تصحيح المفاهيم وضبط المصطلحات : (1) الليبرالية
ه---------------------------------------------------
كلمة "الليبرالية" هى إحدى الكلمات المُعرَّبة التى لا أصل لها فى اللغة العربية، لكنها دخلت اللغة تعريباً لا اشتقاقاً نتيجة انفتاح الناطقين بالعربية على العالم الخارجى، وعلى العالم الغربى بشكل خاص، سياسياً واقتصادياً وعلمياً وفنياً، مثلها فى ذلك مثل كلمات أخرى كثيرة كالديمقراطية والديكتاتورية والإمپريالية، أو كأسماء المعارف والعلوم مثل الفلسفة والجغرافيا والڇيولوڇيا والفيزياء والميكانيكا والتكنولوڇيا، أو كأسماء العملات مثل الجنيه والريال والدرهم والدينار والليرة، فكلها أسماء معربة لا أصل لها فى اللغة العربية، والقائمة تطول.
هذا التفاعل الثقافى بين اللغات لا تختص به اللغة العربية وحدها، ولا هو العالم الغربى وحده ما نجح فى تصدير كلماته ومصطلحاته إلى غيره من لغات العالم، بل هى ظاهرة عامة تخضع لها كل اللغات بدرجات متفاوتة؛ فكثير من الكلمات الفارسية والتركية قد تم تعريبها، وكثير من الكلمات العربية دخلت إلى اللغة اللاتينية ومنها إلى اللغات الأوروپية المعاصرة، بل إن كلمات ومصطلحات وتعبيرات إنجليزية قد تمت فرنستها، فضلاً عن كلمات ومصطلحات وتعبيرات فرنسية تمت نجلزتها، على ما كان بين فرنسا وإنجلترا من عداءات وحروب ضارية، ولا ننسى فى هذا السياق الكلمات والمصطلحات والتعبيرات الإيطالية والإسپانية التى صارت ضمن قواميس اللغات الأوروپية الأخرى، فضلاً عن قواميس اللغة العربية وغيرها من لغات العالم.
هى إذن ظاهرة إنسانية عالمية، تخضع لقوانين التلاقح بين الثقافات، ولقوانين التطور بشكل عام، لولا هذا الانغلاق الثقافى الذى يدفع البعض للنظر بعين الارتياب لهذه الظاهرة اللغوية التى يعتبرها هذا البعض علامة "غزو ثقافى" أو علامة "انسحاق حضارى"، مما يدفعه أحياناً لمناصبة هذه الكلمات وهذه المصطلحات والتعبيرات العداء، إما لخطأ غير مقصود فى فهم آليات هذا التلاقح اللغوى وأسبابه، أو لعدم إدراك مدلول هذه الكلمات والمصطلحات والتعبيرات اللغوية، فضلاً عن أصولها التاريخية والاشتقاقية، أو لرغبة متعمدة فى شيطنة هذه الكلمات والمصطلحات والتعبيرات اللغوية حتى يمجها الناس فلا يتعاملون بها بما يسمح لها بالمساهمة فى تشكيل الوعى المعرفى لجموع الناس، أو فى تفعيل قوى التطور السياسى والاقتصادى والعلمى والفنى خارج الأطر التقليدية "الراكدة" التى استقرت عليها هذه المجتمعات.
*********************
خطأ شائع – عفوى أو عمدى – أن يخلط الناس بين مفهوم الليبرالية وبين مفاهيم الانفلات الأخلاقى والدينى، ومفاهيم التمرد على فكرة القانون والنظام العام الذى يحكم المجتمع، وهو ما يلزمنا بضرورة التمييز بين مصطلحين: أحدهما هو مصطلح الليبرالية Liberalism والآخر هو مصطلح الليبرتينية Libertinism الذى قد يكون مجهولاً تماماً لدى عامة الناس، وربما أيضاً لدى قطاع كبير من خاصتهم، فيستعيضون عنه بمصطلح "الليبرالية" الذى يجمع فى ذهنهم بين مفهومين متناقضين، وإن كانا ينبعان مصطلحياً من أصل اشتقاقى واحد تطور تاريخياً وثقافياً فى اتجاهين مختلفين! ـ
كلا المصطلحين ينبع من أصل لاتينى واحد، ويمكن ترجمتهما – لا مجرد تعريبهما – بمعنى "مذهب الحرية"؛ غير أن المصطلح الأول – ولهذا أصله التاريخى والثقافى – إنما يعنى مذهب "الحرية المنضبطة"، فى حين أن الثانى يعنى مذهب "الحرية المنفلتة"، ولهذا أيضاً أصوله التاريخية والثقافية التى سنأتى على ذكرها!
الحديث إذن الذى يتبناه البعض – خاصة الجماعات الدينية – من أن الليبرالية تعنى الانفلات الأخلاقى، والشذوذ الجنسى، وصولاً لاتهام المرأة الليبرالية بأنها متهتكة، واتهام الرجل الليبرالى بأنه ديوث، كل هذا يدخل فى باب البروباجندا المسمومة (و"البروباجندا" كلمة معربة هى الأخرى) بقصد شيطنة المنافس الفكرى، وإفقاده الاعتبار بين الناس، وتجريده من حقه – بل ومن واجبه - فى أن يكون له دوره فى دفع حركة المجتمع نحو التغيير الإيجابى فى اتجاه التقدم والارتقاء.
***********************
كما ذكرنا فإن المنشأ الاشتقاقى للمصطلحين Liberalism & Libertinism واحد، وهو كلمة Liberty التى قد نترجمها إلى "الحرية"، وهى كلمة ملتبسة قد تحمل معنى "الانعتاق" كما تحمل معنى "الانفلات" … وأصل الكلمة مأخوذ من اسم إحدى ربات الرومان، واسمها "ليبرتاس" Libertas ، وهى ربة "الحرية" فى روما القديمة، وقد تنامت أهميتها مع انعتاق روما من النظام الملكى إلى النظام الجمهورى، مع تآكل نفوذ الحزب الأرستقراطى (و"الأرستقراطية" كلمة معربة) لمصلحة الحزب الشعبى الذى كان أبرز وجوهه "يوليوس قيصر" وصفيه "بروتوس"، وإن كان هذا الأخير قد انقلب على حليفه بعدما رأى ميوله الاستبدادية التى تتعارض مع إيمان "بروتوس" العميق بمبدأ "الحرية"، وإخلاصه للربة "ليبرتاس" التى كان يؤم معبدها جموع الشعب الرومانى، خاصة العبيد الذين كان يعتمد تحريرهم مجلس الشيوخ الرومانى.
من اسم "ليبرتاس" تم اشتقاق كلمة Liberty ، التى منها تم اشتقاق مصطلح مهم فى الفلسفة السياسية هو مصطلح "الليبرتارية" Libertarianism ، الذى يمكن ترجمته هو الآخر بمذهب الحرية، أو مذهب التحرر؛ وهو يدعو لحق الفرد فى إدارة شؤونه السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية ذاتياً دون تدخل من أى سلطة سياسية أو دينية، ولكن دون اعتداء على حرية الآخرين … وتشمل تلك الحريات التى تقول بها "الليبرتارية" حرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الاختيار، وحرية الانضمام للجماعات السياسية أو الدينية أو الثقافية التى تتجه إلى الانضمام إليها إرادة الفرد، دونما أى قهر من جانب سلطة حاكمة، طالما كانت اختيارات فردية لا تمس حرية أى شخص آخر.
وقد اختلف الليبرتاريون حول تعريف المدى الذى يمكن أن تصل إليه حرية الفرد، وفى تقييمهم لدور مؤسسات السلطة فى ضبط حركة المجتمع؛ فنشأت مذاهب متعددة للحرية، فنشأت "الليبرالية" على يد فلاسفة مثل "ڇون لوك" John Lock فى القرن السابع عشر، وهى تدعو للتحرر من القهر والعبودية، ولكن دون انفلات من القواعد العامة التى تضمن استقرار المجتمع وتسمح بإدارة الشأن العام .. كما نشات "الليبرتينية" فى ثنايا كتابات ازدهرت فى القرن الثامن عشر على يد أمثال "الماركيز دو صاد" Le Marquis de Sade ، الذى تم اشتقاق مصطلح "السادية" Sadism من اسمه، وإن كان البعض يعود بتاريخ "الليبرتينية" إلى الإمبراطور الرومانى "كاليجولا" الذى اشتهر بفسقه وفحشه الشديدين .. كما نشأت مذاهب أخرى كثيرة تدعو للتحرر – بمعان متفاوتة من الحرية وعلاقتها بالسلطتين السياسية والدينية – وصولاً إلى مذاهب الإعلاء الكامل لقيمة الفرد، مع الإنكار الكامل لأى دور تقوم به السلطة، فيما يُعرَف بالأناركية (و"الأناركية" كلمة معربة) التى يترجمها البعض بمذهب الفوضى.
الليبرالية إذن هى إحدى تجليات "الليبرتارية"، وهى تأخذ من الحرية معنى "الانعتاق" من القهر ومن العبودية، لا معنى الانفلات القيمى والأخلاقى، ولا يجوز معرفياً الخلط بينها وبين "الليبرتينية"، وهى تعبير مصطلحى كان أول من استخدمه الثيولوڇى الفرنسى "جان كالڤن"، الذى إليه تُنسَب "الكالڤينية" Calvinism ، وهى حركة پروتستانتية، نشأت فى القرن السادس عشر، ونادت بالإصلاح الدينى، لكنها كانت تؤمن بأن الحاكمية تبقى لله، إلى غير ذلك من المبادئ التى رأى فيها معارضوها أنها تؤذن بتأسيس استبداد جديد باسم الدين، فأطلق "كالڤن" على هؤلاء المعارضين صفة "الليبرتينية" Libertins ، قاصداً أنهم متحررون من سلطان الدين لدرجة "الانفلات”! ثم تطور توظيف المصطلح بعد ذلك للإشارة إلى معنى الانفلات من كل القيم الدينية والأخلاقية التى تعارف عليها المجتمع خاصة فى الأمور التى تتعلق بادعاء حق الفرد فى ممارسة الجنس بأى شكل يريد متحرراً من كل القيود الأخلاقية والقانونية.
من يتابع من حضراتكم حركة الغناء الغربى – وهو ككل الغناء فيه الغث والسمين، وليس كله إيجابياً بطبيعة الحال – يعرف أن مغنية فرنسية شهيرة هى Mylène Farmer لها أغنية منفلتة - أو هى أغنية متمردة على كل الضوابط الأخلاقية المجتمعية، خاصة فيما يتعلق بالممارسات الجنسية – عنوانها Libertine تتحدث كلماتها عن كونها امرأة ليبرتينية تصف نفسها صراحةً بأنها "عاهرة"!! حتى فى هذه الأغنية الصادمة أخلاقياً لم تجرؤ من تغنيها على وصف نفسها بأنها ليبرالية Liberale ، بل اختارت المصطلح المناسب – وهو Libertine - كى لا تختلط المعانى فى ذهن المتلقى، وكى لا تؤخذ الأمور بأشباهها.
ه===================
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen