Hazem A. Hosny
24. September 2019 ·
جسد سياسى ملئ بالأدرينالين
----------------------------
عندما أقرأ بعض التعليقات على ما أكتب أشعر أن الجسد السياسى المصرى قد صار فيه من قوة الأدرينالين أكثر مما فيه من قوة العقل !
بعض أصحاب التعليقات يتحدث عن الواقع المصرى وكأنه جالس فى قصر الرئاسة ليقرر ماذا يفعل بالسيسى وجنرالات الجيش ! ... بعضهم الآخر يتحدث وكأن المجلس الرئاسى السودانى - الذى يتخذه نموذجاً - هو مجلس مدنى منزوع الدسم العسكرى ! ... بعضهم الثالث لا يدرك أن مصر تنتظرها مرحلة تأسيسية صعبة لا علاقة لها بالقواعد الدستورية التى تحكم الدول المستقرة ! ... بعضهم الرابع تدفعه جرعات الأدرينالين الزائدة لالتقاط عبارات دون غيرها ليستثير بما تنتقيه عيناه إفراز الأدرينالين لحد التخمة ! ... بعضهم الخامس كره ما كتبته عن بيان اعتزام الفريق عنان الترشح للرئاسة لمجرد أنه بيان صادر عن رجل عسكرى دون أن يقرأ البيان ويحلل مفرداته ويفهم فلسفته، أو كأنه يدعو لاستبدال حكم عسكرى بحكم عسكرى بديل !
بعض أصحاب التعليقات لا يعرف ما هى حدود الفعل للشرط الضرورى، وما هى أبعاد الشرط الكافى ! ... بعضهم يتصور أن إرادة الشعب - بافتراض توفرها لدى جميع أفراده - هى الشرط الضرورى والكافى لتحقيق الخلاص، وكأنه لا توجد معطيات أخرى معاكسة لهذه الإرادة ! ... وبعضهم يتصور أن الحديث عن هذه المعطيات الأخرى التى تتحكم فى المشهد المصرى إنما هو حديث عن مصادرة إرادة الشعوب وقدرتها على إحداث التغيير ! ... يؤسفنى مصارحة الجميع بأن أولئك وهؤلاء إنما يعتمدون عقلاً تقليدياً، لا عقلاً منظومياً قادراً على التعامل مع سنن التاريخ الإنسانى، وأنهم يتناولون الأزمة المصرية وكأنهم يتناولون أزمة ناد رياضى ! ... حتى النوادى الرياضية تحكمها توازنات موضوعية، أحببنا وجود عناصر هذه التوازنات أو كرهنا وجودها !
لو كانت مصر ستتعامل مع مستقبلها وهى غارقة فى فيضان الأدرينالين هذا فهى ستكرر نفس أخطائها القديمة التى يبدو أن بعض المصريين قد أدمنوها ... بعضهم - عن حسن نية - يبحث عن الكمال والتمام الذى له شروط غير متوفرة فى الأسواق ! ... بعضهم الآخر - عن سوء تقدير - يبحث عن "الزيطة" الثورية بلا أى عقل ثورى يوجه الثورة ويرَشّد حراكها، فهم لا يقودهم فى هذه "الزيطة" إلا عقل المهرولين وراء "عربية الرش" ! ... أما بعضهم الثالث - عن سوء نية أو عن تشوه معرفى - فليس له من بوصلة توجهه إلا أن يفرض مفردات أجندته السياسية على مشهد تاريخى معقد لا علاقة له بهذه البوصلة الأيديولوجية ولا بما ترشدنا إليه من مقاصدها !
عقول يحركها هذا الأدرينالين الزائد هى آخر ما تحتاجه مصر للتفكير فى حاضرها وللتخطيط لمستقبلها ! ... طغيان مثل هذه العقول على حياتنا هو ما جعلنا منذ أكثر من قرن من الزمان نبحث بلا وعى عن الاستقلال التام أو الموت الزؤام، فلا نحن حصلنا بهذا الأدرينالين على الاستقلال التام، ولا نحن أراحنا من جنون الأدرينالين هذا الموت الزؤام الذى استدعيناه فلم يستجب لنا ولو بعد طول انتظار !
=====================

Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen