واحنا كمان بنفكرك 2/؟
------------------------
كنت أنوى كتابة هذه الرسالة - أو بالأحرى الرسالتين التاليتين لها - منذ يومين، لولا أن طرأت أمور ثلاثة استدعت إرجاء كتابة ما كنت أنوى كتابته، بل وكتابة هذه الرسالة قبل ما كنت أخطط له من كتابة ! ... أول هذه الأمور التى طرأت كان كتابات كثيرة تناولت خلال الأيام الماضية أحداث الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، فوجدت من المناسب أن أتابعها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً علّى أجد فيها ما كنت أجهله، أو ما لم أتنبه إليه، لكنى لم أجد !
------------------------
كنت أنوى كتابة هذه الرسالة - أو بالأحرى الرسالتين التاليتين لها - منذ يومين، لولا أن طرأت أمور ثلاثة استدعت إرجاء كتابة ما كنت أنوى كتابته، بل وكتابة هذه الرسالة قبل ما كنت أخطط له من كتابة ! ... أول هذه الأمور التى طرأت كان كتابات كثيرة تناولت خلال الأيام الماضية أحداث الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، فوجدت من المناسب أن أتابعها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً علّى أجد فيها ما كنت أجهله، أو ما لم أتنبه إليه، لكنى لم أجد !
ثانياً، فإن بعض إعلاميى الخارج قد تمادوا فى تناولهم غير الموضوعى للحدثين التاريخيين، شأنهم فى ذلك شأن إعلاميى الداخل؛ بل وأخذ بعض هؤلاء فى كيل السباب والإهانات لكل من ساند الثلاثين من يونيو ولم يرتدى حتى الآن الخيش ليأتيهم وهو فى ذله زحفاً على بطنه أو جاثياً على ركبتيه طلباً للصفح والمغفرة كما كان يطلب باباوات العصور الوسطى من الخارجين على سلطان الكنيسة، فخشيت على ما أكتب فى هذه الظروف أن يأتى رداً على هذا الردح الإعلامى الذى لا يبحث عن الفهم، بل هو يسعى لخلط الأوراق تحقيقاً لأهداف لا علاقة لها بمستقبل مصر ولا باستيعاب دروس تجربتها التاريخية !
أما ثالث الأمور التى دفعتنى لإرجاء الكتابة وتعديل خطتها فهو السؤال المحير دائماً : من أين نبدأ؟ ... هل نسير بشكل روائى وراء التسلسل التاريخى للأحداث منذ بدأت، فتختلط المشاهد الحاكمة لمسار التاريخ بمشاهده الثانوية، وتضيع منا فى زحام المشاهد الأسئلة الأهم، ومعها الإجابات الكاشفة للحقائق، أم نأخذ طريق التحليل التاريخى، لا الرواية التاريخية، فنرصد من بين عناصر الحدث التاريخى مشاهده الحاكمة التى تفسر سير الأحداث فى الاتجاه الذى سارت ومازالت تسير فيه؟
الطريق الأول فى تناول الحدث سرنا فيه على مدى ست سنوات، فلم يزدنا هذا الطريق إلا رهقاً، حتى تاهت منا كل قدرة على تحديد المسؤوليات التى ظل الطرفان يتبرآن منها وينسبها كل طرف للطرف الآخر؛ أما الطريق الثانى فمشكلته أنه قد يأخذنا جيئة وذهاباً عبر خط الزمن، وهى ليست مشكلة يعانى منها التحليل السياسى والتاريخى فى ذاته بقدر ما هى مشكلة لدى من يرون التاريخ وكأنه "حدوتة" يحكمون على أحداثها بما ينتظرونه من انتصار "البطل" الذى يحبونه وهزيمة "الأشرار" الذين يناوئونه !
بيد أن التاريخ لا يعمل بهذه الكيفية القصصية للتسرية عن معاصريه، أو عن متابعى أحداثه ... ربما ظل القصص التاريخى يعمل بهذا الشكل طيلة ألفى عام منذ قصص هيرودوت، مروراً بالتاريخ المقدس للديانات الإبراهيمية، وحتى قبيل خروج ابن خلدون بمقدمته التى أعاد بها تشكيل الوعى العلمى بكيف يعمل التاريخ، وكيف نفهم أحداثه أسباباً ومآلات؛ إذ ينفى ابن خلدون عن التاريخ أن يكون مجرد أخبار "تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتُطرَف بها الأندية إذا غصها الاحتفال"، وإنما هو يرى أن دراسة وفهم التاريخ - قديماً كان أو حديثاً أو معاصراً - إنما تحتاج إلى "حُسن نظر، وتَثَبُّت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، (ويحولان بينه وبين) المزلات والمغالط" ... فمن يرومون فهم الأحداث - كما يرى ابن خلدون - عليهم عرض وقائعها على أصولها، وقياسها بأشباهها، وأن يسبروها بمعيار الحكمة، وأن يُحَكِّموا النظر والبصيرة فى تناول أخبارها !
أعتذر إن كنت قد أثقلت عليكم بهذه اللمحة السريعة من آراء ابن خلدون فى مقدمته، ولكن ما العمل وقد خرَّبت أنظمة الحكم فى بلادنا أكثر ما خربت العقول التى لم تعد تقدر على التفكير بقدر ما تجيد تكفير القادرين عليه ! ... كما أعتذر إن كنت قد أطلت الحديث عن قواعد التفكير العلمى فى أحداث تاريخية مرت بنا، فتناقلناها "بغثها وسمينها" دون أن نسبر أعماقها ونلم بأبعادها؛ فأخذ منها كلٌّ منا ما يريح به عقلاً أصابه الإرهاق وضميراً أثقلته الهموم، وراح يرمى بعضنا بعضاً بما يحط من شأن من ليس مع هذا الفريق أو ذاك تحت وهم أن الحق هو مع الفرقة الناجية، ومن منا لا يعتقد أن فرقته هى الناجية؟!!
دعونا إذن نسير فى هذا الطريق الذى لا يرى التاريخ مجرد "حدوتة" يشكل كل منا أحداثها ومعانيها على هواه ... دعونا نسير فى هذا الطريق حتى وإن أرهقنا السعى فيه جيئة وذهاباً بين مشاهد عشناها وتناقلنا وقائعها دونما فهم للمنطق السياسى الذى حكمها، ودونما إلمام بالمنطق التاريخى الذى يربطها بغيرها من المشاهد، ودونما وعى بكيف تعمل قوانين التاريخ؛ فلو كان التاريخ يمنح كلاً منا ما يرجوه من الدنيا وصولاً لأستاذية العالم لاختلت توازنات الحياة التى لا تقوم إلا بالتدافع الإنسانى، ولانهار الوجود كله بفعل تناقضاته !
دعونى أختار خمسة من مشاهد تاريخنا المعاصر التى تساعدنا على فهم الحدث، سأعرضها واحداً بعد الآخر فى رسالتين قادمتين، لنرى فى هذه المشاهد الخمسة ما لا يريد أكثرنا أن يراه؛ لكن قبل أن نأتى لهاتين الرسالتين دعونا نتناسى - ولو مؤقتاً - أى انتماء سياسى أو أيديولوجى للدكتور محمد مرسى - رحمه الله - فلا ننعته بالرئيس الإخوانى، ولا نلحقه حتى بالتيار الإسلامى، بل ولا بالتيار اليسارى، ولا بالتيار الليبرالى ... دعونا نتعامل معه فقط باعتباره الرئيس المنتخب عبر صناديق الاقتراع، ولنتناسى مؤقتاً علاقة هذه الصناديق بالديمقراطية، ففيها أحاديث تطول ولا أريدها أن تفسد علينا فهمنا للمسار البائس الذى أوصلنا لما نحن فيه !
أرجو أن يكون فى هذا الخط الذى ألزمت به نفسى فى الرسالتين القادمتين ما يساعد على التفكير الهادئ، وعلى الحكم الموضوعى على هذه المشاهد الخمسة، لمعرفة متى وكيف كانت نقطة التحول التى أوصلتنا إلى الثلاثين من يونيو، وهل كان هذا اليوم سبباً فيما وصلنا إليه أم هو كان نتيجة له، على غير ما نظن ونعتقد ويروج البعض منا؟!
=======================
_________________________________________________________________________
واحنا كمان بنفكرك .. 1/؟
-------------------------
هذه الرسالة هى الأولى فى سلسلة أبدأها بهذه الرسالة التمهيدية التى أؤكد فيها على أمور خمس : ـ
-------------------------
هذه الرسالة هى الأولى فى سلسلة أبدأها بهذه الرسالة التمهيدية التى أؤكد فيها على أمور خمس : ـ
أولها أننى لا أريد بهذه السلسلة سجالاً مع الأستاذ محمد ناصر، ولا مع غيره من خصوم الثلاثين من يونيو؛ فهو سجال عقيم لن يصل بنا إلى أى شئ، اللهم إلا إغراقنا فيما وصفته من قبل بأنه "خناقات ضراير"، وهى آخر ما أرغب بالتورط فيه، بل ولا أرغب فيه أصلاً .. لا أولاً ولا آخراً !
وثانيها أننى لا أريد بهذه الرسائل عن حدث الثلاثين من يونيو إقناع أى طرف بأنه على خطأ، ولا إقناعه بأننى على صواب؛ فالتاريخ - كما سبق وأوضحت فى رسالتى السابقة - "نسبى بطبيعة التدافع الإنسانى، وما يسجله التاريخ فى أضابيره هو حمال أوجه، خاصة وأننا ما زلنا فى قلب أحداث لم تنته إلى غاياتها بعد، ولم تفصح الأضابير عن كل أسرارها بعد" ! ... ما أريده فقط - وكما سبق أن أوضحت فى رسالتى السابقة - هو أن يستجمع العقل المصرى أكبر قدر ممكن من عناصر الصورة التى مزقتها "خناقات الضراير" !
أما ثالث ما أود تأكيده فهو أننى أنتظر ممن يقرأ هذه الرسائل ويعلق عليها أن يلتزم بلغة العقل، لا بلغة المشاعر، وألا يدخلنا أحد فى شرنقته الأيديولوجية التى لا يرى داخلها إلا حُكماً نهائياً استراح إليه من قبل أن يقرأ، ولا ينتصر فيها للحقيقة بقدر ما ينتصر لمواقف اتخذها مسبقاً ولا يرغب فى تكبد عناء التراجع عنها ! ... فرجاءً ممن يستريحون لشرانقهم أن يبقوا فيها مستريحين كما هم، وألا يزعجوا أنفسهم ويزعجونا معهم بتعليقات لا منطق فيها ولا عقل، وإنما هى مليئة فقط بمشاعر الغيظ والغضب التى تدخل أصحابها فى متاهات إدراكية تختلط فيها الأوراق، وتتشتت الأفكار، وتتمزق كل الصور أكثر مما تمزقت !
رابع ما أود التأكيد عليه هو أن آخر ما تحتاجه مصر الآن هو أن نستسلم لمنطق العوام، أو أن نفكر بعقلهم ونستجيب لنزواتهم ونتملق مشاعرهم ... ليس فى هذا استعلاءً على أحد، ولا هو إسقاط لحق أحد فى المعرفة إذا كان باحثاً بالفعل عنها، لا مهللاً بأضغاث أوهامه وكأنها الواقع أو كأنها الحكمة أو كأنها الحقيقة ! ... موقفى هذا من منطق العوام، لا من العوام أنفسهم، هو فقط إشفاق على الحقيقة أن تضيع منا إذا ما نحن تركنا موازينها فى يد المشاعر والنزوات، فما أكثر العوام الذين يسخرون من الحقيقة ويعلون من شأن الخرافة، وما أكثر من يخلطون بين حديث العلم والمنطق وبين غيره من أحاديث لا شأن للعقل بها، ولا هى يعترف بحجيتها أى منطق علمى !
ربما كان السبب فى ثقافة العوام هذه هو أخطاء من أساءوا للعلم وللمنطق من بين أهل العلم والمنطق أنفسهم إذا ما أرادوا تحقيق مصلحة لهم هنا، أو دفع ضرر يصيبهم هناك، أو اتقاء غضب السلطان إذا ما بانت نواجزه، أو استجلاب رضائه إذا ما لوح بذهبه بديلاً عن سيفه ! ... لا أنكر شيئاً من هذا كله مما راح العوام ضحيته، بل وما رحنا جميعاً ضحيته، فنحن نعيشه ونراه ونكتوى بناره؛ لكن هذا لا ينفى حقيقة أن مصر لن تخرج من كبوتها، التى صنعتها كل هذه الفوضى المعرفية، إلا باستعادة سلطان العلم والمنطق ليعلو فوق سلطان المشاعر والنزوات، وفوق منطق ردود الفعل الانفعالية !
خامس ما أود تأكيده فى هذه الرسالة التمهيدية هو أن للمنطق العلمى قواعده التى لن نخترعها من جديد، وإحدى هذه القواعد الحاكمة عند البحث فى أية ظاهرة، أو عند محاولة فهم أية أحداث وقعت، هو ضرورة تفكيك الظاهرة أو الحدث إلى عناصر تكوينية مع الاحتفاظ بالقدرة على إعادة تركيب هذه العناصر بالشكل الذى يبين آليات عمل الظاهرة أو آلية وقوع هذا الحدث ... لذا، فإن كل رسالة من رسائل هذه السلسلة إنما تجيب عن سؤال محدد دون غيره من الأسئلة؛ فليس من العلم فى شئ، ولا هو من العقل أصلاً فى شئ، أن يطرح المرء كل الأسئلة دفعة واحدة، وإلا لارتبك التفكير، ولتشابكت خيوطه وتعقدت، بل ولانقطعت هذه الخيوط منا فلا تعود تصلح لصناعة نسيج للظاهرة التاريخية، أو للحدث التاريخى، تنتظم فيه لُحمته وسَداته، كأى نسيج غير مهترئ يمكن التعامل معه ومعرفة أبعاده !
أعلم أن الكثيرين من هواة البربرة الثورية، ومن محترفيها، سيجدون حديثى هذا ثقيلاً عليهم وعلى ثقافتهم، فهم لا يريدون من الحديث إلا ما يضع وصفة الدواء السحرية التى يتعاطاها المريض فيخرج إلى الحياة متمتعاً بقوة مئة حصان، شرط أن لا يكون هذا الدواء السحرى مُراً، وألا يقترب مشرط الجراح من جسد المريض، وأن لا يغير المريض بعد أن يشفى أياً من تصوراته المريضة عن الحياة وعن منطق التعامل الصحى معها !
عفواً، فالدواء الذى يشفينا من أمراضنا سيكون مُراً، ومشرط الجراح سيغوص فى جسد المريض ليستأصل منه أورامه، والأهم من ذلك كله هو مواجهة المريض بأضغاث أوهامه، فهو لن يتمكن من مواصلة الحياة بقوانين غير تلك التى تقوم بها الحياة، وهى قوانين يقبلها العقل، أو هى لا تتناقض معه ... أتحدث هنا عن العقل، بألف لام التعريف، لا عن عقل بعينه أورثتنا نزواته الهزيمة، كما أورثتنا الفقر، وأورثتنا المهانة، وأورثت الكثيرين منا اليأس من أى مستقبل ... وطوبى لمن بقى قابضاً على الأمل فكان كالقابض على الجمر لا يحيد عنه أبداً !
ومازال للحديث بقية ... بل هو حديث لم أبدأه بعد !
==================

_________________________________________________________________________


































































Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen