من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 8
-------------------------------------------
عانت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 من كثير من الآفات السياسية والتاريخية التى مازال أكثرها - إن لم يكن كلها - ملازماً لنا حتى يومنا هذا الذى نعانيه ! ... واحدة من أكثر هذه الآفات تأثيراً على مسارات الثورة، التى عملت على الدفع بها نحو غايات غير غاياتها، هى الانجذاب نحو وهم الاعتقاد بأن الانتخابات هى الحل السحرى للمشاكل المزمنة التى كانت ومازالت تعانى منها الدولة المصرية، وأن الإسراع بانتخاب رئيس مدنى من خارج دولاب الدولة هو الشرط الضرورى والكافى لإنجاح الثورة !
-------------------------------------------
عانت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 من كثير من الآفات السياسية والتاريخية التى مازال أكثرها - إن لم يكن كلها - ملازماً لنا حتى يومنا هذا الذى نعانيه ! ... واحدة من أكثر هذه الآفات تأثيراً على مسارات الثورة، التى عملت على الدفع بها نحو غايات غير غاياتها، هى الانجذاب نحو وهم الاعتقاد بأن الانتخابات هى الحل السحرى للمشاكل المزمنة التى كانت ومازالت تعانى منها الدولة المصرية، وأن الإسراع بانتخاب رئيس مدنى من خارج دولاب الدولة هو الشرط الضرورى والكافى لإنجاح الثورة !
استسلم الجميع لغواية الانتخابات، أياً كانت مؤهلات هذا الرئيس الذى ستأتى به هذه الانتخابات فى ذاك الظرف التاريخى الاستثنائى، وأياً كانت العوامل التى تحكم سلطة هذا الرئيس الفعلية - لا سلطته النظرية - على مؤسسات الدولة الراسخة، وعلى رأس هذه المؤسسات مؤسسة الجيش التى بقيت متماسكة بعد الثورة، وأياً كانت قدرة هذا الرئيس على التعامل مع الانقسامات السياسية والثقافية الحادة التى أحدثتها الثورة بين مكونات الشعب المصرى، أو هى كشفت عنها الغطاء بعد أن كانت مطمورة تحت ركام المعالجات الأمنية لمشاكل الدولة المصرية !
لم يأخذ أحد فى اعتباره حقيقة التوازنات القائمة بين مؤسسات القوة - الخشنة والناعمة - فى الدولة المصرية وبين الرئيس الذى ستأتى به الانتخابات؛ فحتى وإن كانت قد جاءت هذه الانتخابات برئيس منتخب بإرادة شعبية كاسحة، لا بمجرد نصف عدد أصوات من أدلوا بأصواتهم وهم خمسون بالمئة فقط ممن لهم حق التصويت، فإن هذه الانتخابات لم تكن لتعطى هذا الرئيس المنتخب سلطة "حقيقية" يمكنها تجاهل ما تملكه مؤسسات الدولة التقليدية - أو مؤسسات الدولة العميقة إن شئتم تعبيراً أكثر شائعية - من مساحات واسعة للمناورة وإعادة تشكيل الواقع الذى خلفته الثورة !!
لكن، وبدلاً من أن يستغل الرئيس المنتخب ما تحت يده من مساحات للمناورة، وهو ما كان يتطلب منه قراءة واعية للواقع، وحسابات دقيقة لكلماته وأفعاله وقراراته وتحالفاته، فإنه أهمل كل ذلك ومضى يسلك المسارات الأكثر مقاومة له، عكس مسارات الطبيعة التى تأخذها كل الأنهار وهى تشق مجراها فى أرض صعبة لا تسمح لأى نهر بأن يشق مجراه فى خط مستقيم يختار هو هدفه غير آبه بطبيعة الأرض التى يمر بها هذا المجرى !
---------------------------------
جاءت الانتخابات الرئاسية إذن بالدكتور محمد مرسى رئيساً للجمهورية، وربما لم يكن هذا الرئيس المنتخب سيئاً على المستوى الإنسانى ... ربما كان الرجل طيباً، وزوجاً وفياً، وأباً حنوناً، ومؤمناً صادق الإيمان، وعالماً مجتهداً متفوقاً فى علمه، بل وربما كان عضواً برلمانياً بارزاً يمارس المعارضة المحلية على الطريقة المصرية بما كانت تسمح به هوامش الحرية المتاحة وقتها ... ربما كان الرجل حسن النية، وربما كانت لديه بالفعل رغبة فى أن يقيم العدل، وأن يحكم بالحق، وفق ما كان يرى أنه العدل وما كان يعتقد أنه الحق !
كل هذه الخصال الحميدة لا أنفيها عن الرجل، ولا أنا أؤكدها، فهى فى كل الأحوال ليست المعايير التى أحكم بها على كفاءة الرجل، ولا على ما امتلك من قدرة تمكنه من التحكم فى هذا الوحش صعب المراس المعروف بالدولة، حسب تعبير توماس هوبز الذى كتب كتابه الأشهر فى أعقاب الثورة الإنجليزية التى قادها أوليفر كرومويل فكانت له خطاياه كما كانت لمن ثار عليهم خطاياهم !
كل هذه الخصال الحميدة، حتى وإن افترضناها فى الدكتور مرسى - رحمه الله - لا تجعله بالضرورة مؤهلاً لحكم دولة قديمة، ومعقدة، وتمر بمرحلة تحول تاريخى، مثل الدولة المصرية، ولا هى ما كان يحتاجه الرجل من خصال لمعرفة كيف يدير شؤون هذه الدولة الصعبة، وكيف يحافظ على استقرارها، وعلى استقرار منظومة الحكم، خارج ما تعود عليه من مؤسسات لها منطق وجود غير منطق وجود الدولة، وآليات فى الإدارة غير ما يحتاجه حكم الدول من آليات، وثقافة أحادية الاتجاه والهدف غير ما يتفاعل فى شرايين الدولة المصرية من ثقافات متعددة، بل هى فى أحيان كثيرة ثقافات متنافرة، فضلاً عما تحتاجه فنون الحكم من قدرة على ابتكار آليات للتعامل الإيجابى مع المخالفين والمعارضين أكثر من قدرتها على تفعيل آليات الاحتماء بالموالين والمناصرين !
لم يكن لدى الدكتور مرسى - رحمه الله - ولا كان لدى المجموعة التى تقف وراءه، تسانده وتوجهه وتنقل له صورة الواقع المصرى، أىٌّ من ضرورات الحكم هذه، بل بدا الرجل مدفوعاً بأوهام لحظة التمكين، ومفتوناً بوهم الوصول إلى أستاذية العالم، وهى أوهام ربما لم يكن الدكتور مرسى هو المسؤول الأول عن الاستسلام لغوايتها، بل ربما دفعته إليها دفعاً مجموعات مؤدلجة لا تعرف شيئاً عن كيف تشق أنهار التاريخ الإنسانى مساراتها، حتى أن الرجل وهو يستدعى فى أكثر من مناسبة أنه يمثل ثورة الخامس والعشرين من يناير قد غاب عنه وعن مناصريه طبيعة هذه الثورة، وحقيقة أنها كانت ثورة ما بعد حداثية !
لأن الرئيس المنتخب - رغم نواياه الحسنة التى أفترضها فيه - لم يستوعب هذه الطبيعة التاريخية لثورة الخامس والعشرين من يناير، ولا هى فهمت المجموعة المحيطة به ماهية التفاعلات ما بعد الحداثية أصلاً، ولا هى أدركت إطارها الفلسفى والفكرى، فقد تعاملوا مع واقع هذه الثورة بنفس أدواتهم التقليدية التى تستدعى ما نشأوا عليه من ثقافة، وهى ليست ولا كانت يوماً ولا هى يمكنها أن تكون فى أى يوم من الأيام ثقافة ما بعد حداثية، بل ولا هى حتى ثقافة حداثية، وإنما هى بطبيعة تكوينها - وبطبيعة مرجعياتها - ثقافة ما قبل حداثية بامتياز !
بطبيعتها المفهومية تلك، وبمرجعياتها التاريخية الارتدادية، شوهت الثقافة التى قادت منظومة الحكم مفهوم النهضة الذى رفعت شعاراته جماعة الرئيس، كما شوهت مع مفهوم النهضة أكثر ملامح المستقبل الذى نادى به شباب الخامس والعشرين من يناير الذى لم تكن قد نضجت بعد مرجعياته الفكرية بالقدر الذى يسمح له بضبط انفعالاته الثورية، وبرسم الحدود السياسية واضحة بين مكونات خريطة ميدان كانت تتشكل تحالفاته على غير إرادة منه، وبحسابات زئبقية يحكمها تطور أحداث الثورة فى اتجاهات تتجاوز منطق الشباب الذى بدأ هذه الثورة !
------------------------------
أذكر أن إحدى الفضائيات المحلية كانت قد استضافتنى وآخرين لمناقشة عدد من المرشحين لانتخابات 2012 الرئاسية، وكان من بين هؤلاء المرشحين الذين شاركت فى محاورتهم الفريق أحمد شفيق ... أحد محاور الحوار المنطقية وقتها كان موقف الفريق شفيق مما عُرِف وقتها إعلامياً بـ"موقعة الجمل"، وهو تعبير لم يكن يروق بطبيعة الحال للمرشح الرئاسى الذى أحاوره ... أذكر أننى قد تداخلت وقتها مستبعداً هذا التعبير الذى يستاء منه الفريق شفيق، وقمت بدلاً من استدعاء قضية "موقعة الجمل" باستدعاء قضية أخرى أطلقت عليها تعبير "جمل الموقعة"، وهو ما قدرت أنه قد يثير استغراب الفريق شفيق لا استياءه !
قلت وقتها للفريق شفيق إن لجوء فريق من المواطنين لاقتحام ميدان التحرير على سنام جمل إنما يظهر - وبوضوح - أن الصدام كان بين جماعة تستدعى أدوات وآليات ما قبل الدولة وبين الثورة التى قام بها شباب الخامس والعشرين من يناير الذى كان يستدعى أدوات وآليات ما بعد الدولة ! ... كان سؤالى للفريق شفيق هو كيف كان سيعالج - إن قُدِّر له أن يفوز فى الانتخابات - هذا الشرخ، بل هذا التصدع، الذى أصاب المجتمع المصرى بانقسامه إلى فريقين متناحرين وعلى طرفى نقيض من حركة التاريخ؟!
لم يكن لدى الفريق شفيق رد مقنع على هذا السؤال الذى كان يتحدث عن حال الشعب المصرى سنة 2012، لا فى بدايات القرن العشرين ولا حتى فى منتصفه .. ولا أعتقد أن أحداً من مرشحى الرئاسة وقتها، ولا لدى من جاء بعدهم سنة 2014، وبالتأكيد لم يكن لدى السيد موسى مصطفى موسى سنة 2018، أى رد على هذه المعضلة التاريخية؛ لكن رد الفريق شفيق كان - على أقل تقدير - رداً مهذباً ومتواضعاً كطبيعة الرجل التى لمستها بنفسى بعد ذلك عندما التقيته وجهاً لوجه بأبو ظبى أواخر سنة 2017 !
للأسف فإنه لم تتح لى فرصة توجيه نفس السؤال للمرشح الرئاسى الدكتور محمد مرسى، وإن كان هذا الأخير قد أجاب عن السؤال بنفسه بعد ذلك، خاصة أثناء الفعالية التى استضافتها الصالة المغطاة قبل سقوط حكمه بأسابيع قليلة !
إن المتتبع لأسلوب الرئيس مرسى فى الحكم يدرك بجلاء أن الرجل كان أسير ثقافة نشأته فى بيئة فكرية ما قبل حداثية، تستدعى أطراً معرفية ومفاهيم سياسية كانت قد حكمت دولاً سابقة تجاوزها الزمن ولم تعد شروط إستدعائها من مقبرة التاريخ قائمة إلا فى أذهان جماعات انفصلت عن واقعها التاريخى، وتاهت فى دهاليز العلاقات الشائكة بين الدين والتاريخ !
هكذا تبنى الرئيس مرسى مسارات سلطوية وصلت به إلى حد تبنى خيار شمشون الذى هدم المعبد على رأسه كما على رؤوس أعدائه، وإن كان الفرق قد ظل قائماً بين شمشون، الذى أدرك أنه بهدمه المعبد على رؤوس أعدائه فإنه يهدمه على رأسه بالضرورةً، وبين الدكتور مرسى، الذى وثق فى قدرته على هدم المعبد فقط على رؤوس خصومه - أو من اعتبرهم كذلك - دون أن تقع حجارة المعبد الذى هدمه على رأسه هو فتهشمها !
لحديث شمشون هذا تفاصيله، وقد يكون التطرق لهذه التفاصيل هو الأخطر فى هذه السلسلة وأكثر علامات الطريق إلى الثلاثين من يونيو حسماً؛ لذا فهو حديث لا تصلح له هذه الرسالة التى وصلت إلى نهايتها، وإنما أعود إليه فأستكمله فى رسائل قادمة
إن شاء الله وأذن الرحمن !
=============================
https://www.facebook.com/hazem.a.hosny/videos/10211329242546133/?t=68
- __________________________________________________________________________________________
من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 7
------------------------------------------
وبعد، فهذه هى الرسالة السابعة فى سلسلة بدأتها منذ فترة لأفقأ بها فقاقيع الوهم التى يريد أصحاب بعض الضلالات اصطياد المصريين داخل جدرانها، علِّى أُخرِج من زنازين هذه الفقاقيع من كان فى حيرة من أمر واقعنا، ومن أمر الأسباب التى أوصلتنا إلى هذا الواقع الذى لا يستريح إليه أصحاب الضمائر الحية التى لا تخادع أصحابها ولا هى تخادع غيرهم؛ أما من كانوا لا يرومون إلا تمكين الضلالات من عقولهم، ومن عقول الحائرين من حولهم، فلا شأن لهذه السلسلة من الرسائل بهم، ولا هى تستهدفهم أو تأمل فى تحريرهم من أوهامٍ هم من أسسوها، وما زالوا يؤسسونها، كانوا من أنصار هذا الفريق أو من أنصار ذاك من أسباب المحنة ومن أسباب بقائها !
------------------------------------------
وبعد، فهذه هى الرسالة السابعة فى سلسلة بدأتها منذ فترة لأفقأ بها فقاقيع الوهم التى يريد أصحاب بعض الضلالات اصطياد المصريين داخل جدرانها، علِّى أُخرِج من زنازين هذه الفقاقيع من كان فى حيرة من أمر واقعنا، ومن أمر الأسباب التى أوصلتنا إلى هذا الواقع الذى لا يستريح إليه أصحاب الضمائر الحية التى لا تخادع أصحابها ولا هى تخادع غيرهم؛ أما من كانوا لا يرومون إلا تمكين الضلالات من عقولهم، ومن عقول الحائرين من حولهم، فلا شأن لهذه السلسلة من الرسائل بهم، ولا هى تستهدفهم أو تأمل فى تحريرهم من أوهامٍ هم من أسسوها، وما زالوا يؤسسونها، كانوا من أنصار هذا الفريق أو من أنصار ذاك من أسباب المحنة ومن أسباب بقائها !
ولقد كنت أخطط لأن تكون هذه الرسالة السابعة هى الرسالة الأخيرة فى هذه السلسلة، لولا أن رأيتها ستطول بأكثر بكثير مما تحتمل، وقد تضيع مع هذه الإطالة معانيها المهمة، خاصة مع تربص كتائب التشتيت التى لا تريد لصورة الأوهام أن تطمسها صورة الحقائق الموضوعية التى تفضح أصحاب المسؤولية عن أزمة مصر السياسية المستمرة معنا منذ عقود، بل وربما منذ قرون؛ لذا قررت أن لا تكون الرسالة السابعة هى الأخيرة، بل قد يمتد بنا شريط هذه الرسائل حتى الرسالة الثانية عشرة !
عند هذه الرسالة الثانية عشرة - التى آمل أن نصل إليها - سوف أنهى هذه السلسلة، لا لأننى سأكون قد استنزفت كل الحقائق الموضوعية التى تكشف ما يسعى بعض سدنة الفقاقيع إلى ستره، وإلى حجبه عن عيون الحائرين، ولكن لأن الاستطراد بعد هذا العدد من الرسائل سيجبرنا حتماً على التعرض لانتماءات الرئيس مرسى الأيديولوجية والتنظيمية، وهو ما لا أريد الانزلاق إليه فى هذه السلسلة التى تتعامل مع الرجل باعتباره رئيساً مدنياً منتخباً، وتتعامل مع أخطائه باعتبارها أخطاء فى مسارات الحكم أياً كانت توجهاته، إسلامية كانت هذه التوجهات أو يسارية أو ليبرالية !
بانتهاء هذه الرسائل الاثنى عشر سأتطرق - ولكن فى سلاسل أخرى - لمحطات الطريق إلى 30 يونيو ذات الصبغة الأيديولوجية والتنظيمية التى نضح بها نظام الحكم، وهى كارثية بكل مقاييس الدول الديمقراطية الحديثة، ولم تكن مصر لتتحملها لثلاثة أيام إضافية لا لثلاث سنوات كما ينصحنا بذلك أصحاب الشرعية المبتورة وسدنة ما يمكن أن أسميه بديمقراطية الصندوق الانتقائية !
-----------------------------
دعونا نقصر الحديث فى رسالتنا هذه على ممارسات أصحاب الشرعية المبتورة هؤلاء، وعلى سدنة الديمقراطية الانتقائية، دون الدخول فى أية دهاليز تنظيرية قد تتكاثر بشأنها وجهات النظر المتضاربة؛ فقد بينت فى رسالتى السادسة، وفى إرهاصاتها التى قدمت لها فى رسائل سابقة، كيف تبنى الرئيس مرسى منهجاً تصادمياً مع مؤسسات الدولة الهامة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمحكمة الدستورية العليا، رغم محاولات غير مقنعة لتبنى خطاب تتخلله أحياناً مقاطع أو عبارات تصالحية ألقاها دوماً بلهجة سلطوية تكشف عن نوايا حقيقية لانتزاع السلطة عنوة، دون أى احترام لمرجعيات دستورية أو قانونية تحكم حدود سلطاته كرئيس منتخب للسلطة التنفيذية، هى بالتعريف سلطات مؤقتة لحين وضع دستور جديد للبلاد لم يكن قد وُضِع بعد !
بينت أيضاً كيف كان الرئيس مرسى حريصاً على استدعاء مفهوم "الشرعية" بإشارته دوماً إلى إرادة الناخبين التى عبروا عنها من خلال صناديق الاقتراع، كما بينت كيف أن الشرعية - إذا نحن أردناها دستورية، وأردناها معبرة عن العملية الديمقراطية - فإنها لا تعتمد على التصويت وحده، وإنما هى تعتمد - ضمن شروط أخرى كثيرة - على وجود أطر مؤسسية ومرجعيات دستورية تحكم إجراء هذا التصويت، كما تحكم إعلان نتائجه وبيان ما يترتب عليه من استحقاقات ...
... لعل أوضح مثال مرجعى وعملى لحديث "الشرعية" هذا هو ما حدث سنة 2017 فى استفتاء استقلال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا الملكية وإعلان الجمهورية الكاتالونية ... فقد دعا حاكم الإقليم إلى هذا الاستفتاء الذى حكمت المحكمة الدستورية الإسبانية ببطلانه لعدم توافقه مع الدستور الإسبانى، لكن حاكم الإقليم أصر وقتها على إجراء الاستفتاء فى أجواء مشحونة، إذ لجأ رئيس الوزراء الإسبانى وقتها لاستخدام القوة المسلحة لمنع إجراء هذا الاستفتاء غير الدستورى، لكن الاستفتاء تم رغم هذا التدخل العنيف من جانب الحكومة الإسبانية، وأظهرت صناديق الاقتراع فوز الرأى الموافق على الاستقلال وإعلان الجمهورية بنسبة أكثر من 90%، لا مجرد 51%، لكن ذلك لم يمنح المشروع السياسى لحاكم الإقليم أى شرعية، بل تحول هذا الحاكم إلى "مجرم" مطالَب بالمثول أمام القضاء الإسبانى، ثم إلى مطارَد اضطر لنفى نفسه اختيارياً خارج إسبانيا، ومازال حتى اليوم منفياً اختيارياً بين أكثر من دولة أوروبية !
الحديث إذن عن أن الصندوق هو مصدر الشرعية الوحيد، وأنه يعطى للفائز بأصواته الحق فى تجاوز الأطر المؤسسية والمرجعيات الدستورية عند تحديد اختصاصاته وصلاحيات منصبه وتعريف سلطاته، أو أنه يعطيه شرعية غير منتهية الصلاحية حتى وإن تجاوز صاحب الشرعية هذه الأطر المؤسسية وهذه المرجعيات الدستورية، هو فى حقيقته حديث أوهام يراد للناس أن تسكن فقاعاتها، وأن لا ترى من حقائق الديمقراطية بكل مكوناتها إلا تلك الحقائق التى يريد المستفيد من الصندوق أن تبقى هى الحقائق الحاكمة لكل المسار السياسى والدستورى والتاريخى، وهو مسار يتحرك المجتمع كله على خرائطه لا على خرائط أخرى ينتقيها صاحب المصلحة السياسية من بين هذه الخرائط لتناسب أهدافه ... حاكم إقليم كاتالونيا كان يتمتع بشرعية انتخابه حاكماً للإقليم، لكنه فقد شرعيته حين تجاوز الأطر المؤسسية والمرجعيات الدستورية التى يمارس من خلالها صلاحياته وسلطاته، وحين يسئ إلى الآليات الديمقراطية باللجوء إليها تعسفياً، فمصائر الأمم والدول لا تقررها نزوات عابرة تعبر عن نفسها بمفردات الصناديق دون غيرها من مفردات اللغة الديمقراطية !
----------------------------
دعونا فى نهاية هذه الرسالة نساير أصحاب الشرعية الذين يستدعون أحياناً مرجعية الصندوق، ويستدعون أحياناً أخرى مرجعية الثورة، على ما بين المرجعيتين من تفاوت فى المنطق السياسى والدستورى والتاريخى ... دعونا نوافقهم فى حجتهم التى تقول بأن الرئيس مبارك كان قد أفسد على مدى ثلاثة عقود كل مؤسسات الدولة، وأنه من حق الرئيس المدنى المنتخب بعد الثورة أن يتجاوز هذه الأطر المؤسسية والمرجعيات الدستورية التى أفرزتها هذه المؤسسات التى أفسدها نظام حكم ثار المصريون عليه ! ... الحجة تبدو براقة فى ظاهرها، وقد تخدع ببريقها أكثر المراهقين الثوريين الذين يرفعون بغير وعى شعارات الشرعية المبتورة، ويتباكون مع المتباكين على إهدار الإرادة الشعبية التى جاءت بأول رئيس مدنى منتخب إلى الحكم !
حسناً، دعونا نتفق معهم فى أن مبارك أفسد بالفعل كل مؤسسات الدولة بدرجات متفاوتة، ولنطرح عليهم سؤالاً لم يطرحوه وهم يدعمون توجهات مؤسسة الرئاسة السلطوية، وتحرشها المستمر بباقى مؤسسات الدولة بحجة فسادها ... السؤال المشروع الذى سقط من هذا الطرح المتمسح بالثورية يقول : ألم يفسد مبارك ضمن ما أفسد، بل وأكثر ما أفسد، مؤسسة التعليم، ومؤسسة الثقافة، ومؤسسة الإعلام، والمؤسسة الدينية، وكل المؤسسات السياسية التى تشكل الوعى العلمى والثقافى والإعلامى والدينى والسياسى للمواطن المصرى؟ ... باختصار : ألم يفسد مبارك - أكثر ما أفسد - كل المنظومة المعرفية التى تشكل وعى المصريين، وتحكم توجهاتهم واختياراتهم فى مواجهة التحديات التى تفرضها عليهم هذه الحياة؟!
لماذا إذن نلتمس للرئيس المدنى المنتخب العذر فى حربه المقدسة ضد مؤسسات للدولة، فلا نعترف بمرجعيتها بحجة أنها مما أفسده نظام حكم فاسد ثرنا عليه، ثم نعلى فى نفس الوقت من شأن صندوق حددت مرجعيته اختيارات شعب تحكمت فى وعيه وفى تشكيل إرادته على مدى عقود - بل وربما على مدى قرون - مؤسسات أخرى أصابها من الفساد أضعاف ما أصاب غيرها من مؤسسات الدولة، وما زال الفساد يضرب فى أركانها بغير رحمة، ولأجل لا يعلمه إلا الله؟!
إذا كانت الحكمة تقضى بأن نحترم إرادة الشعب مهما أخطأ فى اختياراته، فإن الحكمة نفسها كانت تقضى بأن يحترم الرئيس المنتخب كل مؤسسات الدولة الأخرى، حتى وإن كانت قد أخطأت، وأن يحترم مرجعياتها الدستورية، حتى وإن شابها القصور ... فالأخطاء يدفع بعضها بعضاً، وقد تتوازن هذه الأخطاء بفعل هذا التدافع فلا تفسد الأرض إن نحن جعلنا الشرعية تستمد منطق قيامها من مصدر للفساد المؤسسى الذى يتحكم فى الصندوق، دون مصدر آخر يحكم باقى مؤسسات الدولة، علهما يتوازنان ويصححان بعضهما البعض بمنطق الأخطاء التعويضية !
علنا نتذكر ونحن نستدعى منطق الأخطاء التعويضية هذا أن مصر كانت تمر - حتى بعد انتخاب الرئيس - بمرحلة انتقالية حرجة هى أبعد ما تكون عن اكتمال شروط التحول الديمقراطى الآمن ... والدليل هو ما نحن فيه الآن نتيجة منطق الشرعية المبتورة والديمقراطية المزيفة، ونتيجة منهج الرئيس المنتخب الذى رأى القشة فى عين مؤسسات الدولة المصرية، بعد عقود من الإفساد المؤسسى، ولم ير الخشبة التى فى عين صناديق الاقتراع، بعد قرون من إفساد مؤسسى آخر أفسد معه العقل والوعى كما أفسد الإرادة والضمير الحضارى والتاريخى ... وإن كان لهذا أحاديث أخرى نستكملها فى رسائل قادمة، هذا إن شاء الرحمن وكتب لنا السلامة فى قادم الأيام !
==========================
______________________________________________________________________________
من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 6
------------------------------------------
وجهت فى نهاية رسالتى السابقة سؤالاً طلبت فيه من خصوم الثلاثين من يونيو أن يجيبوا عليه، وهو لماذا لم يعمل الرئيس بالنصيحة التى وجهها أنصاره للذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو، فانتظر ثلاثة أشهر : فقط ثلاثة أشهر، لا ثلاث سنوات كما يحلو لخصوم الثلاثين من يونيو أن يطالبوا بها من خرجوا فى هذا اليوم؟! ... لماذا لم ينتظروا هم ثلاثة أشهر فقط لحين إصدار قانون دستورى تجرى على أساسه انتخابات مجلس الشعب بدلاً من إدخال البلاد فى دوامة "الشرعية" التى بدأها الرئيس المنتخب بقرار متهور يحمل توقيعه، يقضى بإعادة مجلس الشعب المنحل، متحدياً بذلك حكم المحكمة الدستورية العليا، وكذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى سبق له إصدار قرار الحل؟!
------------------------------------------
وجهت فى نهاية رسالتى السابقة سؤالاً طلبت فيه من خصوم الثلاثين من يونيو أن يجيبوا عليه، وهو لماذا لم يعمل الرئيس بالنصيحة التى وجهها أنصاره للذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو، فانتظر ثلاثة أشهر : فقط ثلاثة أشهر، لا ثلاث سنوات كما يحلو لخصوم الثلاثين من يونيو أن يطالبوا بها من خرجوا فى هذا اليوم؟! ... لماذا لم ينتظروا هم ثلاثة أشهر فقط لحين إصدار قانون دستورى تجرى على أساسه انتخابات مجلس الشعب بدلاً من إدخال البلاد فى دوامة "الشرعية" التى بدأها الرئيس المنتخب بقرار متهور يحمل توقيعه، يقضى بإعادة مجلس الشعب المنحل، متحدياً بذلك حكم المحكمة الدستورية العليا، وكذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى سبق له إصدار قرار الحل؟!
دعونى أضيف لهذا السؤال سؤالاً آخر لا يقل عنه أهمية، بل عله يكون سؤالاً كاشفاً لحقيقة النزاع الذى أدخل فيه الرئيس المنتخب نظام الحكم ومؤسسات الدولة قبل انتهاء المرحلة الانتقالية التى كان يقودها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أياً كان تقييمنا لكفاءة المجلس عند إدارته لهذه المرحلة : ما هو القرار الإصلاحى الذى حاول الرئيس المنتخب اتخاذه، أو الخطة التنموية التى كان ينوى تنفيذها، ووقف الإعلان الدستورى المكمل عائقاً أمام الرئيس أو مكبلاً لإرادته؟!
الإجابة عن هذا السؤال الأخير هى : لا قرارات إصلاحية ولا خطط تنموية كانت سبباً فى هذه المجابهة التى نزعت عن التجربة الديمقراطية ورقة التوت التى كانت تستر عورتها ! ... فقد بدأ الرئيس المنتخب حربه الضروس ضد الإعلان الدستورى المكمِّل، وصار أنصار الرئيس يطلقون على هذا الإعلان اسم "الإعلان الدستورى المكبِّل"، حتى قبل أداء اليمين الدستورية، وحتى مع السماح للرئيس بدخول القصر الجمهورى قبل أداء اليمين، وحتى بعد أن احتفى به أعضاء الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، واحتفلت به القوات المسلحة فى الهايكستب بما يليق بمقام رئاسة الجمهورية !
هل كانت النوايا المضمرة للمجلس العسكرى غير ما هو معلن من مظاهر الحفاوة والتقدير التى أحاط بها الرئيس؟ دعونا نفترض هذا ! لكن هذا يعطى لجميع الأطراف - لا للرئيس المنتخب وحده - حق التشكيك فى نوايا الأطراف الأخرى بما فى ذلك نوايا الرئيس ! ... الحكمة السياسية كانت تقضى إذن بأن يضع الرئيس الإعلان الدستورى المكمِّل موضع الاختبار لمعرفة ما إذا كان لدى المجلس العسكرى أية نوايا لتكبيل سلطة الرئيس التنفيذية، ولإفساد خططه الإصلاحية والتنموية؛ ولو كان قد حدث هذا لكنت قد وقفت بجانب الرجل ولكان قد وقف بجانبه كل من عارضوه بعد ذلك؛ لكنه بدلاً من ذلك سارع إلى افتعال معارك لم تكن لها ضرورة حاضرة، مما جعل الكل لا يرى فى هذه المعارك - التى خسرها الرئيس - إلا نزاعاً من أجل الاستحواذ على كل السلطة، لا نزاعاً من أجل أغراض إصلاحية ولا من أجل أهداف تنموية !
هذا الحكم الأخير على مسعى الرئيس المنتخب تدعمه اللغة السلطوية التى اعتمدها الرجل فى خطابه العام منذ إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية، وصولاً إلى قرار إعادة مجلس الشعب المنحل، فى تحدٍّ واضح لباقى سلطات ومؤسسات الدولة؛ وعلى الرغم مما حققه الرئيس من فشل فى معركته السلطوية هذه فإنه لم يتعلم كيف يتخلى عن هذه اللهجة السلطوية التى أفسدت كل فرصة لتحقيق التقارب وإقامة جسور الثقة بين مؤسسة الرئاسة وباقى مؤسسات الدولة، كما بين شخص الرئيس وباقى الشخصيات السياسية التى كان يُجرِى معها فى ذلك الوقت مشاورات اتضح لاحقاً أنها كانت مناسبَة فقط لإرسال رسائل من جانب واحد، هو جانب الرئيس، دون محاولة حقيقية من جانبه للوصول إلى توافق عام يستقر معه نظام الحكم، وتستقر معه مؤسسة الرئاسة !
-------------------------------
دعونا نذهب لبيان هذه الميول السلطوية للرئيس المنتخب، لا من واقع الإعلان الدستورى الاستبدادى الذى أصدره فى نوفمبر 2012، ولكن قبل هذا بكثير من واقع الخطاب الذى ألقاه الدكتور مرسى - رحمه الله - فى حفل تخريج الكلية الحربية يوم 17 يوليو 2012، أى بعد أسبوع واحد فقط من حكم المحكمة الدستورية العليا بإلغاء قرار رئيس الجمهورية المتهور بإعادة مجلس الشعب المنحل ... وربما كان للتصفيق الاستثنائى الذى حظى به المشير طنطاوى فى بداية الخطاب، عندما وجه له الرئيس مرسى حديثه، مدلول خاص كونه تعبيراً عن عمق الأزمة التى تعمقت بين الرجلين، كما تعمقت بين الرئيس وبين باقى قيادات الجيش، بعد أزمة "مجلس الشعب" !
ربما يكون خطاب الكلية الحربية هذا قد سقط من الذاكرة العامة باعتباره خطاباً ثانوياً رغم أهميته إذا ما نحن حللناه إلى مفرداته واستخرجنا منه رسائله ... انتقيت من هذا الخطاب مقتطفات لا تفسد معناه، ولا تنحرف بنا عن مضمونه، ثم أتْبعته بتعليق لى على الفقرة الأخيرة منه صدر عنى فى نفس اليوم بأحد البرامج التليفزيونية منذ سبع سنوات مضت، وهو تعليق سأعود إليه لاحقاً فى نهاية هذه الرسالة ... وفيما يلى أهم الأفكار والأقوال التى وردت فى هذا الخطاب المبكر للرئيس مرسى :ـ
*****
أولاً: أن القوات المسلحة - حسب كلمات الرئيس مرسى - قد انحازت لإرادة الأمة حين ثارت ضد الظلم والاستبداد، وأنها هى التى تولت إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية عقب ثورة يناير 2011؛ أى أنه قد أقر بأن القوات المسلحة كانت فى هذه الفترة هى المسؤولة عن الدولة المصرية لحين انتهاء المرحلة الانتقالية التى اعترف الرئيس مرسى بأنها حمَّلت القوات المسلحة بالكثير مما يزيد من أعبائها، كما أقر بأن عودة القوات المسلحة إلى ثكناتها بعد تنصيبه هى قضية مؤجلة لحين استقرار أوضاع الدولة المصرية !
أولاً: أن القوات المسلحة - حسب كلمات الرئيس مرسى - قد انحازت لإرادة الأمة حين ثارت ضد الظلم والاستبداد، وأنها هى التى تولت إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية عقب ثورة يناير 2011؛ أى أنه قد أقر بأن القوات المسلحة كانت فى هذه الفترة هى المسؤولة عن الدولة المصرية لحين انتهاء المرحلة الانتقالية التى اعترف الرئيس مرسى بأنها حمَّلت القوات المسلحة بالكثير مما يزيد من أعبائها، كما أقر بأن عودة القوات المسلحة إلى ثكناتها بعد تنصيبه هى قضية مؤجلة لحين استقرار أوضاع الدولة المصرية !
*****
ثانياً: أن القوات المسلحة - حسب كلمات الرئيس فى خطابه - "كانت على عهدها ووعدها"، وأنها سلمت السلطة فى 30 يونيو 2012 للرئيس المنتخب؛ ولقد بينت فى رسائل سابقة أنه رئيس منتخب "دستورياً"، وأن الوثائق الدستورية التى تقلد الدكتور مرسى بمقتضاها منصب رئيس الجمهورية إنما تجعله رئيساً للسلطة التنفيذية وحدها، وذلك لحين صدور دستور للبلاد يحدد باقى اختصاصاته - ومنها منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة - ومن ثم انتهاء المرحلة الانتقالية التى لم تكن قد انتهت بتنصيب الدكتور مرسى رئيساً للجمهورية.
ثانياً: أن القوات المسلحة - حسب كلمات الرئيس فى خطابه - "كانت على عهدها ووعدها"، وأنها سلمت السلطة فى 30 يونيو 2012 للرئيس المنتخب؛ ولقد بينت فى رسائل سابقة أنه رئيس منتخب "دستورياً"، وأن الوثائق الدستورية التى تقلد الدكتور مرسى بمقتضاها منصب رئيس الجمهورية إنما تجعله رئيساً للسلطة التنفيذية وحدها، وذلك لحين صدور دستور للبلاد يحدد باقى اختصاصاته - ومنها منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة - ومن ثم انتهاء المرحلة الانتقالية التى لم تكن قد انتهت بتنصيب الدكتور مرسى رئيساً للجمهورية.
*****
ثالثاً: حاول الرئيس مرسى فى كلمته أن يلتف على حقيقة كونه رئيساً للسلطة التنفيذية، لا قائداً أعلى للقوات المسلحة، بحديثه عن "القوات المسلحة كأحد أهم مؤسسات السلطة التنفيذية"، ولا أعرف كيف سكت المجلس الأعلى للقوات المسلحة على هذه المغالطة الدستورية؛ إذ على حين تُعتبَر وزارة الدفاع إحدى أهم مؤسسات السلطة التنفيذية، مما يعطى الرئيس الحق إذا ما تحدث فى خطابه عن مسؤوليته عن السياسات الدفاعية للدولة، وعن تلبية احتياجات القوات المسلحة، إلا أن هذه القوات المسلحة تبقى خارج السلطة التنفيذية، بل هى ليست سلطة على الإطلاق، وإنما هى مكون من مكونات الدولة، له وضعه الخاص الذى يجعل كل الدساتير تتحدث عن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فلو كانت القوات المسلحة إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية لما كانت هناك حاجة لمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة (وهو منصب مدنى)، ولاكتفى المشرع الدستورى بمنصب رئيس السلطة التنفيذية وحده ! ... ما قاله الرئيس مرسى إذن عن اعتبار القوات المسلحة إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية لم يكن فى حقيقته إلا محاولة التفاف من جانبه لتوسيع سلطته بالمخالفة لنصوص الإعلان الدستورى المكمل !
ثالثاً: حاول الرئيس مرسى فى كلمته أن يلتف على حقيقة كونه رئيساً للسلطة التنفيذية، لا قائداً أعلى للقوات المسلحة، بحديثه عن "القوات المسلحة كأحد أهم مؤسسات السلطة التنفيذية"، ولا أعرف كيف سكت المجلس الأعلى للقوات المسلحة على هذه المغالطة الدستورية؛ إذ على حين تُعتبَر وزارة الدفاع إحدى أهم مؤسسات السلطة التنفيذية، مما يعطى الرئيس الحق إذا ما تحدث فى خطابه عن مسؤوليته عن السياسات الدفاعية للدولة، وعن تلبية احتياجات القوات المسلحة، إلا أن هذه القوات المسلحة تبقى خارج السلطة التنفيذية، بل هى ليست سلطة على الإطلاق، وإنما هى مكون من مكونات الدولة، له وضعه الخاص الذى يجعل كل الدساتير تتحدث عن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فلو كانت القوات المسلحة إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية لما كانت هناك حاجة لمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة (وهو منصب مدنى)، ولاكتفى المشرع الدستورى بمنصب رئيس السلطة التنفيذية وحده ! ... ما قاله الرئيس مرسى إذن عن اعتبار القوات المسلحة إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية لم يكن فى حقيقته إلا محاولة التفاف من جانبه لتوسيع سلطته بالمخالفة لنصوص الإعلان الدستورى المكمل !
*****
رابعاً: تحدث الرئيس مرسى فى خطابه عن بعض الغبار الذى أثير هنا وهناك، وهو يشير بحديثه هذا عن "الغبار" للمنازعات التى كان آخرها - وقتها - الاحتقانات الدستورية والقانونية والسياسية التى تسببت فيها المحاولة الرئاسية الفاشلة لإعادة مجلس الشعب المنحل، رغم ما تلقاه مستشاره القانونى فى ورشة عمل مكتبة الأسكندرية من نصائح، سبقت إصدار القرار، بعدم المضى فى هذا الإجراء المتهور ... بسبب هذا "الغبار" تحدث الرئيس مرسى عن مشاورات يجريها "مع كل التيارات السياسية والرموز الوطنية لوضع تصور كامل لإدارة المرحلة القادمة، دستورياً وقانونياً وسياسياً"، وعن أن هذه المشاورات "مازالت مستمرة لاختيار أفضل البدائل التى تحقق مصلحة المواطن والوطن" ... ويبقى السؤال : هل جرت هذه المشاورات بنفس الروح التى جرت بها مشاورات مكتبة الأسكندرية؟! سؤال تجيب عنه الكوارث الدستورية والقانونية والسياسية التى تورطت فيها مؤسسة الرئاسة لاحقاً، مما نرجئ الحديث عنه لرسائل لاحقة
رابعاً: تحدث الرئيس مرسى فى خطابه عن بعض الغبار الذى أثير هنا وهناك، وهو يشير بحديثه هذا عن "الغبار" للمنازعات التى كان آخرها - وقتها - الاحتقانات الدستورية والقانونية والسياسية التى تسببت فيها المحاولة الرئاسية الفاشلة لإعادة مجلس الشعب المنحل، رغم ما تلقاه مستشاره القانونى فى ورشة عمل مكتبة الأسكندرية من نصائح، سبقت إصدار القرار، بعدم المضى فى هذا الإجراء المتهور ... بسبب هذا "الغبار" تحدث الرئيس مرسى عن مشاورات يجريها "مع كل التيارات السياسية والرموز الوطنية لوضع تصور كامل لإدارة المرحلة القادمة، دستورياً وقانونياً وسياسياً"، وعن أن هذه المشاورات "مازالت مستمرة لاختيار أفضل البدائل التى تحقق مصلحة المواطن والوطن" ... ويبقى السؤال : هل جرت هذه المشاورات بنفس الروح التى جرت بها مشاورات مكتبة الأسكندرية؟! سؤال تجيب عنه الكوارث الدستورية والقانونية والسياسية التى تورطت فيها مؤسسة الرئاسة لاحقاً، مما نرجئ الحديث عنه لرسائل لاحقة
*****
خامساً: أخطر ما جاء فى هذا الخطاب "سلطوياً" هو ما جاء فى نهايته من تهديد لمعارضى أسلوب الحكم الذى ينتهجه الرئيس، إذ وجه حديثه - وبلهجة سلطوية لا يخففها أى حديث عن "الحب" - إلى هؤلاء المعارضين، الذين وصفهم بـ"المتطاولين"، مهدداً إياهم بأن "لا يغرنكم حلم الحليم" (كررها مرتين)، ثم أردف قائلاً "إننا يمكن بالقانون، وبالقانون وحده، أن نردع؛ ولكنى - وبكل الحب - أفضل على ذلك، وقبل ذلك، الحب والألفة والعود الكريم إلى الحق"، دون أن يحدد لنا ماذا كان يقصد تحديداً بالتطاول، ولا ماذا كان يقصد تحديداً بالحق !
خامساً: أخطر ما جاء فى هذا الخطاب "سلطوياً" هو ما جاء فى نهايته من تهديد لمعارضى أسلوب الحكم الذى ينتهجه الرئيس، إذ وجه حديثه - وبلهجة سلطوية لا يخففها أى حديث عن "الحب" - إلى هؤلاء المعارضين، الذين وصفهم بـ"المتطاولين"، مهدداً إياهم بأن "لا يغرنكم حلم الحليم" (كررها مرتين)، ثم أردف قائلاً "إننا يمكن بالقانون، وبالقانون وحده، أن نردع؛ ولكنى - وبكل الحب - أفضل على ذلك، وقبل ذلك، الحب والألفة والعود الكريم إلى الحق"، دون أن يحدد لنا ماذا كان يقصد تحديداً بالتطاول، ولا ماذا كان يقصد تحديداً بالحق !
هذا التهديد الأخير هو تحديداً ما أشرت إليه فى سياق حديث لى عن نمط التفكير الجديد الذى نريده بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، مما تجدوه ملحقاً بما اقتطفته من خطاب الرئيس مرسى فى الكلية الحربية مرفقاً بهذه الرسالة
---------------------------
قد أود هنا أن أؤكد لهواة تشتيت القضية خارج سياقها أن ما ذكرته فى مداخلتى تلك منذ سبع سنوات عن عدم قدسية رئيس الدولة لا يخص شخص الرئيس مرسى وحده، وإنما هو ينسحب اليوم على الرئيس السيسى، كما ينسحب على أى رئيس آخر يأتى من بعده ويتصور أن من حقه التصرف كإله لا يخضع للمحاسبة .. أو أن من حقه مطالبة المصريين بالسير وراءه كالقطيع، الذى يسمع ويطيع .. أو أن يتبعوه كالعبيد الذين لا حق لهم فى التفكير أو فى التعبير عن إرادة غير إرادته .. أو أن يطالبهم بالصمت، ويحرمهم من حق الاختيار الحر، وهو يُسكِنهم - غير عابئ بلحظة الحقيقة - فقاقيع الوهم التى تطير بهم فى سماء اللامعنى ! ... المبدأ يبقى واحداً أياً كان شخص الرئيس، وأياً كان انتماؤه الأيديولوجى أو التنظيمى
==================
https://www.facebook.com/hazem.a.hosny/videos/10211298866386748/?t=4
_________________________________________________________________________
من يعتذر لمن؟ .. الطريق إلى 30 يونيو - 5
------------------------------------------
الجزء الأخير من هذه الرسالة كنت قد ذيلت به رسالتى السابقة، فهو امتداد طبيعى لموضوعها، واستكمال للمشهد السياسى الذى تناولته فيها؛ لولا أن رأيت قبل نشر هذه الرسالة السابقة أن هذا الجزء الأخير إنما يستحق تقديماً خاصاً نستريح به ثقافياً وفكرياً من جفاف السياسة وعبثية صراعاتها، فضلاً عن خشيتى من أن تضيع بعض أفكاره المهمة فى زحام رسالة كانت قد طالت ولم تعد تحتمل مزيداً من الإطالة.
------------------------------------------
الجزء الأخير من هذه الرسالة كنت قد ذيلت به رسالتى السابقة، فهو امتداد طبيعى لموضوعها، واستكمال للمشهد السياسى الذى تناولته فيها؛ لولا أن رأيت قبل نشر هذه الرسالة السابقة أن هذا الجزء الأخير إنما يستحق تقديماً خاصاً نستريح به ثقافياً وفكرياً من جفاف السياسة وعبثية صراعاتها، فضلاً عن خشيتى من أن تضيع بعض أفكاره المهمة فى زحام رسالة كانت قد طالت ولم تعد تحتمل مزيداً من الإطالة.
فمن كانت ترهقه هذه الاستراحة الثقافية التى أبدأ بها رسالتى فليتجاوزها إلى ما بعدها، وإن كان كثير من المعانى التى تنير المشهد السياسى الذى نحن بصدده سيسقط بالضرورة مع هذا التجاوز؛ فالعقل السياسى المفرغ من الثقافة ومن الفكر لا يقود فى الحقيقة إلا لمواقف متحجرة، وإلا لأرض مجدبة قاحلة لا تقود إلا لسراب يحسبه الظمآن ماءً، فإن هو جاءه لم يجد إلا فقاقيع الوهم التى تعمينا عن رؤية الطريق إلى الخلاص مما نحن فيه !
---------------------------------------------------
للكاتب والروائى الروسى الأشهر "ليو تولستوى" - صاحب "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا" - قصة قصيرة عنوانها "كم يحتاج المرء من الأرض؟"، وهى تروى قصة رجل من العامة، يعيش فى روسيا القيصرية، أراد أن يمتلك أرضاً تغنيه من الفقر، فكان أن ادخر مبلغاً من المال ليبدأ به مشروع شرائه قطعة أرض صغيرة، لكنه رأى أن قطعة الأرض الصغيرة هذه لن تلبى طموحاته، ولن تضمن له الريع الذى يغنيه؛ فظل صاحبنا على حالة عدم الرضاء هذه حتى سمع بوجود جماعة من "البشكيريين" الذين يحسبهم الناس من بسطاء العقول، فهم يعرضون أراضيهم الشاسعة للبيع مقابل شروط بسيطة، إذ يحصلون من طالب الشراء على ألف روبل لا غير، ثم يطلبون منه أن يحدد بنفسه حدود قطعة الأرض التى يرغب فى امتلاكها بأن يضع علامات على طول هذه الحدود التى تحيط بقطعة الأرض - مهما بلغ اتساعها - شرط أن يعود قبل غروب الشمس إلى نقطة البداية التى بدأ منها سعيه لتحديد حدود الأرض، فإن هو تأخر عن موعد الغروب خسر كل شئ بما فى ذلك الألف روبل التى دفعها !
لم يكن "البشكيريون" بكل بساطة العقل التى ظنها فيهم صاحبنا، فقد كانوا يعرفون جيداً نقاط الضعف فى النفس الإنسانية ! ... دفع صاحبنا الألف روبل ممنياً نفسه بأن يمسى مع نهاية النهار من كبار ملاك الأراضى، وبدأ رحلته المتفق عليها لوضع العلامات على حدود الأرض التى يرغب فى امتلاكها، وكلما كان يضع علامة تحديد للأرض المرجوة كان يرى فيما أنجز بدايةً لإنجاز آخر يأخذه عميقاً نحو الأفق؛ وكلما زادت مساحة الأرض التى يحيطها بالعلامات كان صاحبنا يطمع فى المزيد !
لم يشعر هذا الطامع إلا بالنشوة أمام أحلامه التى تتحقق مع كل خطوة تبعده عن نقطة البداية، حتى أنه لم يلحظ الشمس التى كانت تميل نحو الغروب، ولا هو أدرك أن لقواه الجسدية قدرة محدودة - مهما عظمت - لا يمكن له أن يتجاوزها؛ وعندما أفاق صاحبنا على مشهد الشمس وقت الأصيل أخذ يعدو كالمجنون بكل مخزون القدرة فى جسده نحو نقطة البداية التى بدأ منها رحلته، لكن قلبه المرهق لم يتحمل قسوة العدو بلا توقف، فوصل إلى نقطة النهاية ميتاً ليحصل مقابل الألف روبل التى دفعها لأصحاب الأرض على قبر لا تزيد مساحته عن متر مربع واحد !
هذه القصة كتبها تولستوى لتعبر عن حكمة الحياة كما كان يراها وهو يمر بمرحلة تحولات حادة جعلته يتحول إلى ناسك زاهد رغم أنه كان وريثاً لثروة إقطاعية كبيرة، لكنه تنازل عن أرضه للفلاحين الذين يزرعونها، ورأى فى "الفقر الاختيارى" طريقاً للخلاص لا تقوده إليها الكنيسة أو الدولة أو جماعته الأرستقراطية التى نشأ فيها؛ وكانت لتولستوى فى هذا كتابات فلسفية تأثرت بها شخصيات أثرت بدورها فى مسارات تاريخ شعوبها مثل المهاتما غاندى فى الهند، ومارتن لوثر كنج فى الولايات المتحدة الأمريكية، مما لا مجال للخوض فى تفاصيله فى هذه الرسالة التى لها فى الحقيقة أهداف أخرى غير تلك التى أراد تولستوى التعبير عنها بقصته القصيرة عن الرجل الذى طمع فى كل الأرض فلم يحصل منها إلا على مساحة تكفى لدفنه !
قد نجد فى ثقافتنا الشعبية ما يعبر عن نفس المعانى التى عبر عنها تولستوى بقصته، مثل قول الأمثال الشعبية : "اجرى يا ابن آدم جرى الوحوش، غير رزقك لم تحوش"، أو مثل قولنا إن "الطمع يقل ما جمع"، إلى آخر هذه الأقوال التى ربما تتوافق مع بعض المعنى الذى أراده تولستوى؛ غير أننى أود استدعاء قصة تولستوى هذه للتعبير عن معنى آخر ربما لا يتفق مع المعنى الفلسفى الذى أراده تولستوى فى إطار التحولات الدينية والسياسية والاقتصادية والإنسانية التى مر بها وعبَّر عنها فى أكثر من مؤلف له مابين قصصى وفلسفى !
دعونا نترك المعنى المباشر للأرض فى رواية تولستوى لنعطيها معنىً مجازياً هو السلطة، فهى كالأرض تمارس على صاحبها نفس الغواية التى تجعله يقول دائماً : "هل من مزيد؟!" .. بل هى فى سبيل الحصول عليها إنما تدفع صاحبها لعدم الاعتراف بأية حسابات تفرضها تجارب التاريخ ودروسه، أو تفرضها توازنات القوة وحساباتها، حتى لربما تسكره بغوايتها فلا يكاد يعى محدودية قدرته على امتلاك كل ما يحلم به منها، ولا فى أى مدى زمنى يمكنه تحقيق ذلك أو تحقيق بعضه ... حين يفتقر صاحب السلطة للثقة فى قدرته على ترويضها وإخضاعها لتحقيق غاياته فإنه يسيطر عليه هاجس الزمن الذى يضيق فى نظره فيكاد لا يتسع لغير الفترة التى يراها تفصل بين شروق الشمس وغروبها، مجازفاً بكل شئ لحسم كل أسئلة السلطة بمنطق الحصول على الكل قبل غروب الشمس أو أنه لن يحصل على أى شئ صباح اليوم التالى، أو كأنه يستدعى منطق ريتشارد قلب الأسد فى فيلم "الناصر صلاح الدين" : أريد البركة حالاً أو اللعنة حالا !
-----------------------------------
هكذا حاول الرئيس المدنى المنتخب أن يحسم كل أسئلة السلطة مع أول أيام انتقالها إليه، وجازف فى سبيل ذلك باستقرار حكمه، بل وباستقرار الدولة كلها، لولا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة - وكان هو المسؤول عن الدولة خلال المرحلة الانتقالية بموافقة ضمنية وصريحة من الجميع - قرر أن يتعامل مع قرار الرئيس بإعادة مجلس الشعب المنحل، الذى تحدى به الرئيس المحكمة الدستورية العليا لا مجرد المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحده، بأن أحال المجلس قرار الرئيس إلى المحكمة الدستورية العليا التى قضت بإلغاء قرار الرئيس وبنفاذ قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى قام الرئيس بإلغائه !
لا أعتقد أن هذا كان انتصاراً لهاتين المؤسستين فى مواجهة مؤسسة الرئاسة، فقد خرج الجميع من هذه المعركة الرعناء خاسراً، لكن أكثر من خسر هو مؤسسة الدولة المصرية التى أطاح الرئيس بقراره المتهور بكل جسور الثقة بين مؤسسة الرئاسة وبين باقى مؤسسات الدولة، بل وزرع الريبة فى صدور وعقول كل مفردات المشهد السياسى التى لم تعد تطمئن لتوجهات الرئيس السلطوية التى تتجاوز مؤسسات الدولة، كما تتجاوز الإطار الدستورى الذى يحكمها !
ينشأ هنا سؤال مهم لم يقدم له أنصار الرئيس مرسى أى إجابة إلى اليوم وهو لماذا لم يعمل الرئيس بالنصيحة التى وجهها أنصاره للذين خرجوا فى الثلاثين من يونيو، فانتظر ثلاثة أشهر ... فقط ثلاثة أشهر، لا ثلاث سنوات كما يحلو لخصوم الثلاثين من يونيو أن يطالبوا بها من خرجوا فى هذا اليوم ليلقوا عليهم بمسؤولية الخروج عن الشرعية .. هكذا، دون أن تكون لهذه "الشرعية" أى علاقة نسب بأى مرجعيات يمكن أن تنتسب إليها؟!
لماذا لم ينتظروا - أياً كان من يعود عليهم هذا الضمير - ثلاثة أشهر فقط لحين إصدار قانون دستورى تجرى على أساسه انتخابات مجلس الشعب بدلاً من إدخال البلاد فى دوامة "الشرعية" التى بدأها الرئيس المنتخب بقراره الأرعن الذى عجل بأزمة الحكم بعد عشرة أيام فقط من تنصيبه رئيساً "دستورياً" للبلاد؟!! ... لا أجد إجابة لهذا السؤال سوى أنهم ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، علماً بأن البر الذى كانوا مطالبين به، وهو الانتظار لثلاثة أشهر، كان أقل من عُشر ما ظلوا يبتزون الناس به، وهو الانتظار لثلاث سنوات تكون السلطة فيها لمن لم يتحمل صبر الشهور الثلاثة الأولى من حكمه !!
تذكروا مرة أخرى، أن أزمة الحكم هذه - التى نشأت بصدور حكم المحكمة الدستورية العليا بإلغاء قرار رئيس الجمهورية بإعادة مجلس الشعب المنحل - إنما بدأت بعد عشرة أيام فقط من تولية الرئيس مرسى، قبل ظهور جبهة الإنقاذ بشهور، وقبل ظهور حركة تمرد، وقبل تدخل السعودية والإمارات، وقبل ظهور عبد الفتاح السيسى فى الصورة، حتى وإن كان يتحرك فى مكان آخر غير مرئى فى خلفيتها !!
وما زال لحديث الطريق بقية !
============================
https://www.facebook.com/hazem.a.hosny/videos/10211282836986023/?t=3
________________________________________________












































Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen