Samstag, 6. März 2021

أول الغيث قطرة

 Hazem A. Hosny

6. September 2019  · 




أول الغيث قطرة


----------------

لا يعنينى فى المقاطع الفضائحية التى يبثها المدعو محمد على من مهجره إن كان الرجل صادقاً أو كاذباً، كما لا يعنينى إن كان مخلصاً أو مغرضاً، ولا إن كان مظلوماً أو ظالماً، بل ولا يعنينى إن كان يخوض معركته تلك مع النظام انطلاقاً من دوافع شخصية أو انطلاقاً من دوافع وطنية حقيقية أو مزيفة، ولا إن كان مدفوعاً من قبل جماعات مصالح سياسية أو اقتصادية، ولا حتى إن كانت تحميه أجهزة مخابرات أجنبية لها مشاريع جيوسياسية أو جيوستراتيجية مشبوهة ... 

... كل ما سبق هو مجرد تفاصيل - رغم أهميتها - لا يجب أن تلهينا عن الأسئلة الأهم التى تطرحها هذه المقاطع الفضائحية مثل السؤال المشروع عن لماذا تتآكل هيبة الجيش المصرى، ومعها هيبة الدولة المصرية، بهذه المعدلات المتسارعة التى لم نرها من قبل حتى بعد هزيمة 1967؟ ولماذا صار تناول الإعلام الدولى، بل وحتى الإعلام المحلى ووسائل التواصل الاجتماعى، لحضور قواتنا المسلحة فى المشهدين السياسى والاقتصادى طاغياً إذا ما قورن بتناول نفس هذا الإعلام الدولى والمحلى لمظاهر الحضور العسكرى للقوات المسلحة المصرية على الصعيد الجيوستراتيجى فى إقليم يعاد ترتيب أوراقه، وفى عالم تتغير فيه موازين القوة لغير صالحنا دون أن ندرى؟!

إجابات مثل هذه الأسئلة الأهم التى تطرحها مثل هذه المقاطع الفضائحية لا تستعصى على من يبحث عنها، ففى كل بلاد العالم، تكاد تكون مثل هذه الفضائح من الأمور المعتادة فى دنيا السياسة وفى عالم البيزنس : إما لتصفية الحسابات أو لاغتيال الخصوم أو لاقتناص المغانم السياسية والمالية، لكنها ليست معتادة بأى حال من الأحوال عند التعامل مع الجيوش التى لها فى كل أنحاء العالم هيبتها، والمحصنة دائماً بقواعد معاملات صارمة ترسم حدوداً واضحة لا يتداخل معها العالمان المدنى والعسكرى إلا استثناءً ودون المساس بالصورة الذهنية للجيوش فى أذهان شعوبها ... 

... أما فى مصر فإن المتابع لمداخلات الرئيس عبد الفتاح السيسى أثناء الندوات التثقيفية التى تنظمها القوات المسلحة، أو فى مؤتمرات الشباب التى تنظمها مؤسسة الرئاسة، أو أثناء افتتاحه مشاريعه الاقتصادية، ليلحظ دون كثير عناء أن التداخل بين العالمين المدنى والعسكرى يكاد يكون هو السمة المشتركة للسياسات العامة للدولة على امتداد السنوات الست الماضية، وهو ما يعرض المؤسسة العسكرية بالضرورة لكل ما لا يليق بوقار وهيبة الجيش، ومن ثَّم لكل ما يستبيح الحدود الفاصلة بين قواعد الانضباط العسكرى القائم على التراتبية، وعلى تنفيذ الأوامر حتى وإن كانت خاطئة، وبين قواعد الانضباط المدنى القائم على التنافسية والمحاسبة المتبادلة بين الفاعلين المدنيين فى دنيا السياسة والاقتصاد !

إذا استمرت استراتيجية رسم السياسات العامة للدولة هذه فإن مثل هذه المقاطع الفضائحية التى طالعتنا خلال الأيام القليلة الماضية لن تكون الأخيرة، وإنما قد تكون بداية غيث يبدأ بقطرة ثم ينهمر ! ... وإذا تصور نظام الحكم أنه يمكنه منع هذا الغيث من الانهمار بتوظيفه الأساليب الإعلامية المبتذلة والمستهلكة التى اعتدناها، أو من خلال توريط القضاء بسيل من البلاغات التى يتقدم بها محامون امتهنوا تقديم هذا النوع من البلاغات، فإننى أخشى أن يزداد المطر انهماراً، وأن يزداد معه الطين بلة !

ما يشغلنى، ويجب أن يشغل نظام الحكم، ليس لملمة اللبن المسكوب بعد أن انكسر الوعاء، فالضرر قد وقع حتى وإن أنكر الإعلام وأنكر القضاء وقوعه؛ فما يجب أن يشغلنا الآن هو البحث الجاد عن إجابة السؤال الذى يقلق كل غيور على الجيش المصرى، وعلى ما تبقى من الدولة المصرية، ألا وهو كيف يمكن تصحيح المسار قبل أن ينجرف الجميع إلى الهاوية، وإلا فإن العناد والمكابرة لن تزيد مصر إلا خساراً؛ فلا وجود لجبال يظنها الواهمون "عاصمة" لهم من خطر الطوفان الذى سيأخذ فى طريقه سمعة وهيبة ووقار الجيش والرئاسة والدولة كلها ! ... اللهم هل بلغت؟! اللهم فاشهد !

===========================

Keine Kommentare:

Kommentar veröffentlichen