عن صراع الحق والباطل، والتحرر من فقاقيع الوهم
--------------------------------------------------
لو أن تنظيم الإخوان كان قد اعترف بأخطائه فى فهم واقع الدولة المصرية، وبعجزه عن التعامل مع هذا الواقع بما يناسبه؛ ولو كان قد اعتذر التنظيم عن هذه الأخطاء، ودخل فى عملية مراجعة حقيقية وجذرية لكل منطلقاته الفكرية والحركية بدلاً من تضليل أتباعه ومريديه بنظرية المؤامرة، وما التاريخ الإنسانى فى حقيقته إلا سلسلة لا تنقطع من التدافع الإنسانى ... لو أن هذا كان قد حدث فلربما كان قد حصد التنظيم تعاطف قطاع كبير من المصريين الذين ثاروا على حكم المرشد، ولربما كان قد وجد التنظيم جسوراً تربط بينه وبين مؤسسات الدولة التى لم يعترف بها القادم الجديد لقصر الرئاسة، ولا هم اعترفوا بها من كانوا يحركونه بخيوط تنتهى بقانون السمع والطاعة إلى مكتب إرشاد الجماعة !
--------------------------------------------------
لو أن تنظيم الإخوان كان قد اعترف بأخطائه فى فهم واقع الدولة المصرية، وبعجزه عن التعامل مع هذا الواقع بما يناسبه؛ ولو كان قد اعتذر التنظيم عن هذه الأخطاء، ودخل فى عملية مراجعة حقيقية وجذرية لكل منطلقاته الفكرية والحركية بدلاً من تضليل أتباعه ومريديه بنظرية المؤامرة، وما التاريخ الإنسانى فى حقيقته إلا سلسلة لا تنقطع من التدافع الإنسانى ... لو أن هذا كان قد حدث فلربما كان قد حصد التنظيم تعاطف قطاع كبير من المصريين الذين ثاروا على حكم المرشد، ولربما كان قد وجد التنظيم جسوراً تربط بينه وبين مؤسسات الدولة التى لم يعترف بها القادم الجديد لقصر الرئاسة، ولا هم اعترفوا بها من كانوا يحركونه بخيوط تنتهى بقانون السمع والطاعة إلى مكتب إرشاد الجماعة !
لكنه، بدلاً من الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه لجموع المصريين الذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو، أخذ التنظيم يطالب هؤلاء بالاعتراف بخطئهم هم، وبالاعتذار عنه، بل وسعى التنظيم بكل ألاعيب الحواة التى تَمَرَّس عليها - وبدعم سخى من ممارسات سلطة "غاشمة" سيطرت على مقاليد الحكم فى مصر - لإدخال قطاع كبير من المصريين إلى فقاقيع الوهم التى يشعر ساكنوها دائماً بعقدة الذنب باعتبارهم المتسببين فيما أصاب مصر اليوم من استبداد، ومن مظالم، ومن خراب اقتصادى، بل ومن تجريف لكل تراث مصر التاريخى والحضارى الذى كان قد تراكم عبر آلاف السنين كما تراكمت تربة مصر التى تفقد اليوم خصوبتها، وتفقد مصر نفسها مع خصوبة أرضها عافيتها، وشخصيتها الحضارية، وحضورها الاستراتيجى، وظلها التاريخى بعد ما فعله ومازال يفعله بها "خليفة سليمان"، الذى لا رؤية تاريخية له، ولا هو له معرفة بالسياسة، ولا بكيف تنضبط الحياة المدنية، ولا هو يدرك الفرق بين بناء الدول وبناء الحضارات وبين بناء الفنادق وناطحات السحاب ومصانع الجمبرى منزوع الرأس !!
فقاقيع الوهم هذه يدافع عنها التنظيم كما يدافع عنها النظام، فكلاهما يريد المصريين أسرى "عقدة الذنب" : إما ذنب الخروج فى الخامس والعشرين من يناير، أو ذنب الخروج فى الثلاثين من يونيو ! ... ليس صحيحاً إذن أن النظام وحده هو الذى لا يريد للمصريين أن تنصلح منظومتهم المعرفية، فالتنظيم أيضاً لا يريد لهذه المنظومة أن ينصلح حالها ! ... النظام والتنظيم لا يريد كلاهما للوعى أن يخترق جدران "فقاقيع الوهم" هذه ليحرر عقول المصريين وضمائرهم؛ فلا تعليم يمكن أن ينجح ما لم يتحرر العقل من كل قيوده المفروضة عليه من خارجه، ولا هو سينجح ما لم تتحرر الضمائر من "عقدة الذنب" التى يريدها الطرفان أن تبقى كى لا ينحرف العقل عن مسار "الاجترار المقيد" إلى مسارات "التفكير الحر" !
عقدة الذنب هذه هى السوط الذى يلهب الروح المصرية إن هى قررت أن تهتك جدران فقاقيع الوهم وأن تنطلق إلى أقطار السموات والأرض لا يمسك بزمامها إلا سلطان العقل وإلا سلطان الضمير وقد تحررا من كل سلطان زائف يكبح أياً منهما، رفع هذا السلطان الزائف رايات الوطن فى مواجهة حروب الجيل الرابع والخامس والعاشر، أو هو رفع المصاحف على أسنة الرماح محتكماً لشريعة الرحمن، وكأنه يمكن للوطن أن ينجو، أو لشريعة الله أن تسود، والعقول والضمائر حبيسة فقاقيع الوهم !
لا أرانى أفعل فى الحقيقة إلا مواجهة هذا السلطان الزائف، حتى وإن كنت لا أملك سيفه ولا أنا أملك ذهبه؛ فمن أراد أن يبقى فى فقاعته فليهنأ له العيش فيها؛ فلا أنا سأضار إن هى امتلأت الأرض بهذه الفقاقيع التى لا تعرف من لغة العقل إلا لغة الاجترار، ولا هى تتحرك فيها الضمائر إلا بما تمليه عليها عقدة الذنب !
أعلم أن كثيرين قد وقعوا فى فخاخ هذه الفقاقيع، وراحوا يعترفون بأخطاء لم يرتكبوها، وبعتذرون عن أفعال لا يعتذر الحر عنها ! ... أفهم أن يعتذر من مكَّنوا "خليفة سليمان" من الجلوس على عرش مصر، رغم كل ما كان ظاهراً من أحواله قبل أن يترشح؛ لكننى لا أفهم لماذا يعتذر هؤلاء عن خروجهم فى الثلاثين من يونيو، وكأن هذا الخروج كان "بداية عهد" عنوانه الاستبداد والظلم والتفريط فى مقدرات الأمة، لا "نهاية عهد" عنوانه الفوضى والفتنة وانقسام المجتمع إلى أضداد لا تجمعها أمة واحدة، حتى وإن كان بين العهدين ما يجمع بينهما : أعنى اجتماعهما تحت عنوان جامع هو فشل الرؤية، وفشل المسار، وغياب المعنى، والخروج من التاريخ !!
-------------------------------
كنت قد بدأت سلسلة رسائل أرد بها على حملات الابتزاز التى تريد اصطياد المصريين داخل فقاقيع الوهم، لكن هذه السلسلة انقطعت بعد التمهيد لها - وقبل أن تبدأ - بخطاب مفتوح وجهته فى جزأين أرد به على حملة تريد أن تغسل ضمير التنظيم من ذنب الحاضر بإبراز أخطاء متوهمة ارتكبها من خرجوا فى الثلاثين من يونيو، لكنها فى الحقيقة أخطاء "خليفة سليمان" لا أخطاء من كتب الله على أيديهم هزيمة جالوت !
انقطع هذا الخطاب المفتوح بدوره كى أرد على ما رأيت أنه "حوارات برج بابل" التى غاب عنها حديث المنطق اكتفاءً بتخطئة الثلاثين من يونيو ولو بغير منطق يمكن أن يستند إليه أى حوار موضوعى يسعى لاستكشاف ملامح الحقيقة لا لطمس ما هو ظاهر منها ! ... نجحت - والحمد لله - فى أن أصل ما انقطع من جزأىّ هذا الخطاب المفتوح، لكن وصْل ما انقطع من سلسلة "واحنا كمان بنفكرك" قد يجعل الموصول مهترئاً من كثرة ما تعرض له من رتق، فقد انقطع ثلاث مرات أو أكثر، أخذاً فى الاعتبار هذه الرسالة التى لجأت إليه مضطراً لبيان مقصدى مما أكتب، إذ يبدو أن المقاصد قد اختلطت على بعضهم، أو هم يسعون لأن تختلط هذه المقاصد علينا !
كما ذكرت قبلاً - مراراً وتكراراً - فإن مقصدى ليس الدخول فى مساجلات هى - كحوارات برج بابل - لا تؤدى بنا إلى شئ، ولا أنا أقصد بها إقناع من تحزبوا ضد الثلاثين من يونيو بأن يقرأوا الأحداث التاريخية استقلالاً عن أية مواقف أيديولوجية يحلو لهم اتهام من يخاصمونهم باتخاذها تحت عنوان "معاداة كل ما هو إسلامى" !!! ... مقصدى مما أكتب هو فقط تقديم قراءتى المتواضعة للحدث التاريخى بشكل موضوعى، سعياً لتحرير وعى المصريين - أو بعض منهم - من القيود التى يفرضها من لا يرون فى أحداث التاريخ إلا أخطاءً ارتكبها أهل الباطل لإجهاض تجربة "أهل الحق"، الذين هم حاشية "خليفة سليمان"، إذا ما نحن صدقنا ما يقوله عن نفسه، أو هم جماعة "الإخوان" إذا ما نحن صدقنا الدكتور محمود حسين فى لقائه مع الأستاذ محمد ناصر !
يبدو أن مقصدى هذا قد أزعج بعضهم، ويبدو أن تحسبهم لما قد أكتب قد دفعهم لمحاولة تشتيت الحديث بعيداً عن مقصده الأصلى، حتى أن بعضهم - وبصيغة موحدة لا تخلو من انحطاط المقصد - قد راح يطالبنى بالكف عن الحديث عن الإخوان وأن أكتفى بالدفاع عن نفسى فى قضية الفريق عنان والمستشار جنينة ! ... وكأن الرجلين - لا سمح الله - لقيطان بلا أهل يمكنهم فضح ثالثهما الذى وشى بهما لدى من اعتقلهما وينتظر هؤلاء الأهل من عباقرة التعليقات المغرضة أن يقوموا بالمهمة : أعنى مهمة التشهير بشخصى، وتشتيت الحديث بعيداً عن الإخوان وعما أوصلنا للثلاثين من يونيو !
بعض عباقرة تشتيت الحديث هؤلاء أرادوا استدراجى لمعارك دفاعية أخرى تستنزف طاقتى بعيداً عن سيرة الإخوان، وعن أخبار مسؤوليتهم عما وصلنا إليه ... من هؤلاء هذا الذى طلب منى أن أختار لنفسى دوراً فى فيلم "الأرض" ليوسف شاهين، ولكن بعد أن أشار "بحسن نية" لهذا "اللقاء الذى جمع بين الفنان يحيى شاهين و محمود بيه و عودة يحيى شاهين الذى لعب دور ( الشيخ حسونه) الى القاهرة ووقوع محمود المليجى (الشيخ ابو محمد) فى يد العسكر" !
واضح طبعاً من هذا الطلب أن صاحبه قد اعتبر شخصية "محمد أبو سويلم" (وليس "الشيخ أبو محمد") تعبيراً عن الإخوان، وأن "الشيخ حسونة" هو تعبير ضمنى عن من خانوا الإخوان، أو خانوا الديمقراطية، أو خانوا الرئيس المدنى المنتخب ! ... وكأن محمد أبو سويلم كان يتشبث حتى اللحظة الأخيرة بالغنيمة لا بالأرض، أو كأن المعركة القائمة حالياً هى بين الحق الذى يمثله الإخوان والباطل الذى يمثله من واجههم وأسقط حكمهم؛ وكلها إسقاطات وأحكام مسبقة تدخلنا قسراً إلى إحدى فقاقيع الوهم التى تكاثرت علينا؛ فالتاريخ ليس صراعاً بين حق وباطل، إذ الأباطيل كثيرة، وصراع الحق معها هو كصراع الأساطير القديمة مع وحش له مئة رأس ومئة ذراع !
فإن كان أصحاب فقاقيع الوهم يعتقدون أنهم هذا الحق الذى يقاتل وحش الباطل الأسطورى ذا المئة رأس والمئة ذراع، فهنيئاً لهم ما يعتقدون فى أنفسهم، لكن ما يعتقدونه - أو يعتقده غيرهم - لن يجعل الباطل حقاً ولا هو سيجعل الحق باطلاً؛ فما أعرفه - من قراءتى المستفيضة لرمزية الأساطير القديمة - أن الفتى صاحب الحق لن يخوض معركته مع الباطل بصفته محارباً لا غير، وإلا لصارت كل الأباطيل المحاربة صاحبات حق ! ... الفتى صاحب الحق كما تقول الأسطورة المصرية القديمة - إنما ترعاه فى أحراش هذه الحياة ربة العلم ومعها رب الحكمة، وكلاهما قد يختبئ فى مكان ما فى أحراش هذه الحياة، لكنهما بالتأكيد لا يختبآن فى فقاعة من فقاقيع الوهم !!
دعونا إذن من كل هؤلاء الذين يشفقون على أنفسهم من طيف الحقيقة، ومن رباط المنطق الذى يربط بين مفردات الواقع، ولنبدأ فى رسالتنا القادمة بالمشهد الأول الذى يضع أولى علامات الطريق نحو الثلاثين من يونيو، وعله يكون المشهد الذى يجيب عن السؤال الأهم وهو لماذا لم يكن ممكناً انتظار السنوات الثلاث المتبقية من ولاية الرئيس المدنى المنتخب؟ ومن هو المسؤول عن إهدار مبدأ "حكمة الانتظار" لمصلحة مبدأ "حسم المجابهة"؟!
كما وعدتكم من قبل، فإننى لن أتحدث فى رسائل "الطريق إلى يونيو" إلا عن "رئيس مدنى منتخب"، ولن ألتفت إطلاقاً لخزعبلات من ينكرون أنه كان رئيساً منتخباً، ولا أنا سأتطرق لانتماءات هذا الرئيس الأيديولوجية، رغم علمى بأن انتماءاته الأيديولوجية تلك لن تغيب عن التعليقات المهووسة أو المسمومة التى ستصاحب رحلتنا ! ... فلنترك الجرح الذى تقيح يخرج صديده، فهذا أفضل من أن نخدع أنفسنا بتوهم أنه لا صديد يتجمع تحت الجلد !
============================
______________________________________________________________________________
خطاب مفتوح للأستاذ محمد ناصر 2/2
-------------------------------------
وبعد، فهذا هو الجزء الثانى من خطابى المفتوح إليكم، وكان قد قطع سياقه حديث رأيته ضرورياً عن حوارات برج بابل، وها أنا أصل ما انقطع بادئاً من عنوان الفقرة التى افتتحتم بها حلقة السادس من يوليو من برنامجكم "مصر النهارده"، إذ جاء العنوان الذى اخترتموه لتحميل هذه الفقرة على اليوتيوب على النحو التالى : "ناصر يتحدى استاذ العلوم السياسية الدكتور حازم حسنى لمناظرة سياسية" !
-------------------------------------
وبعد، فهذا هو الجزء الثانى من خطابى المفتوح إليكم، وكان قد قطع سياقه حديث رأيته ضرورياً عن حوارات برج بابل، وها أنا أصل ما انقطع بادئاً من عنوان الفقرة التى افتتحتم بها حلقة السادس من يوليو من برنامجكم "مصر النهارده"، إذ جاء العنوان الذى اخترتموه لتحميل هذه الفقرة على اليوتيوب على النحو التالى : "ناصر يتحدى استاذ العلوم السياسية الدكتور حازم حسنى لمناظرة سياسية" !
واسمحوا لى فى هذا السياق أن أوجه عنايتكم إلى ما كنت قد كتبت على صفحتى بتاريخ الثانى من يوليو، أى قبل فقرتكم التى استدعت هذا الخطاب المفتوح بأربعة أيام كاملة، من " أننى لا أريد [بما أكتب] سجالاً [معكم ولا مع غيركم] من خصوم الثلاثين من يونيو؛ فهو سجال عقيم لن يصل بنا إلى أى شئ، اللهم إلا إغراقنا فيما وصفته من قبل بأنه "خناقات ضراير"، وهى آخر ما أرغب بالتورط فيه، بل ولا أرغب فيه أصلاً .. لا أولاً ولا آخراً !" ... واسمحوا لى أيضاً بتأكيد ما كتبته بنفس التاريخ من "أننى لا أريد [بما أكتب] عن حدث الثلاثين من يونيو إقناع أى طرف بأنه على خطأ، ولا إقناعه بأننى على صواب؛ فالتاريخ [...] نسبى بطبيعة التدافع الإنسانى، وما يسجله التاريخ فى أضابيره هو حمال أوجه، خاصة وأننا ما زلنا فى قلب أحداث لم تنته إلى غاياتها بعد، ولم تفصح الأضابير عن كل أسرارها بعد ! ... ما أريده فقط [مما أكتب] هو أن يستجمع العقل المصرى أكبر قدر ممكن من عناصر الصورة التى مزقتها "خناقات الضراير" !
لا معنى إذن للغة التحدى، ولا للغة المناظرات، فالكل يعرض ما يرى ضرورة عدم إغفاله من "وقائع الحدث"، وليس من الأمانة أن نختلف بشأن أية وقائع "موضوعية" عايشناها وعايشها معنا كل المصريين؛ أما مواقفنا تجاه الحدث وتجاه وقائعه فهى ستبقى مواقف "ذاتية" لا يقف أى منها حجة على مواقف الطرف الآخر حتى يتحدى بعضنا بعضاً، أو حتى يناظر أحد أطراف الموقف الطرف الآخر ... دع الأفكار حرة إذن لا يقيدها إلا منطق صياغتها، ودع المواقف الذاتية تتسق أو تتناقض مع الوقائع الموضوعية، ودع عقول الناس وضمائرهم هى التى تحدد لكل إنسان إلى أى هذه المواقف والآراء يميل، بل لنترك لهذه العقول والضمائر الحق فى اتخاذ مواقف جديدة تستخلصها من تناظر الأفكار لا تكون لها علاقة بمواقفنا وكأنها المواقف المرجعية التى لا يجوز لأى مصرى أن يأخذ إلا بأحدها !!
------------------------------------------
والآن، اسمحوا لى أن أتطرق لتصحيح بعض المواقف والآراء التى نسبتموها لشخصى بغير وجه حق، إذ اتهمتمونى بممارسة نفس الأساليب "الغاشمة" التى يلجأ إليها النظام الذى يتهم مخالفيه بالحق وبالباطل بأنهم خلايا إخوانية أو إرهابية، كما اتمتمونى بأننى أنكر كون الدكتور محمد مرسى - رحمه الله - كان رئيساً لمصر، وبأننى ألومكم إذ تترحمون عليه أو تنحازون لفترة حكمه، ناهينا عن اتهامى بالرغبة فى تغيير التاريخ إرضاءً لموقفى من الأحداث ورأيى بشأنها ... إلى آخر هذه الاتهامات التى لا أعرف من أين استقيتموها، ولا ما هى مرجعياتكم التى اعتمدتموها لتوجيه هذه الاتهامات لى !!
فأما بخصوص الدكتور مرسى، رحمه الله، فأنا لم أوجه لكم أى لوم على نعيكم إياه، ولا على تناولكم سيرته باعتباره كان رئيساً منتخباً؛ ولو أنكم كنتم قد اطلعتم على ما كتبت بتاريخ الخامس من يوليو - أى قبل يوم واحد من فقرتكم التى استدعت هذا الخطاب المفتوح - لكان قد نما إلى علمكم أننى فى مسعاى لتقديم تحليل "موضوعى" للمسار الذى قادنا إلى الثلاثين من يونيو قد دعوت الجميع لتناسى أى انتماء سياسى أو أيديولوجى للدكتور محمد مرسى - رحمه الله - فلا ننعته بالرئيس الإخوانى، ولا نلحقه حتى بالتيار الإسلامى، ولا بأى تيار آخر؛ بل دعوت للتعامل معه فقط باعتباره كان "الرئيس المنتخب عبر صناديق الاقتراع" ولأن "نتناسى مؤقتاً علاقة هذه الصناديق بالديمقراطية، ففيها أحاديث تطول ولا أريدها أن تفسد علينا فهمنا للمسار البائس الذى أوصلنا لما نحن فيه" !
كتبت وقتها - وبالنص - إننى "أرجو أن يكون فى هذا الخط الذى ألزمت به نفسى [فى تحليلى للمسار الذى أوصلنا للثلاثين من يونيو] ما يساعد على التفكير الهادئ، وعلى الحكم الموضوعى على [مشاهدَ خمسةٍ حاكمة فى تحديد هذا المسار]، وهل كان هذا اليوم سبباً فيما وصلنا إليه أم هو كان نتيجة له، على غير ما نظن ونعتقد ويروج البعض منا؟!"
من حقكم - بل أراه من واجبكم الإعلامى - بيان الوقائع، كل الوقائع، ولا شئ غير الوقائع، التى أحاطت بمحاكمة الدكتور مرسى وبظروف وفاته رحمه الله؛ بل والتأكيد على ما ظللت أؤكد عليه دوماً أثناء حملة الفريق عنان "القصيرة" من أن العدالة يجب أن تكون معصوبة العينين، وإلا فنحن نصيب العدالة فى مقتل، بل ونصيب الدولة كلها فى مقتل باعتبار أن العدل هو أساس الحكم ! ... وعلكم لا تنكرون حقيقة أننى دعوت بُعَيْد وفاته، رحمه الله، لاحترام شرف الخصومة، وهو ما استقبله أنصار الدكتور مرسى بسب أبى وأمى - رحمهما الله - بأقذر الألفاظ وأحط العبارات، وهو ما لم يمنعنى من تقديم واجب العزاء لزوجته ولأبنائه، كان الله فى عونها وعونهم ... علكم تذكرون أيضاً - أو فلتعلموا إن كنتم تجهلون هذا - أننى فى وقت من الأوقات - وأثناء حياة الدكتور مرسى - قد انتقدت موقف اللواء سامح سيف اليزل - رحمه الله - حين أنكر فى أحد لقاءاته التليفزيونية أن يكون الدكتور مرسى رئيساً سابقاً لمصر يستحق أن توضع صورته بين صور رؤساء مصر السابقين ... نحن لا نسقط صورة عباس باشا الأول ولا صورة الخديوى توفيق من بين صور حكام مصر رغم أخطائهما الكارثية ! ... ولا نحن نؤيد أبداً ما فعله عبد الناصر بصورة الملك فاروق التى كانت تُمحَى من الأفلام السينمائية وكأنه يمكننا تغيير التاريخ بأثر رجعى ! ... فعن أى تاريخ أريد منكم تزويره تتحدثون، وعلى أى مشاعر إنسانية ترون أننى أسقطها تتباكون؟!
ثم رأيتكم تستدعون ما كتبه الأستاذ محمد عصمت سيف الدولة عن عدم منطقية تجاهل أى تيار سياسى، فمتى رأيتمونى أدعو لهذا الإقصاء أو هذا التجاهل لأى تيار سياسى؟ ... لم أدعُ لشئ من هذا، بل عبرت صراحة عن رأيى بأنه لا مجال لدعوة تنظيم الإخوان لجل نفسه، وأضيف هنا بأننى سأكون حزيناً جداً إن تمت تصفية الجماعة بالأساليب القمعية، فهى أساليب لا حكمة فيها ولا رؤية تاريخية، ولا يلجأ إليها إلا مفلس ليس فى خزينة أفكاره ما يواجه به الفكر بالفكر، ومشكلة الدولة المصرية ليست فى وجود التنظيم، وإنما فى غياب أى مشروع فكرى يكون نداً بل ومتفوقاً على مشروع الإخوان، وبغير هذا المشروع - الذى لا علاقة له بمشاريع الجمبرى منزوع الرأس - فإن الجماعة ستبقى حتى وإن تمت إبادة كل أعضائها !
علكم لا تعلمون أن لى صداقات مع قيادات كثيرة تنتمى لتيارات سياسية لا أتفق مع توجهاتها ولا مع أفكارها بالضرورة، والكثير منها قيادات محسوبة على ما يُعرَف بالإسلام السياسى، بل وبعض منها محسوب على التيار السلفى، وبعض آخر منها محسوب على جماعة الإخوان نفسها ! ... لا يعنى هذا بأى حال من الأحوال أن لا أواجه هؤلاء الأصدقاء بآرائى التى لا تتفق بالضرورة مع آرائهم، ولا هو يعنى أن أمتنع عن اتخاذ مواقف تخالف تلك التى يتخذونها، كما لا يعنى ذلك أن أقبل بأى تنظيم يتعامل مع الدولة المصرية باستعلاء وكأنه تنظيم ربانى قائم بذاته ولا يحتاج قانوناً ينظم نشاطاته، ولا لمؤسسات تراقب موارده ومصروفاته، ويتصرف باعتباره دولة خارج الدولة !!
--------------------------------
ها نحن نصل إلى أكثر ما آلمكم واستفزكم فيما كتبت، مما جعلكم تتهموننى بالترهيب السياسى، وبأننى أمارس نفس أسلوب النظام الذى يتهم معارضيه - بالحق أحياناً، وبالباطل فى أكثر الأحيان - بأنهم أعضاء فى جماعة الإخوان، ولا ينسى صاحب الاتهام إضافة بهارات الإرهاب حتى تستقيم التهمة جنائياً ! ... والحقيقة هى أننى لا أدرى لماذا أسقطتم الجزء الثانى من هذه الفقرة فى رسالتى التى استدعيتموها؟! ... لذا اسمحوا لى أن أستنسخها كاملة ثم أختتم خطابى المفتوح هذا بسؤال أرجو أن أجد عندكم إجابته ... لقد كتبت نصاً أقول :ـ
ـ "كم تؤلمنى هذه التحولات التى طرأت على الرجل وازدادت حدتها منذ وفاة الدكتور محمد مرسى، رحمه الله؛ فقد انعكست عليه كل ملامح الارتباك التى أصابت الجماعة بعد هذه الوفاة، وبدا توتره واضحاً فى هذه اللغة المنفلتة التى بدأ يكثر من استخدامها للحط من شأن كل مخالف لحق الإخوان فى الاستمرار بالحكم، بل وبدأ فى استدعاء رسائل حسن البنا والترويج لها وكأنها كنز فكرى، أو ترياق يطرد السموم التى ملأت فضاءنا المعرفى؛ ثم راح - على طريقة الجماعة - يستدعى آيات القرآن الكريم، المؤسِّسة لقواعد لها صفة "العمومية"، ليجعلها تنطق "تخصيصاً" بلسان الجماعة فى مواجهة مخاصميها ومعارضيها !"
أراكم وقد فسرتم كلماتى تلك بأنها اتهام لكم بالانضمام للجماعة، والحقيقة هى أننى لا يمكن أن أقع فى هذا الخلط لسببين : أولهما أننى عانيت على المستوى الشخصى من هذه الاتهامات الخزعبلية التى يرى مطلقوها أن أى موقف رافض لتوجهات وسياسات النظام هو دليل اتهام لصاحب هذا الموقف بأنه خلية إخوانية، أو حتى إرهابية، نائمة بل وربما يقظة ! .. أما السبب الثانى فهو علمى بأن التنظيم لا يمكن أن يقبلكم عضواً فيه حتى وإن أردتم الانضمام إليه، فهو تنظيم مغلق، شديد الحساسية تجاه أى عناصر لم تكن إخوانية منذ نعومة أظفارها، أو منذ بداية تكون أفكارها العقائدية التى يجب أن تكون إخوانية خالصة ! ... اتهامى لكم إذن بالانضمام للجماعة هو مجرد وهم صوره لكم شعور ما بأنكم تتمادون فى اتخاذ مواقف استجدت بعد وفاة الدكتور مرسى رحمه الله !
----------------------------
تتساءلون بلا شك عما تراه يكون قد استجد بعد وفاة الدكتور مرسى مما تسبب فى ارتباك الجماعة، ومن ثم انعكست ملامح هذا الارتباك عليكم إعلامياً ... دعنا للإجابة عن هذا التساؤل نستدعى اللقاء الذى جمعكم بالأمين العام لجماعة الإخوان، الدكتور محمود حسين، فقد بدا الرجل فى حالة ارتباك شديد بسبب وفاة الدكتور مرسى الذى كان فى حياته ورقة الإخوان التى يلعب بها التنظيم باسم "الشرعية"، على الأقل بين أتباع التنظيم، للحفاظ على مشروعه السياسى الذى كان عرضة - بغير هذه الورقة - للتصدع الكامل، ومن ثم انصراف قطاع عريض - وخاصة من بين الشباب - عن قيادات التنظيم، وعن التنظيم نفسه !
بوفاة الدكتور مرسى المفاجئة - وإن كانت لها بكل تأكيد مقدماتها التى يخرجنا التطرق إليها عن سياق تحليلنا - فقدت الجماعة، أو فقد التنظيم، كل منطق يدعم سعيه لاستعادة ما ظل يردده منذ خطاب "الشرعية" الأخير للدكتور مرسى؛ وهكذا شعرت قياداته - أو بعض هذه القيادات على أية حال، خاصة من جبهة الدكتور محمود حسين ورفاقه - بضرورة البحث عن خط آخر للشرعية غير "الشرعية السياسية" التى فقد التنظيم ورقتها بوفاة الدكتور مرسى، وكان هذا الخط البديل هو خط "شرعية الدعوة الإخوانية"، باعتبار أن الجماعة هى جماعة "ربانية" تحمل الخير لمصر !
فى هذا الظرف المرتبك لم يكن أمام الجماعة - أو أمام التنظيم - تحميل هذا "الخير الربانى" على عربة "مشروع سياسى" صار مهترئاً بحكم الأمر الواقع محلياً وإقليمياً ودولياً، بل وقدرياً بوفاة الدكتور محمد مرسى رحمه الله؛ ومن ثَمَّ فإنه لم يكن أمام التنظيم إلا تحميل هذا "الخير الربانى" على عربة "المشروع الدعوى" الإخوانى الذى يأمل التنظيم إحياءه بديلاً عن مشروعه السياسى المجمد إلى أجل غير مسمى فى ثلاجة الواقع المصرى المعاصر !
هذا هو ما يفسر لماذا نفى الدكتور محمود حسين عن نفسه وعن جبهته أى ميل للعمل السياسى، بل ولماذا نفى وجود أى مشروع سياسى أصلاً، كما يفسر لماذا بدأ الرجل فى تبنى لغة تسعى لإحياء الأبعاد الدعوية لجماعة الإخوان كما أسسها حسن البنا فى رسائله التى - وبا للمصادفة - كانت حاضرة على طاولة اللقاء منذ بدايته وحتى نهايته، بل وبدأتم بالإشارة إليها ولقيمتها الفكرية قبل بدء توجيه الأسئلة للأمين العام للجماعة، ثم حرصتم بعد انتهاء اللقاء على الإشارة مرة أخرى - ودون ضرورة "واضحة" - إلى هذه الرسائل فيما يشبه الدعوة لقراءتها والأخذ بها، ومن ثم المساهمة فى إعادة الشرعية للخطاب الإخوانى مع تحور الخطاب من "شرعية المسار السياسى" للتنظيم إلى "شرعية مساره الدعوى" !
إذا لم يكن هذا ارتباكاً أصاب خطاب الجماعة بعد وفاة الدكتور مرسى، رحمه الله، مما انعكست ملامحه ارتباكاً فى مرآة خطابكم الإعلامى، فماذا عساه أن يكون؟! ... هل يمكن أن يكون مجرد مصادفة لا تحتمل كل هذا الربط بين مفرداته التى يمكنكم بطبيعة الحال اتهام من طرحها بالتعسف؟! ... لا بأس، فلكم هذا الحق إن أردتم استخدامه، لكن اسمحوا لى - وقد وصفتم رسائل حسن البنا بأنها ذات قيمة فكرية كبرى تحمل كل الخير لمصر - أن أتوجه لكم بسؤال بسيط، ولكن بعد أن أجيبكم بدايةً عن سؤالكم الذى طرحتموه علىَّ، فليس من الإنصاف أن أطالبكم بالإجابة وأمتنع أنا عنها !
تسألنى يا عزيزى إن كنت أميز بين الثلاثين من يونيو وبين الثالث من يوليو، وإجابتى هى : بالطبع أميز بينهما ! لكن هذا لا يعنى أننى أوافقكم بالضرورة فى تقييمكم للحدثين، فأنا أرجئ هذا التقييم لرسائل أخرى كنت قد بدأت التقديم لها برسالتين تحت عنوان مشترك لم تستريحوا إليه وهو "واحنا كمان بنفكرك"، فجاءت فقرتكم مساء السادس من يوليو لتقطع تسلسل أفكار هذه الرسائل ... لكن لا بأس، فكل تناول نقدى للآراء والمواقف يفيد فى تحريك المياه الراكدة التى صارت رائحتها تزكم أنف الوطن وتمنع مستقبله من أن يتنفس !
أما وقد أجبتكم عن سؤالكم، فاسمحوا لى بأن أطرح سؤالى : هل توافقون على ما جاء برسائل حسن البنا من أن الوطن يُعَرَّف بالعقيدة ولا يُعَرَّف بالتخوم الجغرافية؟! ... هذه واحدة من أخطر العبارات التى وردت فى هذه الرسائل التى وصفتموها بأنها تحمل قيمة فكرية عليا تحدد لنا ملامح الطريق إلى المستقبل - الدعوى أو السياسى، لا فرق - وهى عبارة تؤسس للمبدأ الذى جعل المرشد العام للجماعة يقول بأن المسلم الماليزى أقرب إلى المسلم المصرى من المسيحى المصرى؟ ... أنتظر منكم الإجابة لأعرف إن كان ارتباك الجماعة بعد وفاة الرئيس مرسى، رحمه الله،
قد انعكست ملامحه عليكم أم لا !
تحياتى وتقديرى لشخصكم الكريم !
===========================
________________________________________________
حوارات برج بابل
-------------------
كنت أود أن أنعم بنحو أربعة أيام أقضيها فى مناجاة بحر الأسكندرية، طلباً للتأمل الهادئ فى رسائله التى قد تبوح بها أمواجه، مستلهماً فى ذلك عنوان فيلم "رسائل البحر" للمبدع داوود عبد السيد، ومستوحياً أيضاً لأفكار وضعها الروائى والمؤرخ الفرنسى "ماكس جاللو" فى رواية كانت قد صدرت له منتصف سبعينات القرن الماضى عنوانها
Que sont les siècles pour la mer
لم يضع "ماكس جاللو" أمام العنوان علامة استفهام، فهو ليس سؤالاً إذن بل هو جملة خبرية، أو ربما هو جملة إنشائية تعبر عما تركته القرون من بصمتها على البحر الذى لا يأبه يمرور الأيام ... من ينظر للمدينة يرى بوضوح ما فعلته بها القرون التى مضت منذ أسسها الإسكندر، بل وما فعلته بها العقود القليلة الماضية؛ أما من ينظر إلى البحر فسيراه كما هو، وكما انطبعت صورته فى عينىّ الإسكندر وهو يقف على شاطئه، منذ أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً، مناجياً هوميروس، الذى كان قد غادر دنيانا قبل هذه اللحظة العبقرية بنحو خمسة قرون، مُقِراً بعبقريته عندما اختار هذا الموقع دون كل شواطئ المتوسط ليكون المكان الذى ينسج فيه بعض الأحداث الحاكمة فى أوديسته !
-------------------
كنت أود أن أنعم بنحو أربعة أيام أقضيها فى مناجاة بحر الأسكندرية، طلباً للتأمل الهادئ فى رسائله التى قد تبوح بها أمواجه، مستلهماً فى ذلك عنوان فيلم "رسائل البحر" للمبدع داوود عبد السيد، ومستوحياً أيضاً لأفكار وضعها الروائى والمؤرخ الفرنسى "ماكس جاللو" فى رواية كانت قد صدرت له منتصف سبعينات القرن الماضى عنوانها
Que sont les siècles pour la mer
لم يضع "ماكس جاللو" أمام العنوان علامة استفهام، فهو ليس سؤالاً إذن بل هو جملة خبرية، أو ربما هو جملة إنشائية تعبر عما تركته القرون من بصمتها على البحر الذى لا يأبه يمرور الأيام ... من ينظر للمدينة يرى بوضوح ما فعلته بها القرون التى مضت منذ أسسها الإسكندر، بل وما فعلته بها العقود القليلة الماضية؛ أما من ينظر إلى البحر فسيراه كما هو، وكما انطبعت صورته فى عينىّ الإسكندر وهو يقف على شاطئه، منذ أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً، مناجياً هوميروس، الذى كان قد غادر دنيانا قبل هذه اللحظة العبقرية بنحو خمسة قرون، مُقِراً بعبقريته عندما اختار هذا الموقع دون كل شواطئ المتوسط ليكون المكان الذى ينسج فيه بعض الأحداث الحاكمة فى أوديسته !
أيقظتنى من هذه التأملات أخبار فقرة حوارية أدارها الأستاذ محمد ناصر يوم الاثنين الماضى فى برنامجه على مدى نحو تسعين دقيقة كاملة ! ... كانت الفقرة الطويلة حول الجزء الأول من رسالتى المفتوحة إليه، والتى كنت قد نشرتها قبل سفرى بقليل ... سأحاول أن أنحى نظرية المؤامرة جانباً، رغم ما أصاب رحلة التأملات من دمار بسبب هذه الفقرة الحوارية التى نقلتنى من حوارات الإسكندر مع طيف هوميروس إلى حوارات برج بابل التى لا يجمعها موضوع يجمع المتحاورين، فكل واحد منهم - اللهم إلا من رحم ربى - مشغول بما يقول ولا يعنيه فى شئ معانى ما يسمع !
مع كامل احترامى للجميع، فإننى لا أستثنى من احتفالية برج بابل هذه إلا ما تفضل به الدكتور مختار كامل من الولايات المتحدة، لا لأنه أنصفنى، وهو ما أشكره عليه، ولكن لأنه الوحيد من بين المشاركين الأربعة الذى تناول فى تعليقاته ما كتبت لا ما لم أكتب، كما أنه الوحيد من بينهم الذى استجمع منطق الخطاب، واستطاع بتنقيبه فى هذا المنطق استخراج المعانى التى تضمنها خطابى المفتوح، فلم ينشغل عنها - كما انشغل غيره - باستخراج معان أخرى تستجيب لمواقف أيديولوجية لم تكن لكلماتى أى صلة قرابة بها !
دعونى أبدأ من نهاية الفقرة الحوارية التى ضمت - بجانب الدكتور مختار كامل، والأستاذ محمد ناصر - كلاً من الصديق العزيز الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، والباحث السياسى الأستاذ محمد الجبة ... فقد فاجأنى الأستاذ محمد ناصر - بعد كل ما أنفقت من جهد البيان المنطقى - بأنه لم يكن قادراً على التفرقة بين منطق "البعدية" ومنطق "السببية"؛ فليس معنى أن حدثاً قد وقع بعد حدث آخر أن هذا الأخير كان سبباً فى الحدث الذى تلاه ! ... لن أستفيض فى هذا بأكثر مما استفضت فيه قبلاً، فأنا حريص على ادخار طاقة الحوار التى وهبنى الله إياها، وعلى عدم تبديدها فى ردهات برج بابل !
لا أفهم أيضاً لماذا يلومنى الأستاذ محمد ناصر على ما فعله حامل الكلاشنيكوف، اللهم إلا إذا كانت هذه محاولة يائسة لترحيل المسؤولية عمن مَكَّن حامل الكلاشنيكوف هذا من أن يتحكم فى كل مخازن السلاح وفى كل مخازن الذخيرة؛ فلا أنا من سلّمه مفاتيح هذه، ولا أنا من سلّمه مفاتيح تلك !
وأخيراً، فأنا لا أعرف ما علاقتى بحكاية "الكنبة"؟ ... فقد كنت فى يوم من الأيام فى مرمى الممسك بالكلاشنيكوف، ومازلت حتى هذه اللحظة أقف فى مرماه، لكننى لم أختبئ منه يوماً تحت الكنبة، بل واجهته فى أخطر اللحظات بما أملك، وهو سلاح الكلمة، عله يفيق من نشوته وهو يطلق الرصاص على كل ما يتحرك ... لم أسع يوماً لاسترضائه على حساب الحقيقة وهى أن جنون التوظيف الخاطئ لسلطة الكلاشنيكوف لن يصنع مع الأيام قوته، بل هو سيعمل على إضعافه كلما مرت الأيام، إذ ستنفد إمدادات الذخيرة يوماً ما حتى لا تتبقى له إلا طلقة واحدة يعلم الله وحده من نصيب من ستكون .. الأرجح أنها ستكون من نصيب من يطلقها، فمن قرأ التاريخ وتفوق فيه - كما يدعى حامل الكلاشنيكوف - يعرف جيداً كم هى عجيبة وملغزة تصاريف القدر !
----------------------------------
أنتقل الآن لمناوشة الصديق العزيز الدكتور سيف عبد الفتاح، فالمناوشات بيننا قديمة وممتدة منذ ما قبل ثورة يناير بسنوات طويلة، وعله قرر أن يناوشنى - ولا بأس فى ذلك - بعد أن قرر أن "علم السياسة" (بصيغة المفرد) هو كل "العلوم السياسية" (بصيغة الجمع) دون باقى علومها التى تدرس فى كلية الاقتصاد وكلية الآداب وكلية الحقوق وغيرها من مدارس العلم .. بعض هذه العلوم قديم، بل هو أقدم بقرون طويلة من "علم السياسة" الذى لم يتأسس إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعضها الآخر حديث لم يكتمل تأسيسه بعد، لكننى أجتهد كما يجتهد غيرى فى فهم فلسفاته وأطره المفهومية المستحدثة التى تقدم لنا رؤى جديدة لفهم الظواهر السياسية، بل وتقدم لنا مناهج تفكير مبتكرة لفهم ما استجد من ظواهر سياسية فى ظل ثورة التكنولوجيا، وثورة المعلومات، وثورة المعرفة، وثورات أخرى كثيرة تعيد تشكيل العالم، كما تعيد تشكيل المستقبل، بما تعجز أدوات التفكير البالية عن فعله حتى وإن تشبث بهذا الذى بلِىَ من لازال يعتقد أن العالم باق على ما كان عليه منذ عشرة قرون، أو منذ عشرين قرناً، ومع ذلك الوهم فإنه مازال يحلم بأستاذية العالم !!
دعونا من كل هذا، فأنا لا ألوم الدكتور سيف عليه، بل ألوم نظماً أكاديمية بالية أساءت ترجمة اسم "علم السياسة" وهى تنقله إلى العربية، كما ألومها وهى تتعامل مع خرائط العلوم بلا خرائط معرفية، وبلا وظيفة حقيقية للعلم فى مجتمعنا، وبلا رؤية تحكم البيئة المعرفية التى تقود مصر إلى مستقبل يتشدق به الجميع دون إدراك الفروق القائمة بين اتجاهات الزمن !
ما أدهشنى فى مداخلات الدكتور سيف حقاً هو حكمه القاطع على ضلال التفكير عندى دون أن يرشدنا بعلمه إلى مواضع هذا الضلالات، مكتفياً بحديث لم أفهمه عن "أيام الله" ! ... أعترف بأن تكوينى المعرفى يعجز عن استخلاص العلاقة بين حديث "أيام الله" (ونِعم بالله) وبين أحداث الثلاثين من يونيو ! ... فهل المقصود هو ما يردده القصص الدينى عن جزاء من عاثوا فى الأرض ضلالاً وظلماً؟ ... إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون لى فى هذا الشأن سؤالان، أو فلنقل أنهما تساؤلان : أولهما هو ألا تنصرف أيام الله هذه على من ضلوا وظلموا بعد الثلاثين من يونيو (والبَعد ليس سبباً) كما تنصرف على الذين ضلوا وظلموا قبل هذا التاريخ؟! أعنى أنه لا يوجد فى سنن الله (ونِعم بالله) ما يقول بأن جماعة الإخوان معصومة من الخضوع لحكم "أيام الله" إن هى جاءت عليها ولم تكن لها ! ... أما التساؤل الثانى فهو هل الحديث عن "أيام الله" هو أحد مباحث "علم السياسة"، أو مباحث أىٍّ من "العلوم السياسية" الأخرى، أم هو حديث دعوى قد يصلح للمنابر الدينية، وللوعظ والإرشاد، لكنه ليس حجة علمية تحكم بضلال المنطق أو بانحراف مسارات التفكير !
أخيراً فإنه يزعجنى أن يصدر الدكتور سيف حكماً على شخصى المتواضع بأننى أتعامل مع الثلاثين من يونيو باعتبارها كتلة صماء، وأعتقد أن فى الفيديو المرفق ما يثبت أننى لست هذا الرجل الذى تحدث عنه الدكتور سيف الذى أشفق عليه وهو يصدر بلهجة واثقة آمرة حكمه القاطع بأن علىَّ الاعتراف بخطأى والاعتذار عنه، إذ أخشى أن ينتظر الدكتور سيف طويلاً قبل أن يأتيه هذا الاعتذار، فهو يعلم بحكم زمالتنا لسنوات طويلة أننى لست الرجل الذى يعتذر عن معارك خاضها وانتهت لصالح ما يراه حقاً لمجرد أن ثمة معارك جديدة قد بدأت فى مواجهة ما يراه باطلاً؛ فلا هو سيأتى هذا الاعتذار اليوم ولا غداً، ولا هو سيرسل حتى مندوباً عنه يعده بالمجئ فى اليوم التالى ثم لا يأتى كما فى المسرحية الشهيرة !
عزيزى دكتور سيف، مع تقديرى لكم ولعلمكم، لكن "جودو" الانتظار الذى تأمل فى مجيئه لن يأتى، بل إن انتظارك لمجيئه هو ما أعطى للممسك بالكلاشنيكوف الفرصة ليناور ويثَبِّت موقعه؛ فإذا جاز لى أن أدعوكم لإدراك هذه الحقيقة بعيداً عن لغط برج بابل، فها أنا ذا مخلصاً أدعوكم إليه !
---------------------------------
أصل لنهاية هذا التعليق الذى أكتبه مرغماً كى لا تضيع الحقيقة بسبب أوهام ترتدى أوشحة العلم، فمع احترامى للأستاذ محمد الجبة، الذى أتمنى له مستقبلاً مع التحليل السياسى المنضبط، إلا أننى لا أرى هذا المستقبل ممكناً إذا ما بقى لائذاً ببرج بابل الذى يعتقد سكانه أن كلمة السر هى "الصندوق" فى مواجهة "الانقلاب" ... أدعو الله أن يحيينى حتى أكتب فى الأيام القليلة المقبلة قصة الطريق إلى الثلاثين من يونيو، وأتمنى أن يقرأها الأستاذ الجبة بعناية عله يجد فيها ما يساعده على فهم لماذا كانت الثلاثين من يونيو، ومن هو المسؤول الأول عنها !
وأخيراً، أسمحوا لى بأن أهدى فريق الإعداد بقناة مكملين هذا الفيديو المرفق بدلاً من ذاك الفيديو الذى عرضوه قبلاً فى برنامج الدكتور زوبع، ظناً منهم بأنه يديننى، وقد علقت عليه فى حينه، ثم عادوا ليعرضوه لنفس الهدف ببرنامج الأستاذ ناصر دون فهم له فى سياقه التاريخى ... بديلاً عن كل هذا النَصَب (بفتح الصاد) وهذا العناء الذى يتجشمونه لإدانة موقفى، لماذا لا تسمحوا لى بإدانة نفسى، وبيان مدى غفلتى، بهذا التسجيل المرفق للقاء شاركت فيه، كان قد تم على قناة "الحرة"، ويعود تاريخه إلى أول يوليو 2013، فهو سابق على التسجيل الذى يواظبون على إذاعته، ويفسر بعض ما جاء فيه !
لقاء "الحرة" هذا كان قد جمع بينى وبين ثلاثة آخرين هم الأستاذ خالد داوود، المتحدث وقتها باسم جبهة الإنقاذ، والأستاذ أحمد عطوان، بصفته وقتها عضواً باللجنة الإعلامية لحزب "الحرية والعدالة"، والأستاذ محمود سلطان، رئيس التحرير التنفيذى لصحيفة "المصريون"، وهى ذات اتجاه إسلامى وإن لم يكن إخوانياً ... اللقاء استمر لتسعين دقيقة، اخترت منها نحو ثلاثين دقيقة فقط أراها كاشفة لمسارات الحوار ولآراء ومواقف كل المشاركين ... قبل نهاية هذا اللقاء بقليل أعلنت وسائل الإعلام المصرية أن القيادة العامة للقوات المسلحة ستلقى بياناً بعد قليل، وبمجرد انتهاء اللقاء صدر البيان بالفعل ونحن نخرج من الاستوديو، أى أن جميع الآراء التى أبداها رباعتنا قد تمت قبل دقائق من صدور البيان الأول المشهور بإنذار الـ 48 ساعة !
أرجو أن تستمتعوا بهذا التسجيل لتدركوا كم كانت غفلتى وقتها، ولتلحظوا ما ظهر على شخصى المتواضع من عجز عن قراءة المشهد السياسى، ومن ارتباك عندما داهمنا خبر البيان الذى كانت القيادة العامة للقوات المسلحة بصدد إصداره وقتها ... عفواً، فأنا لست أستاذاً بقسم "العلوم السياسية"، ولا أنا كانت لدى حنكة الانتباه لنوايا الجيش كما كان منتبهاً لها ممثل الإخوان باللقاء ! ... رحم الله الدكتور محمد مرسى، فقد راح ضحية هذه الغفلة من جانبى، وعدم فهمى لحكمة تنظيم الإخوان الذى أخلص له النصيحة كما أخلصها لكل أعضائه !!
ملحوظة أخيرة، وكى لا تضيعنا همهمات ساكنى البرج معها فى أوهامها، فأنا لم أقل فى هذا التسجيل أن الممسك بالكلاشنيكوف سيكون أميناً على ما دعا المصريين لائتمانه عليه، وإنما قلت فقط أن هذا سيكون مضمون بيانه الذى صدر بالفعل ليحدثنا عن الشعب الذى لم يجد من يحنو عليه أو يرفق به ! ... ما حدث "بعد" ذلك له حديث آخر غير حديث "السببية" ... مع أطيب أمنياتى لكل ساكنى البرج بحوارات مثمرة تأكد لى أنها كانت وما زالت دوماً كالغول والعنقاء والخل الوفى !!
===================
https://www.facebook.com/hazem.a.hosny/videos/10211193267866851/?t=2
________________________________________________
خطاب مفتوح للأستاذ محمد ناصر 1/2
-------------------------------------
عزيزى ... تحية طيبة، وبعد ...
-------------------------------------
عزيزى ... تحية طيبة، وبعد ...
لم يدفعنى لتحرير هذا الخطاب المفتوح إلا ما اختصصتمونى به مساء أمس السبت، بافتتاحية برنامجكم التى استمرت لأكثر من ربع ساعة، مما رأيته أمراً يستدعى الرد؛ فليس من الحكمة أن تبقى الحقائق ضائعة فيما بيننا، ولا أن يبقى المصريون الذين يتابعون برنامجكم فى حيرة من أمرهم بعد أن حار أكثر المصريين فلم يعودوا يعرفون، وقد فقدوا ثقتهم فيما يسمعون أو يقرأون، أين هى الحقيقة ومع من تراها تكون أسبابها ! ... دعنا نتفق - مبدئياً - على أن الحقيقة لا توجد مع أى شخص، ولا هى توجد مع أى جهة؛ وإنما هى تقوم بذاتها، وتقف على أرضها هى لا على أى أرض أخرى يعتقد بعضنا أنها بالضرورة أرض الحقيقة !
دعونى فى بداية هذه الرسالة الطويلة أتوجه إليكم بالشكر مرتين: الأولى لمشاعر التقدير والاحترام التى أبديتموها تجاه شخصى، مما أرجو أن أكون مستحقاً لها، والثانية لما أبديتموه من شجاعة الاعتذار عن ألفاظ "جارحة" كنتم قد وجهتموها لكل من لا يتفقون معكم فى فهم وتقييم الأحداث التى مرت بمصر منذ أكثر من ست سنوات مضت ... واسمحوا لى الآن بالتوقف عند عنوان فقرتكم الافتتاحية التى أصررتم على أن تبدأوها وأن تنهوها بنفس كلمة "بنفكرك" التى مازلت لا أدرى ما علاقة الثلاثين من يونيو بها !
تريد يا عزيزى أن تعترض - بل وأن تُجَرِّم - رؤى وسياسات وقرارات النظام الذى حكم مصر بعد يونيو 2013، أو بعد يونيو 2014، فلماذا تقحم يونيو أو حتى يوليو فى الأمر؟ هل قامت المظاهرات فى الثلاثين من يونيو وما قبلها لتنادى بالتفريط فى جزيرتى تيران وصنافير، وبالتنازل الطوعى عن السيادة المصرية على مضايق تيران الاستراتيجية؟! هل هى نادت بتبديد موارد مصر وإغراقها فى الديون لحفر تفريعة قناة السويس، أو لبناء عاصمة إدارية جديدة، إلى آخر قائمة المشاريع التى يعترف صاحبها بأنها لم تخضع لأية دراسات جدوى؟! هل نادى أحد فى الثلاثين من يونيو بإفقار المصريين وتجويعهم، وبرفع الأسعار وانهيار قيمة الجنيه؟! هل نادت 30 يونيو - أو نادى الثالث من يوليو - بتولى عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم فى البلاد، وفرض حالة الاستبداد، وقتل السياسة فى مصر، وإهدار الحريات، واللجوء لحل كل مشاكل الدولة المصرية باستدعاء القبضة الأمنية وحدها والقوة الغاشمة التى يعلم كل دارس للتاريخ أنها تهدم الدول ولا تقيمها؟!
آه ... فاتنى أنك ترى أنه لولا الثلاثين من يونيو ما كان قد حدث شئ من هذا كله، غير أن ثمة مغالطة منطقية فى رؤيتكم هذه التاريخية، وعفواً إن أنا بينت لكم هذه المغالطة المنطقية وما يشوبها من اعوجاج فى مسارات التفكير !
لا أرغب فى الاسترسال قبل أن أصحح معلومة ليست خاطئة تماماً، لكنها أيضاً ليست دقيقة كل الدقة؛ فأنا لست أستاذاً للعلوم السياسية بمعناها الأكاديمى الضيق، أى أننى لست أستاذاً بقسم العلوم السياسية بالجامعة مثل الزميلين والصديقين الدكتور حسن نافعة والدكتور سيف الدين عبد الفتاح على سبيل المثال، لكننى أستاذ بقسم "الحوسبة الاجتماعية" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكنت أنتمى قبلاً لقسم الإحصاء بالكلية، ومجال اهتمامى - أياً كان القسم العلمى الذى أنتمى إليه تنظيمياً - هو مجال بينى ألا يتقيد بهذه التصنيفات الأكاديمية الضيقة؛ فمكتبتى مليئة بكتب ومواد سمعية وبصرية تستحضر علوماً ومعارف شتى من بينها "العلوم السياسية" بالمعنى الذى تتعامل به خرائط التصنيف المعرفى الجامعية؛ وقد يكون هذا ما يجعلنى أرصد الأمور وأقَيِّمها من زوايا أوسع من تلك التى يتناول بها غيرى هذه الأمور، وفى كلٍّ خير، فالعلم يحتاج كل هذه الزوايا التى تتكامل ولا تتنافر !
على أية حال، فإنا لا أجد بأساً فى الحديث عما أكتب وأعبر عنه باعتباره يتناول علوماً سياسية (بصيغة الجمع) لا "علم السياسة" (بصيغة المفرد)، فهذا الأخير هو الترجمة الصحيحة للتصنيف الأكاديمى لأقسام "علم السياسة" فى جامعات العالم، لا أقسام "العلوم السياسية" كما هى الترجمة الخاطئة فى جامعاتنا ! ... ما سبق فى هاتين الفقرتين قد يبدو هامشياً، أو إقحاماً لما هو خارج عن الموضوع، لكنه فى الحقيقة ذو أهمية فى حديثنا؛ إذ أجدنى مضطراً لاصطحابكم معى فى رحلة قصيرة خارج "علم السياسة"، نلامس فيها علم المنطق الرياضى، علَّكم تجدوا فيها بعض الفائدة، وعلَّها تزيل كثيراً من اللبس الذى يصاحب دائماً ما نتناوله من أفكار أو من "أوهام" !
=====================
سألتنى يا عزيزى عن كيف أدرس للطلبة الظواهر السياسية التى قد يتناولها "علم السياسة" كما قد تتناولها علوم ومعارف أخرى، بما فيها الآداب والفنون وصولاً حتى إلى الموسيقى ! ... دعنا نكتفى - كما قدمت - بالمنطق الرياضى، فهو يقوم على مبادئ كثيرة منها مبدأ يقال له "الانتقالية"، وهو مبدأ بسيط لا تعقيد فيه، فأنا أعرف قدر نفوركم من طلاسم الرياضيات ! ... يقول مبدأ الانتقالية هذا إنه لو كان (أ) يؤدى إلى (ب)، وكان (ب) يؤدى إلى (حـ)، فإن (أ) يؤدى بالضرورة إلى (حـ) ! ... دعونا الآن نترجم هذه الألف والباء والجيم إلى أحداث سياسية، ولكن دعونا نتفق قبلاً على أنه ما كان لأحداث الثلاثين من يونيو أن تقع لولا أن سبقتها أحداث الخامس والعشرين من يناير؛ فلو لم تكن ثورة يناير ما كان للأحداث أن تتداعى وصولاً إلى يونيو، أياً ما كان تقييمنا لهذه الأحداث التى تداعت !
إذن، فإذا كنا نرى أن ما نحن عليه الآن من أحوال بائسة هو نتيجة لأحداث يونيو 2013، وإذا كنا نتفق على أن أحداث يونيو نفسها ما كان لها أن تقع ما لم تكن قد سبقتها أحداث يناير 2011، فإن المنطق الرياضى يقودنا - ظاهرياً - إلى القول بأن أحداث يناير هى المسؤولة عما نحن فيه الآن ! ... أرجو أن تلاحظوا معى يا عزيزى أن هذا هو المنطق الذى يتحدث به من يرفعون شعار "ولا يوم من أيامك يا مبارك"، ومن ثَمَّ فهم يشيطنون يناير كما تشيطنون أنتم يونيو أو ما بعدها ! فهل هذا المنطق الذى يعتمده أبناء مبارك مقبول علمياً، فنأخذ به وننضم إليهم، أم أنه منطق به من المغالطات ومن اعوجاج التفكير ما يجعلنا نرفضه وننأى بأنفسنا عن الأخذ به؟!
دعونا نعود مرة أخرى للمنطق الرياضى، فهو لحوح على العقل ولا يقبل منا الانسياق وراء الأوهام ... فكما يقر هذا المنطق بمبدأ "الانتقالية" فإنه يؤكد أيضاً على ضرورة التفرقة بين الشروط الضرورية والشروط الكافية لتحقق أمر من الأمور ... وكى لا أرهقكم معى بلغة هذا المنطق الآمر الناهى، دعونا نترجمه إلى لغة سياسية منضبطة، ولننحى جانباً هذه اللغة السياسية المنفلتة التى أضاعتنا وأوصلتنا لما نحن فيه الآن : فلا شك أن أحداث الثلاثين من يونيو كانت شرطاً ضرورياً لتمكين السيسى ونظامه من حكم مصر، لكنها لم تكن أبداً شرطاً كافياً لهذا التمكين؛ كما أن أحداث الخامس والعشرين من يناير كانت شرطاً ضرورياً لوقوع أحداث الثلاثين من يونيو، لكنها لم تكن شرطاً كافياً لوقوع هذه الأحداث !
هكذا، فقد كان ممكناً لأحداث يناير أن تسير بنا فى طريق آخر تماماً لا ينتهى إلى أحداث الثلاثين من يونيو، وكان يمكن لأحداث الثلاثين من يونيو أن تسير بنا فى اتجاه آخر تماماً غير ذلك الذى أوصلنا لما نحن فيه الآن ... ومن ثَمَّ، فإن (أ) ليست كافية بذاتها لكى تتحقق (ب)، ولا (ب) كافية بذاتها لكى تتحقق (حـ)، وبسقوط هاتين المقدمتين يسقط مبدأ الانتقالية لأن المقدمات الخطأ تؤدى إلى النتيجة الخطأ كما ذكرتم فى فقرتكم التى استدعت رسالتى تلك؛ وإلا فإذا نحن أكدنا على كفاية (أ) لحدوث (ب)، وعلى كفاية (ب) لحدوث (حـ)، كما تذهبون فى تعاملكم مع أحداث التاريخ، لكان علينا الانضمام لمعسكر البكاء على عصر مبارك وعلى شيطنة يناير لأن (أ) تكون فى هذه الحالة كافية لحدوث (حـ) ... وإن كنا لا نختلف فى كل الأحوال حول كون حالتنا الآن هى الحالة (حـ) !!!
الأمر أشبه بشيخ صالح أنجب ابناً ضل طريقه فى هذه الدنيا وصار من الطالحين على غير ما كان يأمل أبوه، أو كما يقال : "يخلق من ضهر العالم فاسد"؛ فهل وجود هذا الشيخ فى ذاته هو الذى أفسد الابن، أم أن أسباباً أخرى هى المسؤولة عن فساد هذا الأخير، مع إقرارنا بأنه لولا وجود الشيخ الصالح ما كان قد وُلِد الابن الذى فسد !!
ليس من الحكمة إذن أن نسارع باتخاذ المواقف التى تدين هذا الحدث أو ذاك، ولا أن ننتقى على هوانا لحظات الزمن التى ترتبط بحدث ما دون غيرها من علامات الزمن، فربما نجد ببعض التأمل المنطقى والعلمى أن بعض ما نعيشه اليوم قد تعود جذوره لا ليونيو ولا ليناير وإنما لعقود أو لقرون طويلة مضت ... بل قد أقول ما يصدمكم، وكنت قد أنهيت به رسالتى أمس الأول، من أن الثلاثين من يونيو قد لا يكون سبباً فيما وصلنا إليه بل هو ربما كان نتيجة له، على غير ما نظن ونعتقد ويروج البعض منا؛ لكن هذه قصة أخرى أتناولها فى رسائل أخرى قادمة حتى لا تصرفنا عن متن هذا الخطاب المفتوح الذى طال لكنه لم ينته بعد، فما زال هناك الكثير من الاتهامات التى لم أرد عليها بعد، وأستأذنكم فى إكمال الجزء الثانى من الخطاب بعد عودتى من رحلة قصيرة، تدوم أربعة أيام، أقوم بها لشواطئ الأسكندرية لا لشواطئ المنطق الرياضى، فقد اكتفيت من هذه الأخيرة فى هذا الجزء الأول من خطابى المفتوح إليكم !!
تحياتى !!
===

























































































Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen