حراك جماهيرى حتى ولو كان سلمياً على مستوى التعبير عن أفكار أو عن مواقف وطنية مشروعة ومحمودة !
دون الدخول فى كثير من التفاصيل، ودون التطرق بإسهاب لما يقلقنى، اسمحوا لى أن أعرض باختصار تقييمى لبعض العناصر المهمة فى المشهد الحالى : ـ
أولاً : قام المقاول/الفنان محمد على بدور مهم فى كشف الغطاء عن فساد رأس نظام الحكم بما يمكن أن يقال معه إنه قد أفقده الاعتبار ... لم يحدث ذلك بسبب ما قاله محمد على فى فيديوهاته المتتالية كما يعتقد البعض، وإنما بسبب نجاحه فى استدراج الرجل للجلوس على كرسى الاعتراف فى مؤتمر الشباب الثامن، وإقراره - بثقة فى النفس تثير الذهول - بأن سياساته التى أفقرت الشعب المصرى إنما رافقتها سياسات لبناء قصور يعتقد - أو هو يريد من المصريين الاعتقاد - بأنها تجعل من مصر دولة عظمى "قد الدنيا" ! ... ما قاله السيسى فى هذا المؤتمر هو الذى غير مسار الأحداث، ووجهها إلى ما اتجهت إليه، لا مجرد دعوة للتظاهر وجهها محمد على ما كانت لتدفع المصريين للاستجابة لها لولا ما أقر به السيسى بحماقة سياسية منقطعة النظير !
ثانياً : الدور الذى أداه محمد على - أياً كانت دوافعه، وأياً كانت الثقافة التى أداه بها - هو دور إيجابى كان ضرورياً لاستفزاز وتحفيز محركات عجلة التاريخ المعطلة، حتى وإن كان قد حدث هذا التحفيز دون تخطيط من أحد، ولا من محمد على نفسه ! ... بيد أن رغبة محمد على فى تجاوز هذا الدور إلى أدوار أخرى، واستسلامه لغواية لعب دور المُنَظّر السياسى الذى يخطط لمصر وللمصريين كيف يكون شكل نظام الحكم، وكيف يكون شكل الدولة بعد انقضاء زمن السيسى، لن يكون فى حقيقته إلا إفساداً للدور الإيجابى الذى أداه حتى الآن، وتجاوزاً انتحارياً لما يمكنه تقديمه الآن وفى المستقبل القريب، وهو ما يذكرنى - مرة أخرى - بقصة عدَّاء تولستوى الذى لم يعرف ما هى حدود قدرته !
ثالثاً : فقط من باب الشئ بالشئ يُذكَر فإن مشروع نظام الحكم الذى عرضه محمد على فى فيديو الأمس لا يختلف كثيراً عن مشروع العقيد معمر القذافى الذى دشن عصر الجماهير وأنشأ جماهيريته التى لم يكن فيها رئيس للدولة، فهل نجح نموذج الجماهيرية هذا فى تحرير ليبيا من الديكتاتورية، أم أنه كان نموذجاً مؤذناً بديكتاتورية مطلقة؟! وهل بنى هذا النموذج دولة المواطن أم أنه هدم الدولة الليبية من أساسها ؟! ... أفترض هنا بطبيعة الحال أن محمد على قد عرض مشروعه السياسى هذا من باب الاجتهاد لا من أى باب آخر دفعته إليه - ربما دون أن يدرى - حسابات أخرى زرعها فى رأسه آخرون !
رابعاً : فى السابع من سبتمبر نشرت رسالة قلت فيها إن الحقيقة المؤسفة هى أن بقاء السيسى فى الحكم إنما تحكمه حسابات محلية وإقليمية ودولية معقدة، وهى حسابات مستمرة معنا لنحو عام ونصف العام، ولا يعرف أحد - إلا الله سبحانه وتعالى - ماذا سيكون شكل العالم وشكل الإقليم، ولا شكل مصر نفسها، بعد انقضاء هذه الشهور الثقيلة القادمة ! ... بالطبع فقد جرت فى النهر مياه كثيرة منذ كتبت هذه الرسالة، لكن الحقيقة المؤسفة تبقى كما هى، وهى أن الإطاحة بحكم السيسى ستبقى خياراً محكوماً بتغير الموقف الدولى من الرجل مهما بلغ مستوى الغضب الشعبى ضده ومهما كانت مظاهر رفض الشعب لحكمه؛ فهل غيرت أحداث الأيام الأخيرة من هذا الموقف الدولى؟ لا أدرى! الأيام القادمة وحدها تملك إجابة السؤال ! ... على أية حال، فإن ما سبق لا يتناقض مع حقيقة أن حراك الشعب المصرى يمكنه تغيير المعادلة الدولية التى تحكم بقاء السيسى فى الحكم أو الإطاحة به، لكن هذا الحراك لن يمكنه - بكل أسف - تجاهل هذه المعادلة، ولا الجيش المصرى نفسه سيمكنه تجاهلها !
خامساً : المعادلات الدولية المتشابكة مع المعادلات الوطنية لن تعمل لصالح المصريين إلا إذا استطاع المصريون - بمن فيهم الجيش المصرى - تجريد السيسى من أدوات تحكمه الديكتاتورى فى مفاصل الدولة المصرية، وهو أمر ضرورى وممكن إذا ما أرادت القوات المسلحة المصرية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة الجيش المصرى محلياً وإقليمياً ودولياً، وإنقاذ الدولة المصرية نفسها من الإهانة والتفسخ والانهيار ! ... الإطاحة بالسيسى ليست شرطاً ضرورياً، ولا هى شرط كافٍ، لإنقاذ الدولة وإنقاذ الجيش من السياسات التى أوصلتنا لهذا الوضع المتأزم؛ وبمنتهى الإخلاص، فإننى أكاد لا أرى حلاً لهذه المعضلة المصرية إلا ما سبق أن عبرت عنه منذ شهور طويلة من ضرورة التخلص من لعنة الاستقطاب الحاد بين ما هو مدنى وما هو عسكرى : الاستمرار فى عسكرة الدولة لن يكون هو الحل، بل هو فى حقيقته ما خلق الأزمة، كما أن إخراج الجيش تماماً من منظومة الحكم ليس حلاً قابلاً للتنفيذ، ولا هو مطلوب فى السياق المصرى المتأزم أصلاً !
هناك دائماً حلول وسط ممكنة يمكنها إخراج مصر من أزمتها ... رجاءً، ودون حساسيات من أى جانب من الجانبين، أن تقرأوا بهدوء خطاب إعلان الفريق عنان اعتزامه الترشح للرئاسة، فقد تجدون بين سطوره، إذا ما أبعدتم عن الخطاب وأنتم تقرأونه حساسيات ترشحه للرئاسة، حلاً للأزمة التى ستسحقنا تداعياتها حتماً إن هى استمرت أزمة بغير حل، فكل يوم يمر دون حسم هو فى حقيقته خصم من فرص النجاة، ومن فرص خروج الجميع من الأزمة آمنين !!
======================---________________________________________________
عن حيلة البعوضة وحيلة المنجنيق
------------------------------
من المفاهيم العلمية التى قد تستغلق على عامة الناس، وقد تستغلق على خاصتهم، مفهوم "اللاخطية"؛ وهو مفهوم بسيط فى تعريفه الأساسى، حتى وإن كان يتطلب التعامل الإجرائى معه فى كثير من الأحيان قدرات علمية خاصة لا يعنينا فى هذه الرسالة أن نتعرض لها ولو من بعيد !
------------------------------
من المفاهيم العلمية التى قد تستغلق على عامة الناس، وقد تستغلق على خاصتهم، مفهوم "اللاخطية"؛ وهو مفهوم بسيط فى تعريفه الأساسى، حتى وإن كان يتطلب التعامل الإجرائى معه فى كثير من الأحيان قدرات علمية خاصة لا يعنينا فى هذه الرسالة أن نتعرض لها ولو من بعيد !
دعونا نتعرف أولاً على مفهوم "الخَطِّيَّة"، فهو - كمفهوم اللاخطية - يتحدث عن العلاقة التى تربط البدايات بالنهايات، أو المقدمات بالمآلات، إذ يقال لمثل هذه العلاقة أنها "خطية" إذا ما كانت العلاقة بين المدخلات والمخرجات، أو بين الأسباب والنتائج، علاقة تناسب طردى أو عكسى؛ فإذا لم يتحقق هذا الشرط، وغاب عن العلاقة بين الطرفين هذا التناسب "الخطى" بين طرفيها، قيل عن هذه العلاقة أنها "لاخطية"، وهذه الأخيرة - على عكس العلاقات الخطية - "يمكن" أن تتعاظم فيها الأسباب فلا تفرز لنا إلا نتائج تافهة، كما يمكن أن تهون فيها الأسباب إلى درجة التفاهة فتفضى إلى نتائج عظمى لا تناسب بينها وبين الأسباب التى أدت إليها؛ فلا وجود لهذا التناسب بين طرفى العلاقة اللاخطية، وهو ما يجعل مهمة تتبع الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية اللاخطية مهمة محفوفة بالمغامرة وبعدم اليقين !
هذا هو بتبسيط شديد - أرجو ألا يكون مخلاً بالدقة العلمية - مفهوم اللاخطية الذى تقوم باستدعائه كل العلوم الحديثة، طبيعية كانت أو اجتماعية؛ ومن مفهوم "اللاخطية" هذا وُلِد تعبير "أثر الفراشة" الذى ربما كان أكثر شهرة من تعبير "اللاخطية" الذى لولاه ما فهمنا المقصود بأثر الفراشة أصلاً ! ... أثر الفراشة هذا قد يعبر عنه هذا القول المأثور الذى يتداوله المصريون حين يعللون ما يدهشهم من ظواهر حياتهم بقولهم : "تيجى على أهون سبب" !
المثال المشهور لأثر الفراشة - ومنه استمد هذا الأثر اللاخطى اسمه - هو أن فراشة ترفرف بجناحيها فوق غابات الأمازون "قد" تتسبب بفعل التداعيات "اللاخطية" لحركة جناحيها فى تكون إعصار مدمر يجتاح بعد شهور السواحل الشرقية للصين ! ... دعونا الآن من أثر الفراشة هذا، فالفراشات مخلوقات ضخمة إذا ما قورنت بالبعوض، ولنتناول أثر البعوضة الذى قد يكون أكثر تعبيراً عما أستهدفه برسالة قد يفهم مغزاها من تتمتع عقولهم بقدر معقول من المرونة وعمق التفكير، وقد يحتار فى تفسيرها أصحاب العقول الخطية - وما أكثرهم بيننا - ممن يديرون شؤون حياتهم - ويوجهون معها شؤون حياتنا - بمنطق النسبة والتناسب، فيعتقد بعضهم أن المشاريع الكبرى تصنع "بالضرورة" دولة كبرى، ويعتقد بعضهم على الجانب الآخر أن مصر ليست بحاجة لفكر ولا لتعليم ولا لثقافة لأنه ثبت على أرض الواقع أن محدوداً فى الفكر والتعليم والثقافة تمكن من تحريك الأحداث كما لم تحركها ثقافة ولا هى حركها تعليم ولا فكر !!
هذا النمط من التفكير الخطى، أو ما نسميه بالتعميم المجانى، إنما يصيبنى أحياناً بالهلع وأنا أرى شؤون حياتنا تتقاذفها مواقف بائسة لفئات عريضة من الشعب المصرى، إن كانت فى الحكم أو كانت فى المعارضة؛ فمشكلة مصر الحقيقية ليست فى حكامها دون نخبتها، ولا هى فى شيوخها دون شبابها، ولا فى إسلامييها دون علمانييها، ولا فى مسلميها دون مسيحييها، ولا فى يسارييها دون ليبرالييها، ولا فى عسكرييها دون مدنييها ... مشكلة مصر الحقيقية هى فى آليات التفكير الخطية التى اعتمدها العقل المصرى لقراءة واقع هو بطبيعته لاخطى، ففهمه هذا العقل المصرى وتعامل معه وكأنه واقع محكوم - على غير طبيعته - بعلاقات خطية لم يعد يرى العقل المصرى غيرها حاكماً لمستقبلنا، ولا هو بقادر على أن يرى غيرها حاكماً لحاضرنا ولا مفسراً لماضينا !
دعونا ندرب هذا العقل على غير ما اعتاده من آليات التفكير، ولنقرأ معه شيئاً - ولو يسيراً - من تاريخ الحروب علنا نرصد هذه العلاقة الملتبسة بين ما هو خطى وما هو لاخطى، أو نستكشف هذه العلاقة المجهولة بين المنجنيق، الذى كانت تخشاه أبراج القلاع وأسوارها الحصينة، وبين البعوضة التى يُضرَب بها المثل فى خفة الأشياء وهوانها ! ... لو أنكم قرأتم شيئاً فى التاريخ العسكرى وفى علاقته بتاريخ مرض الملاريا لاكتشفتم أن البعوضة كانت فى كثير من الأحيان أكثر فتكاً بالجيوش من المنجنيق؛ فكثيراً ما نجحت بعوضة فى غرس مثقابها - الذى يكاد لا يُرى بالعين المجردة - فى دماء القادة والجنود لتُخرِج جيوشاً بأكملها من الخدمة، ولتجعل المنجنيق - على ضخامته - عاجزاً عن الفعل ! ... لم تكن البعوضة فى كثير من الأحيان بحاجة للفتك بالجيوش، إذ كان يكفيها استهداف قادة هذه الجيوش لتفتك بهم الحمى، وتُدفن معهم مشاريعهم، وتتغير مسارات التاريخ ! ... الأمثلة كثيرة، ويطول الحديث عنها !
كثيراً ما غيرت البعوضة إذن مسارات التاريخ بأكثر مما غيرها المنجنيق ! ... حضارات بأكملها ربما تكون قد اختفت بسبب لدغة هذه البعوضة التى يستهين بها أكثر الناس ! ... بالطبع فإن كثيراً من البعوض يأتى إلى الحياة ويغادرها ولا يترك فيها أثراً يذكره الناس، لكن بعضه بكل تأكيد يترك وراءه ما يستقر فى الذاكرة الإنسانية كمحرك لضربات القدر التى غيرت مسارات الحياة الإنسانية كلها ! ... لكنه أحمق من يتصور أن هذه البعوضة التى يمكنها تغيير مسارات التاريخ الإنسانى تملك مهارات قائد عسكرى تأتمر بأمره جند المجانيق، والأكثر حماقة منه من يتصور أن البعوضة التى لا تأتمر بأمرها جند المجانيق لا تملك - رغم ضعفها وهوانها - حيلتها لتغيير مسارات التاريخ !
كلنا - فى الحقيقة - نأتى إلى الحياة ونمضى كما تأتى هذه البعوضة إليها وكما تمضى .. بعضنا - رغم هوانه - يغير مسارات التاريخ، وبعضنا الآخر يدهسه التاريخ وهو يمضى فى مساره، أو هو يسير فى ركاب التاريخ أينما يذهب به ذهب؛ لكننا جميعاً لا نساوى فى موازين الوجود أكثر مما تزن هذه البعوضة، حتى وإن ظن بعضنا فى نوبة غرور أنه يملك قوة المنجنيق أو حيلته للإبقاء على مسارات التاريخ كما يريدها منطق المنجنيق لا كما يريدها منطق الحياة !
======================
- __________________________________________________________________________________________
القيادة الزئبقية
------------
شهد عام 2011 حدثين حاكمين لمسارات الأزمة التى تعانى منها الدولة المصرية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتهاء تبعية مصر لدولة الخلافة التى استمرت ثلاثة عشر قرناً تخللتها فترات قوة وتقدم وازدهار كما فترات ضعف وتراجع واضمحلال ...
------------
شهد عام 2011 حدثين حاكمين لمسارات الأزمة التى تعانى منها الدولة المصرية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتهاء تبعية مصر لدولة الخلافة التى استمرت ثلاثة عشر قرناً تخللتها فترات قوة وتقدم وازدهار كما فترات ضعف وتراجع واضمحلال ...
... الحدث الأول هو ثورة الشباب، ومن ورائه الشعب المصرى، على ما صار ينخر فى عظام الدولة المصرية من ركود سياسى، وقمع أمنى، وفساد إدارى، وتراجع فى مستويات معيشة السواد الأعظم من المصريين رغم تحقيق معدلات نمو مرتفعة على المستوى الكلى ...
... أما الحدث الثانى فهو تسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة شؤون البلاد، بعد تخلى الرئيس مبارك عن الحكم، بما فى ذلك مسؤولية وضع الأطر التنفيذية لتحقيق أهداف الثورة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وليس من بين هذه الأهداف ما يمكن اعتباره خطأً يستحق التقريع أو التحذير من تكراره، ولم يكن تنفيذها بمنتهى "الصدق" و"الشرف" و"الأمانة" ليؤدى بأى حال من الأحوال لإضعاف الدولة داخلياً أو لإضعاف قدرتها على التعامل الكفء مع ما تواجهه من تحديات خارجية !
هما إذن حدثان لا حدث واحد ما تحكما فى مسارات الأزمة الوجودية التى تعانى منها الدولة المصرية منذ عام 2011، وذلك على عكس ما تقول به القيادة السياسية الزئبقية التى تسعى للخروج من أزمتها بإلحاق تدهور أحوال الدولة المصرية سببياً بأحد الحدثين، وكأنه الحدث الطارئ الوحيد دون الحدث الآخر الذى كان طارئاً بدوره؛ فكلاهما كان تداخلاً مع المسارات الدستورية من خارجها، وكلاهما اكتسب شرعيته بحكم الأمر الواقع لا بحكم التسلسل المعتاد لمنطق الحياة السياسية المستقرة !
لا أحد ينكر الأخطاء الكارثية التى وقع فيها أصحاب النوايا الحسنة من المراهقين الثوريين، ولا ما ارتكبته جماعات المصالح السياسية والأيديولوجية من خطايا التداخل الانتهازى مع أحداث الثورة لتحويل مسارها إلى وجهة أخرى تماماً غير وجهتها التى عبر عنها شباب الثورة يوم الخامس والعشرين من يناير 2011 ... بيد أن أحداً لا ينكر أيضاً أن مسؤولية حماية الثورة، وترشيد مساراتها، وتحقيق أهدافها المشروعة، إنما كانت تقع على عاتق من يتحمل مسؤولية إدارة شؤون البلاد بعد الثورة، لكنه - على العكس مما انتظره المصريون منه - سمح لجماعات الانتهازية السياسية بالقفز على الثورة واختطافها وتسيد المشهد السياسى تحت سمع وبصر صاحب السلطة التأسيسية بعد الثورة !
الحدث الأول، وهو اندلاع الثورة، لم يكن بأى حال من الأحوال مصدر ضعف للدولة المصرية فى مواجهة إثيوبيا أو غيرها من دول العالم، بل على العكس فإن هذا الحدث قد جعل مصر ملء السمع والبصر بعد أن أثبت شعبها أنه شعبٌ حىٌّ فتىٌّ، يأبى الضيم، ولا يتنازل عن حقوقه، وهى صورة ذهنية لا يمكن أن تدفع إثيوبيا أو غيرها للعب على وتر ضعف الدولة !
إذا كانت مصر قد ظهرت ضعيفة فى مواجهة إثيوبيا، أو فى مواجهة غيرها من الدول، فلسببين لا علاقة لهما بالمطالب المشروعة للثورة : أولهما السياسات الكارثية التى اتبعها المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقت توليه مسؤولية إدارة شؤون البلاد، إذ أهدرت هذه السياسات الكارثية كل عناصر القوة التى ظهرت بها مصر فى أعقاب الثورة ! ... ولنا أن نتساءل هنا عن من تراه كان المسؤول وقتها عن تقديم المعلومات ومقترحات الخطط للمجلس (على ما صرح به "الخبراء الاستراتيجيون" غير مرة)، ومن الذى كان ضابط الاتصال وقتها بين المجلس وبين شباب الثورة وجماعات الانتهازية السياسية فى البلاد !
أما السبب الثانى لإضعاف الدولة المصرية فى مواجهة التحديات الخارجية فى حوض نهر النيل وغيره فهو السياسات والقرارات الأكثر كارثية التى اتخذها الرئيس السيسى منذ توليه مسؤولية الحكم لمعالجة أزمة سد النهضة، حتى وإن حاول اليوم - عن طريق ما نسميه فى علم الإحصاء بالارتباط الزائف - أن يرحل مسؤولية هذه السياسات الكارثية على المصريين وعلى ثورتهم فى مناورة زئبقية مفضوحة يراهن صاحبها على قلة وعى المصريين بحقائق واقعهم السياسى، وعلى قلة خبرتهم بأساليب التملص الزئبقى من مسؤولية هذه السياسات الكارثية التى تزيد دولتهم كل يوم ضعفاً فوق ضعف، رغم مظاهر البهرجة التى يضخها الزئبق السائل يومياً عبر وسائل البروباجندا التى تُسَوِّق نفسها باعتبارها وسائل إعلامية تنشر الحقائق وترفع مستويات الوعى !!
===========================


































































Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen