دولة ما بعد السيسى ... وعقبات الطريق (2)
------------------------------------------------
إرادة الحياة، أم مجرد الرغبة فيها؟
-------------------------------------
على الرغم مما عرف به الشعراء من أنهم يسبحون بنا فى دنيا المشاعر والأحلام، حتى لقد يحلق بنا بعضهم بعيداً عن أرض الواقع بقوة دفع الجماليات التى لا تستقيم دوماً مع ما فيه الواقع من قبح لا يستقيم بدوره مع ضوابط الجمال ... وعلى الرغم مما شاع بين محبى الشعر من أن أجمله أكذبه، إلا أن أبا القاسم الشابى كان نموذجاً لأولئك الشعراء الذين جمعوا بين الحسنيين: بين الخيال الذى يصنع جماليات الكلمة، وبين صدق الكلمة التى تصف الواقع ولا تزيفه
------------------------------------------------
إرادة الحياة، أم مجرد الرغبة فيها؟
-------------------------------------
على الرغم مما عرف به الشعراء من أنهم يسبحون بنا فى دنيا المشاعر والأحلام، حتى لقد يحلق بنا بعضهم بعيداً عن أرض الواقع بقوة دفع الجماليات التى لا تستقيم دوماً مع ما فيه الواقع من قبح لا يستقيم بدوره مع ضوابط الجمال ... وعلى الرغم مما شاع بين محبى الشعر من أن أجمله أكذبه، إلا أن أبا القاسم الشابى كان نموذجاً لأولئك الشعراء الذين جمعوا بين الحسنيين: بين الخيال الذى يصنع جماليات الكلمة، وبين صدق الكلمة التى تصف الواقع ولا تزيفه
من شعر أبى القاسم يبدو أن أكثرنا لا يعرف إلا "إرادة الحياة" ... ومن قصيدة "إرادة الحياة" لا يكاد يسمع المصريون فى حياتهم غير مطلعها الذى يقول:ـ
إذا الشَّعبُ يَوْماً أرَادَ الْحَيَاةَ، فلا بـُدَّ أن يستجِيب القـَـدَرْ
ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِـى، وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
فتسرب إلى النفس التى اعتادت على قشور المعانى أن الإرادة هى أن نريد، أو أن الإرادة هى مجرد الرغبة، رغم أن القصيدة طويلة وفيها من المعانى ما يحتاج من مراهقينا - وما أكثرهم - أن يتوقفوا عندها لسبر أغوار معانيها، وإلا فلنقرأ معاُ هذه الأبيات - من نفس القصيدة إذ يقول الشابى:ـ
وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ : " أَيَـا أُمُّ، هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟"
"أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر
وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِى الزَّمَـانَ، وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر
هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ يُحِـبُّ الحَيَاة،َ وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُر
فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ، وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر
وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِى الرَّؤُوم لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر"
فهى أبيات تحمل من المعانى ما يفسر مطلع القصيدة .. فالإرادة لا تقوم بمجرد الرغبة، وإنما أيضاً بامتلاك الطموح، والاستعداد للمخاطرة ... لكن أجمل ما فى هذه الأبيات الصادقة هو هذا الحديث عن هذه العلاقة بين الإنسان وبين الأرض التى يلعنها كل يوم اللاعنون، وكأنها المسؤولة عن عيشهم الفاقد لمعانى الحياة، بل هى أبيات تتحدث بلسان هذه الأرض التى "تحتقر" أولئك الذين فقدوا "إرادة الحياة" قانعين بعيشهم الذى يلعنون الأرض بسببه ! ... الكون - والأرض منه - كائن حى، يحب الحياة، ويحتقر الميت مهما كبر أو ظن نفسه كبيراً بالعدد أو بالغرور !
هذه الأرض التى نلعنها كل يوم هى - ومنذ التراث المصرى القديم - أمنا الرؤوم التى تحتضن أجسادنا بعد أن تفارقها الحياة ... ربما لأننا من رحم هذه الأرض جئنا للحياة، وربما لأنها من خلالنا تحياها وتستمر فيها ... والسؤال الذى لابد من طرحه قبل أن نتعرف على صحبة الطريق التى تقودنا لدولة ما بعد السيسى هو كم من المصريين يملكون إرادة الوصول إلى آخر الطريق، وكم منهم يملكون فقط الرغبة فى الوصول إليها ولكن ببطاقات دعوة مجانية للحياة فى دولة لا يشاركون فى تحمل تكلفتها، وكم منهم لا يرغبون فى الوصول إليها أصلاً مكتفين بأسباب العيش عيش الحجر ؟!!
قبل أن نجيب عن هذا السؤال المهم، علينا أن نعود إلى قصيدة الشابى مرة أخرى لنلتقط معنى علينا ألا نفلته من أيدينا ونحن نتأهب للرحلة، وهو ما أعود إليه بالضرورة لاحقاً فى "البوست" القادم إن شاء الله لنا أن نعود إليه
============================


Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen